الدكتور محمد سليم العوَّا
(الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)

مقدمة بقلم / محمود عثمان رزق
الدكتور سليم العوا داعية ومصلح معروف وعالم يشار إليه بالبنان وقد أهله علمه أن يصبح الأمين العام للإتحاد الإسلامى لعلماء المسلمين فإذا لرأيه وزن معتبر وسط المسلمين فى العالم الإسلامى عامة وعلمائه خاصة . وإذا كان أنصار الختان يرمون الرافضين للختان بالتبعية للغرب والجهل بالسنة والشريعة وغيرها من المعلبات الإرهابية الجاهزة التى ينسفون بها التفكير والإجتهاد والتدبر، فالدكتور العوا ليس بربيب للصهيونية ولا الرأسمالية ولا العلمانية و لا الأمم المتحدة ولا مؤتمر السكان ولا غيره.  فهو الأمين العام لإتحاد علماء المسلمين وكل أدلته وحججه إسلامية محضة تدور حول الكتاب والسنة وإجماع المسملين تلك الأدلة التى يحتكرها الفريق الآخر!!.  وهو لا يقف وحده فى هذا الميدان فقد سبقه عدد من العلماء الأفزاز أمثال الإمام شلتوت ويوسف القرضاوى وسيد سابق ومحمد الصباغ وعلماء مكة والمدينة وكثير من علماء الأزهر الشريف ومن وراء هؤلاء خلق كثير. ونحن سنواصل تعريف المسلمين بدينهم الحق فى هذا الشأن ولن نلتفت للذين يظنون أن كل صيحة عليهم ! الذين لا هم لهم ولا حجة لهم إلا الشتيمة والتكفير والتفسيق والترهيب وكأن الله قد خلقهم قضاة لا دعاة. والحق الذى لا حق بعده فى نظرنا أن مسألة ختان الإناث طالما أنها فقدت الدليل الصريح من القرآن الكريم والسنة المطهرة والإجماع قد أصبحت من الأمور التى يفتى فيها أهل الإختصاص ولا يفتى فيها الفقهاء. وعليه يستفتى فى أمر ختان الإناث الطبيب المسلم ولا يستفتى الفقيه ويسأل عنه الطبيب المسلم ولا يسأل عنه الفقيه. وهى أيضا من الأمور التى يتبع فيها الناس السواد الأعظم من المسلمين والسواد الأعظم من المسلمين لا يختنون إناثهم عدا مصر والسودان والصومال وتشاد فهل كل المسلمون جاهلون بالسنة إلا أهل هذه البلاد؟

نص مقال الدكتور العوا:

من المسائل التي أثارت جدلاً كبيرًا ـ لاسيما في مصر ـ في السنوات القليلة الماضية مسألة "ختان الإناث". وقد بدأت إثارة هذه المسألة بسبب تقرير مصور أذاعته محطة تلفزيون CNN عن عملية ختان تجرى في مصر لطفلة صغيرة (أذيع هذا التقرير في أواسط شهر سبتمبر 1994).  وقد كتب كثيرون محاولين تقرير حكم الإسلام في هذا الختان، وكان أغلب ما كتب يدور حول إثبات صحة مشروعية الختان، وبالغ بعضهم فوصفه بأنه من السنة، وغالى بعض آخر من الكاتبين فقال إن مقتضى الفقه " لزوم الختان للذكر والأنثى ".  وليس ختان الذكور موضع خلاف، فلا حاجة إلى بيان حكم الشرع فيه.

وحكم الشريعة الإسلامية يؤخذ من مصادرها الأصلية المتفق عليها وهى :
القرآن الكريم،
والسنة النبوية الصحيحة
والإجماع بشروطه المقررة في علم أصول الفقه،
والقياس المستوفي لشروط الصحة.
 أما فقه الفقهاء فهو العمل البشرى الذي يقوم به المتخصصون في علوم الشرع لبيان أحكام الشريعة في كل ما يهم المسلمين ـ بل الناس أجمعين ـ أن يعرفوا حكم الشريعة فيه.  ولا يعد كلام الفقهاء (شريعة) ولا يحتج به على أنه دين،  بل يحتج به على أنه فهم للنصوص الشرعية، وإنزال لها على الواقع. وهو سبيل إلى فهم أفضل لهذه النصوص وكيفية إعمالها، لكنه ليس معصوما، ويقع فيه الخطأ كما يقع فيه الصواب، والمجتهد المؤهل من الفقهاء مأجور أجرين حين يصيب، ومأجور أجرا واحدا حين يخطئ.

فإذا أردنا أن نتعرف على حكم الشريعة الإسلامية في مسألة ختان الإناث، فإننا نبحث في القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم الإجماع ثم القياس، وقد نجد في الفقه ما يعيننا فنطمئن به إلى فهمنا ونؤكده ، وقد لا نجد فيه ما ينفع في ضوء علم عصرنا وتقدم المعارف الطبية خاصة، فنتركه وشأنه ولا نعول على ما هو مدون في كتبه.  وقد خلا القرآن الكريم من أي نص يتضمن إشارة من قريب أو بعيد إلى ختان الإناث. وليس هناك إجماع على حكم شرعي فيه، ولا قياس يمكن أن يقبل في شأنه.  أما السنة النبوية فإنها مصدر ظن المشروعية، لما ورد في مدوناتها من مرويات منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن. والحق أنه ليس في هذه المرويات دليل واحد صحيح السند يجوز أن يستفاد منه حكم شرعي في مسألة بالغة الخطورة على الحياة الإنسانية كهذه المسألة.

ولا حجة ـ عند أهل العلم ـ في الأحاديث التي لم يصح نقلها إذ الحجة فيما صح سنده دون سواه.

والروايات التي فيها ذكر ختان الإناث أشهرها حديث امرأة كانت تسمى: أم عطية ، وكانت تقوم بختان الإناث في المدينة المنورة، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: " يا أم عطية : أشمى ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج ".  وقد عقب أبو داود ـ والنص المروي عنده مختلف لفظه عن النص السابق ـ على هذا الحديث بقوله :" روي عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بمعناه وإسناده، وليس هو بالقوي، وقد روي مرسلا، ومحمد بن حسان (راوي الحديث) مجهول، وهذا الحديث ضعيف".

وعلق الإمام شمس الحق العظيم آبادي على كلام أبي داود بقوله:  " ليس الحديث بالقوي لأجل الاضطراب، ولضعف الراوي وهو محمد بن حسَّان الكوفي... وتبع أبا داود (في تجهيل محمد بن حسان) ابن عديّ والبيهقي ، وخالفهم الحافظ عبد الغني بن سعيد فقال هو محمد بن سعيد المصلوب على الزندقة أحد الضعفاء والمتروكين".

وهذا الراوي (محمد بن حسان أو محمد بن سعيد المصلوب) كذّاب، قال عنه العلماء إنه وضع أربعة آلاف حديث (أي نسبها كذباً إلى رسول الله (ص) وقال الإمام أحمد عنه : " قتله المنصور على الزندقة (أي بسبب الزندقة) وصلبه".

وقد جمع بعض المعاصرين طرق هذا الحديث، وكلها طرق ضعيفة لا تقوم بها حجة حتى قال أخونا العلامة الدكتور محمد الصباغ في رسالته عن ختان الإناث :  " فانظر رعاك الله إلى هذين الإمامين الجليلين أبى داود والعراقي وكيف حكما عليه بالضعف ولا تلتفت إلى من صححه من المتأخرين" ومن قبل قال شمس الحق العظيم آبادي: " وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها كما عرفت".

فحديث أم عطية ـ إذن ـ بكل طرقه لا خير، فيه ولا حُجَّةَ تستفاد منه. ولو فرضنا صحته، جدلا، فإن التوجيه الوارد فيه لا يتضمن أمرا بختان البنات وإنما يتضمن تحديد كيفية هذا الختان إن وقع، وأنها ( إشمام) وصفه العلماء بأنه كإشمام الطيب، يعنى أخذ جزء يسير لا يكاد يحس من الجزء الظاهر من موضع الختان وهو الجلدة التي تسمى "القلفة" ، وهو كما قال الإمام الماوردى: " .....قطع هذه الجلدة المستعلية دون استئصالها " ، وهو كما قال الإمام النووي: " قطع أدنى جزء منه  " فالمسألة مسألة طبية دقيقة تحتاج إلى جراح متخصص يستطيع تحديد هذا (الجزء المستعلي) الذي هو (أدنى جزء منها) ، ولا يمكن أن تتم ـ لو صح جوازها ـ على أيدي الأطباء العاديين فضلا عن غير المتخصصين في الجراحة من أمثال القابلات والدايات وحلاقي الصحة....إلخ، كما هو الواقع في بلادنا وغيرها من البلاد التي تجرى فيها هذه العملية الشنيعة للفتيات.

والحديث الثاني الذي يوازي في الشهرة حديث أم عطية هو ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" . وقد نص الحافظ العراقي في تعليقه على إحياء علوم الدين على ضعفه، أيضا، وسبقه إلى تضعيفه الأئمة البيهقي وابن أبي حاتم وابن عبد البر. ومداره (أي جميع طرق روايته تدور على أو تلتقي عند) على الحجاج بن أرطاة وهو لا يحتج به لأنه مدلس. ولذلك ـ ولغيره ـ قال العلامة الشيخ سيد سابق في فقه السنة: " أحاديث الأمر بختان المرأة ضعيفة لم يصح منها شيء ".

وقد نص الحافظ ابن حجر في كتابه: (تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعى الكبير) على ضعف هذا الحديث، ونقل قول الإمام البيهقى فيه: إنّه ضعيف منقطع.   وقول ابن عبد البر في (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد): إنه يدور على رواية راو لا يحتج به.

وكلام الحافظ أبى عمر بن عبد البر في كتابه المذكور نصه:  " واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبى المَليح هذا ، وهو يدور على حجاج بن أرطاة، وليس (أى الحجاج) ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع المسلمون عليه: الختان في الرجال".  وعلى ذلك فليس في هذا النص حجة، لأنه نص ضعيف مداره على راو لا يحتج بروايته ، فكيف يؤخذ منها حكم شرعي بأن أمرا معينا من السنة أو من المكرمات وأقل أحوالها أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل صحيح.

ولا يرد على ذلك بأن لهذا الحديث شاهدا أو شواهد من حديث أم عطية السابق ذكره، فإن جميع الشواهد التي أوردها بعض من ذهب إلى صحته معلولة بعلل قادحة فيها مانعة من الاحتجاج بها.  وعلى الفرض الجدلي أن الحديث صحيح ـ وهو ليس كذلك ـ فإنه ليس فيه التسوية بين ختان الذكور وختان الإناث في الحكم. بل فيه التصريح بأن ختان الإناث ليس بسنة، وإنما هو في مرتبة دونها. وكأن الإسلام ـ لو صح الحديث ـ حين جاء وبعض العرب يختنون الإناث أراد تهذيب هذه العادة بوصف الكيفية البالغة منتهى الدقة، الرقيقة غاية الرقة بلفظ  (أشمى ولا تنهكي) الذي في الرواية الضعيفة الأولى ، وأراد تبيين أنه ليس من أحكام الدين ولكنه من أعراف الناس بذكر أنه (سنة للرجال...) ـ وهى  (أي السنة) هنا بمعنى العادة لا بالمعنى الأصولي للكلمة ـ في الرواية الضعيفة الثانية .

ثم إن بعض الفضليات نبهتني إلى أن حديث أم عطية يناقض آخره أوله. ففي أوله أمر بالختان وفي آخره بيان أن بعض ذلك الجزء المطلوب إزالته (أسرى للوجه وأحظى عند الزوج!)  فلماذا لا يبقى أصل الخلقة كما خلقها الله تعالى فتكتمل نضارة الوجه والحظوة عند الزوج؟!