عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يقول المثل السودانى : " الله إن ما شافو بالعين عرفوا بالعقل! " ، وهذا العقل قد دل الإعرابى فى قديم الزمان للإيمان بالله تعالى متأملا فى بعرة بعير فقال قولته المشهورة : "إن البعرة تدل على البعير ويدل الأثر على المسير أفلا يدل الكون على الخالق القدير؟"  وعرف هذا المنطق بقانون السببية عند المنطقيين. وهذا المنطق البسيط كشف به زيف كثير من الإدعاءات الباطلة. ويحضرنى هنا قصة حكاها لى أخى وقد جاءه إبن صديق له يحكى له تعرضه لحالة نصب واحتيال ولحسن الحظ  كان يجلس مع أخى رجل من شرطة المباحث فقال الشاب لأخى : " يا عمو كنت راكب القطار و فى القمرة قام  واحد بتخديرى وبعدين شرط  جيبى بالموس وأخذ كل ما فيها وأنا الآن أحتاج لمصاريف قدرها كذا."  وكان رجل المباحث يسمع للفتى وهو يحكى قصته وقبل أن يرد أخى الذى تأثر للحادث ، أمر رجل المباحث الشاب بالخروج والإنتظار خارج المكتب حتى ينتهى هو من حديثه مع أخى ومن ثم يأتى لمعالجة قضيته. وعندما خرج الشاب قال رجل المباحث لأخى إنّ إبن صديقك هذا كاذب محتال!  فقال أخى : وكيف عرفت ذلك؟ فرد رجل المباحث بذكاء قائلا : " إذا كان الرجل قد قام بتخديره فعلا فهل من حاجة لشرط جيبه بالموس يا أستاذ ؟". ولعل فى قصة سيدنا يوسف مع زوجة العزيز وحكم الشاهد الذى من أهلها مثالا آخر لإستخدام المنطق فى كشف الأكاذيب.

لقد سمعنا وقرأنا كثيرا أن حرب الجنوب قد قتلت 2 مليون أو أكثر من الجنوبيين.  وحرب الجنوب بدأت فى عام 1955 وإنتهت عام 2005 بتوقيع إتفاقية نيفاشا. هذه خمسون عاما كاملة وعندما نخصم منها عشرة سنوات من السلام أيام الرئيس نميرى يبقى لنا 40 عاما من الخصام.  وهذه ال 40 عاما تساوى 14600 يوما (365 ضرب 40). و لو إفترضنا أن الحرب بين الجيش وحركات التمرد كانت يومية فمعنى هذا أن حركات التمرد خاضت 14600 معركة وكذلك فعل الجيش السودانى! فهل هذه حقيقة ؟ وهل هذا مقبول عقلا؟  فهل كانت المعارك بين الجيش والمتمردين يومية؟  وإذا إفترضنا أنها كانت يومية وكان يقتل من المتمردين والمدنيين الجنوبيين يوميا 40 شخصا ، فمعنى هذا أن العدد الكلى للضحايا العسكريين والمدنيين فى الجنوب يساوى (14600 ضرب 40) = 584000 قتيل.  ولكن هل كان يسقط من حركات التمرد والمدنيين الجنوبيين 40 قتيلا يوميا ؟ إن حرب العراق بالرغم من عنفها المشهود لم تشهد سقوط هذا العدد يوميا ! وكذلك حرب أفغانستان لم تشهد هذا العدد من القتلى يوميا  ، كما أنّ الصراع الإسرائيلى الفلسطينى لم يشهد ذلك أيضا.

إذا المنطق يقول : لا الحرب كانت يومية ولا القتلى كانوا يسقطون يوميا ولا هذا العدد الهائل من القتلى كان يقع يوميا.  وبالتالى إن  إفتراض عدد القتلى لكل سنين الحرب هو 584000 هو إفتراض خاطئ  أيضا و مبالغ فيه.  والحساب المعقول لهذه الحرب أن نفترض موت 10 أشخاص يوميا نصفهم من العساكر ونصفهم من المدنيين وبهذا يكون الحساب كالتالى (14600 ضرب 10) = 146000 قتيل (مائة وست وأربعين ألفا).  ولكن هذا الحساب سيدخلنا فى إشكالية جديدة هى معرفة حجم القوة القتالية لحركات متمردة قتل منها  73000 جندى (نصف العدد المذكور أعلاه) ؟ فإذا إفترضنا أن الحركات المتمردة فقدت ثلث قوتها فى خلال أربعين عاما فمعنى ذلك إن عدد هذه القوات كان (73000 ضرب 3) = 219000 أى ما يقارب ربع مليون جندى!  فهل كانت قوة الحركات تصل لهذا الرقم فى الوقت الذى لم يتجاوز فيه الجيش السودانى حتى الآن ال 120 ألفا وفقا للمصادر الغربية.  ونفس المصادر الغربية (وكبيديا) تقدر قوة جيش الحركة حاليا (أى بعد السلام) بأربعين ألف جندى (40 ألف).

إن الذى يجب أن يعرفه الجميع فى الشمال والجنوب وفى العالم كله أن هذه الأرقام مبالغ فيها أشد المبالغة ، وللأسف إن هذه المبالغة مقصودة فى حد ذاتها لتعميق الأحزان والجراح بين الشعبين. ومهما تكن حقيقة تلك الأرقام قلت أو كثرت فهى أرواح إنسانية فى المقام الأول وسودانية فى المقام الثانى وفقدها عزيز إن كان  فى الشمال أو الجنوب وهو أمر محزن للغاية. ولكن ما نريد أن ننبه له أن التاريخ سيكتب وسوف يكتبه الصادقون والكاذبون فى آن واحد. ونحن نريد أن تكتب الحقيقة كما هى حتى تعرفها الأجيال القادمة من أبناء الجنوب خاصة.   نعم ، نريد لهم الحقيقة كما هى لا منقوصة ولا مضخمة فيدرسونها ويقيمونها بطريقتهم الخاصة.  كما نريدهم أن يعقدوا مقارنة بين المشكلة التى وقعت بين الشمال والجنوب وبين كثير من المشاكل المشابهة فى بلدان العالم ليتعرفوا على خصائص مجتمعهم السودانى الذى أنشطر فيكتشفوا محاسنه وعيوبه علهم يرجعون. كما أعتقد جازما أن معرفة الحقيقة كما هى ستساعد الشعبين فى بناء علاقات جوار سليمة تقوم على اسس علمية وحقائق واقعية بدلا من عواطف مشحونة وحقائق مغلوطة وقصص مفبركة مختلقة .