بقلم : محمود عثمان رزق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دعا رئيس حكومة الجنوب السيّد سلفاكير الجنوبيين إلى مسامحة الشماليين على الحروب التي خاضوها ضدهم ، وذلك غداة انتهاء أعمال الاستفتاء حول حق تقرير مصير جنوب السودان. وقال كير في كلمة ألقاها في أعقاب قداس أقيم في كاتدرائية القديسة تريزا للكاثوليك في جوبا : " من أجل أشقائنا وشقيقاتنا الذين فقدناهم ، خصوصا الذين رحلوا عنا خلال المعارك ، ليباركهم الله وليعطهم الراحة الأبدية ، أما نحن فعلينا ، مثلما فعل السيد المسيح على الصليب ، أن نغفر للذين تسببوا في قتلهم ". أما أسقف كنيسة جوبا للكاثوليك باولينو لوكودو لورو خلال خطبة الأحد في كاتدرائية القديسة تريزا قال: «نصلي من أجل أن يستجاب لدعاء السودان».   والفرق كبير بين الدعائين فالدعاء الأول هو دعاء رجل سياسى يريد أن يسدد ضربة إستباقية إعلامية يظهر بها للعالم بأنّه رجل سلام ومحبة وأنّ يديه وأيدى جنوده فى الحركة الشعبية خالية وطاهرة من الدماء ، وأنّ الظالم والقاتل والمعتدى هو الشمال الذى تسبب فى قتل أبناء الجنوب!  أمّا الدعاء الثانى فهو دعاء صادق من رجل دين معروف ولذلك جاء دعاؤه عاما لكل أهل السودان.  والأب باولينو يعلم أن الطرفين شريكان فى الجريمة وأن كل طرف يده ملطخة بدماء الآخر فجاء دعاؤه شاملا لكل أهل السودان.

 ونحن نرحب بدعوة السيّد سلفاكير للعفو عن الشمال إذا كانت صادقة وكان الهدف منها بناء جسور أخوة وصداقة تأسس لجوار حسن وعلاقات جديدة ومتينة ، ولكن نشك فى دعوة الرجل ولو كان بالفعل صادقا لقال : " من أجل أشقائنا وشقيقاتنا الذين فقدناهم فى الشمال والجنوب، خصوصا الذين رحلوا عنا خلال المعارك ، ليباركهم الله وليعطهم الراحة الأبدية ، أما نحن فعلينا، مثلما فعل السيد المسيح على الصليب ، أن نغفر لبعضنا بعضا."  لو قال سلفاكير هذه العبارة بدلا من العبارة الأولى لقلنا إن الرجل صادق في دعوته ولكن الرجل سياسيى مثله مثل كل السياسيين الذى لا مصداقية لهم فهو قال ما قال ليظهر للعالم بأنّ رجل عفو وسلام.

وأخطر ما فى هذه الدعوة تلك  اللعبة السايكولوجية التى ترمى لتحميل الشمال عقدة ذنب أبدية بافتراء تهم لا أصل لها ليصدقها رهط منا فى الشمال فيطالبونا بالإعتذار الرسمى للجنوب.  وحقائق التاريخ تقول أن أول من بدأ الحرب هم عساكر الجنوب فى توريت عام 1955 وكان ضحيتهم المدنيين أولا ثم العسكريين الذين كانوا يعملون فى توريت.  هذه هى الجريمة الأولى التى أشعلت الحرب بين الطرفين وكما هو واضح فقد بدأها الجنوبيون فى وجود المستعمر الذى كان يحكم الجنوب والشمال معا. هذه الجريمة وخاصة فى حق المدنيين تحتاج لإعتراف وإعتذار رسمى من حكومة الجنوب التى سيكون على رأسها سلفاكير فى المستقبل القريب. ولم يكتفى الجنوبيون بذلك فقد تكررت أحداث قتل التجار والموظفين والمواطنين الشماليين أكثر من مرة فى مدن الجنوب وإنتقلت أخيرا لعاصمة البلاد فى مشهد مريع بشع فى ذلك اليوم المشهود الذى يعرف بيوم الإثنين الأسود. فى ذلك اليوم لم يقتل الجنبيون البوليس أو الجيش أو رجال الأمن وإنما هجموا على المواطنين العزل  فى الشارع والمتاجر والبيوت والسيارات فقتلوهم وضربوهم وأحرقوا ممتلكاتهم وإغتصبوا النساء وكنت أنا أحد ضحايا ذلك اليوم ولم يكن لأى واحد منا يد فى مقتل القائد جون قرنق لا من قريب ولا من بعيد.

ولم يكن المدنيين الشماليين هم وحدهم الضحايا فى هذا الصراع فقد قتلت الحركات المتمردة آنذاك كثير من رجال الجيش والبوليس أيضا.  فإذا كانت الحركات تقاتل من أجل إنتزاع حقوقها من الحكومة المركزية فكان الجيش يقاتل من أجل صون حدود بلاده ويقاتل أيضا دفاعا عن نفسه لأنه لو ترك الحركات تفعل ما تشاء لتسورت عليه المحراب ليلا أو نهارا. ولا يوجد جيش فى العالم قديما وحديثا ومستقبالا يقف متفرجا على تمرد فى داخل حدوده أو تهديد على حدوده.  وسوف تعصف المشاكل السياسية بحكومة الجنوب فى المستقبل وسوف تواجه تمردا عسكريا لا محالة وسوف نرى كيف سيتعامل معها جيش الجنوب ، هل سيهدى لها الورود أم يطلق عليها الرصاص.  إذا الذين قتلوا من الجيش السودانى فى الجنوب إنما كانوا يؤدون واجبهم الوطنى وليس من الضرورة أن يكونوا حملة ضغائن ضد المتمردين خاصة ولا الجنوبيين عامة.

وهذه الحرب التى بدأها الجنبيون قبل أن يحكمهم الشمال بل قبل أن يحكم الشمال نفسه قد تسببت فى قتل مئات الألاف فى الشمال صبرا بسبب المرض والجوع.  كما تسببت فى تنفير المستثمرين من البلاد وشركة شيفرون التى تركت التنقيب فى البلاد بحجة الأمن فى السبعينات لخير دليل على ما أقول. وللأسف ما زال المستثمرون الأجانب حتى هذه اللحظة يتخوفون من دخول البلاد بسبب مشكلة الجنوب. وليس ذلك فحسب فقد جلبت لنا حركات التمرد الجنوبية إسرائيل فى عقر دارنا تخطط وتدير منذ الستينات وحتى هذه اللحظة ولعل كتاب " إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان " الذي ألفه عميد الموساد المتعاقد موشى فرجى وقام  بنشره مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا  عام 2003 يحكى كل تفاصيل المؤامرة على الوطن بقيادة حركات التمرد وجوزيف لاقو على ذلك من الشاهدين. فقد دفع المواطن الشمالى الثمن غاليا لهذه الحرب اللعينة التى بدأها عسكر الجنوب.

ونحن نقول لكل من أراد أن يخلق لنا عقدة ذنب بسبب مشكلة الجنوب أنّه لن ينجح فى ذلك ، فأهل الشمال لم ينزحوا جنوبا لقتل أحد ولا لإسترقاق أحد وغالبيتهم قديما وحديثا لم ير الجنوب بعينه بعكس الغالبية الجنوبية التى رأت الشمال وسكنت فيه!. فالذى كان يقاتل هو جيش البلاد الذى يتكون حتى هذه اللحظة من الشماليين والجنوبين على حد سواء. وإذا حدثت فى التاريخ البعيد بعض التفلتات من بعض الشماليين وتبعوا الأوربيين فى إسترقاق بعض الجنوبيين فقد حدث هذا على نطاق محدود جدا ومن أفراد وليس من كل المجتمع ، وبالتالى لا يتحمل كل المجتمع جريرتهم كما لا يتحمل جريرة القتلة والسراق والمزورين وغيرهم. وأنا أتحدى أى جنوبى أن يقف ويقول إن أبى فلان أو جدى فلان كان يستعبده الشمالى فلان الفلانى فى المنطقة الفلانية من شمال السودان.  ولو تقدمت بنفس التحدى للسود فى أمريكا فكلهم سوف يثبتون بالوثائق القانونية والصور والشهود أن أبائهم وأمهاتهم وأجدادهم كانوا بالفعل مستعبدين عند أسر معروفة فى مناطق معروفة.

إن الشمال عزيزى سلفا قد فتح صدره لإخوته الذين فروا إليه من نار الحرب فآواهم وأطعمهم وعلمهم وآمنهم من خوف. فلم يشهد تاريخ الشمال أن خصصت المقاعد الخلفية للجنوبيين والمقاعد الأمامية للشماليين كما كان يحدث فى أمريكا. ولم يحدث أن منع جنوبى واحد من دخول مطعم أو مسجد أو مدرسة شمالية كما كان يحدث فى أمريكا. ولم يحدث أن خصصت أحياء بصورة رسمية ليسكن فيها الجنوبيين وحدهم كما كان يحدث فى جنوب أفريقا. ولم يحدث أن بنى الشمال جدارا عازلا بينه وبين أهل الجنوب كما فعلت إسرائيل حبيبة الحركة الشعبية. ولم يمنع أى صاحب مؤهل علمى من التعيين بسبب أنّه جنوبى ولم يمنع جنوبى واحد من البيع والشراء فى أى منطقة بالشمال كما تفعل إسرائيل الآن مع الفلسطنيين.  إن الشمال أشرككم منذ الإستقلال وحتى هذه اللحظة فى كل مستويات الحكم فلم يشهد السودان حكومة لم يشارك فيها الجنوبيون.

إن الشمال عزيزى سلفا قد جلس معكم فى نيفاشا وهو كان الطرف الأقوى عسكريا ومعنويا. وإن الشمال هو الذى فتح لكم طوعا مطار عاصمته وساحاتها حيث خاطب قائدكم أنصاره بعد أن فشل فى أن يدخلها على ظهر دبابة.   وإن الشمال هو الذى وافق على حق تقرير المصير فى مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا. وإن الشمال هو الذى أطاح فى ثورة شعبية كبرى بإحدى حكوماته من أجلكم. وإن الشمال هو الذى أوفى بوعده فى قيام الإستفتاء . وإن الشمال هو الذى أتى بشفرون لإستكشاف البترول ومن ثمّ جاء بشركات ماليزية وكندية وصينية لإستخرجه ومن مال هذا البترول سوف تديرون دولتكم الوليدة. وإن الشمال سيكون أول دولة تعترف بكم وتفتح لكم أبوابا عربية وأفريقية لتنعموا بالإستقرار بإذن الله.

عزيزى سلفا إن كنت داعيا للعفو بصدق فادعو الشماليين والجنوبيين معا ليعفو بعضهم عن بعض وإلا فإيادينا عليكم بيضاء إلا من تلك الدماء التى أنتم و الجيش فيها سواء وكنتم أنتم السبب الرئيس فيها. أما من جهتنا كشعب فندعو أبناء الشمال جميعا وأبناء الجنوب جميعا للعفو عن بعضنا بعضا وقفل صفحة الماضى والتركيز على بناء دولتين حديثتين تكونا مثلا فى حسن الجوار والتعاون والإخاء الإنسانى والإقليمى.

ولا يفوتنى أن أهنيكم مقدما بدولتكم الوليدة - وإن كنا من دعاة الوحدة- ونتمنى لها من سويداء قلوبنا الأمن والإستقرار والنماء وأن تكون منارة للحرية فى أفريقيا وتضرب مثلا فى إحترام حقوق الإنسان وأن تكون شجاعة تقول الحق فتشكر الإحسان وتدين الطغيان وتناصر الشعوب المستضعفة وخاصة الشعب الفلسطينى فإن الذى يدعى أنه قد ذاق طعم الظلم لا يمكن أن يعين ظالما على مستضعف أبدا مهما كانت المبررات.