عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مقدمة:
حوادث المرور من الظواهر السالبة لعصرنا الحديث الذى يعرف بعصر التكنلوجيا، والجدير بالذكر أنّ هذه الظاهرة لم تكن موجودة قبل عام 1920 وهو العام الذى إخترع فيه المخترع الأمريكى فورد السيارة.  وللأسف أن تكون هذه الحوادث المروعة البشعة هى نتيجة لذلك الإختراع المبدع الجميل !   ولا توجد إحصائيات دقيقة تثبت مكان وزمان أول حادث مرور فى العالم، ولا ندرى هل السيارة الأولى نفسها قد تسببت فى حادث أم لا.  ولكن من المرجح أن تكون الحوادث قد بدأت بعد بضع سنوات من تاريخ أول سيارة وذلك بعد أن بدأت المصانع فى الإنتاج التجارى وبدأت المدن الأمريكية تكتظ بالسيارات ومن ثم بدأت الحوادث تحصد مئات الأرواح يوميا فى جميع دول العالم بعد أن خرج المنتج الأمريكى من طور المحلية لطور العالمية.
 ونتيجة لكثرة السيارات و الحوادث بدأت الحاجة لتشريعات تضبط حركة المرور وبدأت هذه التشريعات فى التطور فى شكل قوانين لحركة المرور وشرّعت الدول عقوبات وغرامات لتأديب المخطئين وتعويض المتضررين.  ونحن كمسلمين أصابنا ما أصاب القوم فبدأنا نستفسر عن الحكم الشرعى لهذه الظاهرة التى تحصد عددا مقدرا من الأرواح المؤمنة فى كل يوم تطلع فيه الشمس وتتضرر منها الأسر بفقدان عائلها. وللأسف لا يمكننا البحث عن الحكم الشرعى لهذه الظاهرة فى كتب التفسير والفقه القديمة لأنّ العصر الذى كتبت فيه هذه الكتب لم يسجل حوادثا كهذه. والأمر برمته موضوع جديد للإجتهاد.  والذى دفعنى لكتابة هذا البحث أننى وجدت كثيرا من الناس يسأل عن حكم هذه الحوادث فيأتيهم الرد بأنّ عليهم الدية ثم ينشب الخلاف حول مسألة الصيام لأنّ الرق قد إنتهى منذ زمن بعيد وبالتالى موضوع عتق الرقبة غير وارد فى المسألة ولا فائدة من مناقشته أصلا.  فوجدت بعض الناس يفتى السائل بصيام شهرين متتابعين وبعضهم يسقط عنه الصوم.  وبالطبع لا يمكن ولا يعقل أن تكون حدود الله تعالى غير واضحة لهذه الدرجة التى تتناقض فيها الفتوى! ولهذا وجب علينا إعادة قراءة النص بصورة متأنية ومتعمقة ، وحينها سيتضح لنا أنّ حدود الله واضحة جدا وأنّ اللبس الذى يصيب الفهوم إنّما هو من عند أنفسنا وليس فى كتاب الله العزيز منه شيئا.
آيات البحث:
يقول الله تعالى فى سورة النساء آية 92 : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }  ويقول فى الأية 93 : { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً }
سبب نزول الآية:

قيل أن الآية نزلت فى عياش بن أبى ربيعة المخزومى عندما قتل الحارث بن زيد بن أنسة العامري ( وقيل بل هو الحارث بن يزيد بن نبيشة من بني عامر ابن لويّ) ، وكان الحارث يعذب عياشا فى الجاهلية ليرده عن الإسلام، ثم أسلم الحارث وخرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلقيه عيّاش بالحرة منفردا فعلاه بالسيف وهو يحسب أنّه كافر، ثم جاء عياش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فنزلت الآية فقرأها النبى (ص) عليه، ثم قال له: قم فحرر ولم يأمره بالدية لأنّ قريش كانت دار حرب وعداء ولا يجوز دفع الدية لها.

 وقيل : نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء عندما خرج في سرية حرب فخرج فى شعب الجبال يريد حاجة له، فوجد رجلاً من القوم الذين قصدتهم السرية بالحرب في غنم له فحمل عليه بالسيف فصرخ الرجل معلنا أن لا إله إلا الله إلا أن أبا عامر لم يسمع له فبدره بضربة قتلته ثم جاء بغنمه يسوقها غنيمة إلى المسلمين ثم وجد في نفسه شيئا مما فعل ،ً فأتى رسول الله (ص) فذكر له ما حدث فقال له رسول الله (ص) : " ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه! " قال: كيف بي يا رسول الله؟  فقال: " فكيف بلا إله إلا الله ؟ " قال : أبو الدرداء فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إيماني.

وقيل نزل قوله تعالى { ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم } : " في مقيس بن ضبابة الكناني وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل معه قيس بن هلال الفهري (وهو من بنى النجار) وقال له: قل لبني النجّار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتص منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته. فبلغ الفهري الرسالة فأعطوه الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان، فقال: ما صنعت شيئاً أخذت دية أخيك فتكون سبة عليك. اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله وركب بعيراً، ورجع إلى مكة مرتدا كافرا، وأنشد يقول:

         قتلـت بـه فهـراً وحمـلت عقـله * سـراة بنـي النجّار أربـاب فارع
         فأدركت ثأري وأضطجعت موسداً     * وكنـت إلـى الأوثـان أول راجـع

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا أؤمنه في حل ولا حرم "

وقيل: أنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة خيبر، وبعث أُسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام وكان فى قرية منها رجل يقال له مرداس بن نهيك الفدكي، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع أهله وماله في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فمر به أُسامة بن زيد فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً من القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فلا كشفت الغطاء عن قلبه، ولا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت " فحلف أُسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحداً شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فتخلف عن على بن أبى طالب فى حروبه ضد معاوية لهذا السبب. ولكن حلف أُسامة بن زيد واعتذاره إلى علي عليه السلام في تخلفه عن حروبه معروف مذكور في كتب التاريخ والله أعلم.
وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة، واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما نزلت في حرب رسول الله عليه السلام أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس عل المسلمين فيه دية . وكذلك روي عن ابن عباس أيضاً أنّه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتل المسلم فيمن قتل من الكفار فلا دية فيه (أى فى المسلم) ، وفيه الكفارة.
وعلى كل ، فقد رويت روايات كثيرة في سبب نزول هذه الآيات ، ومع إختلافها البين فى الشخوص إلا أنها قد أجمعت على أنّ الحادث الذى نزلت بسببه الآيات هو حالة من حالات الإقتتال والمشاحنة، وأن القاتل فى كل هذه الحالات قد تصرف تصرفا فرديا خارج عن نطاق القانون وسلطان الدولة أو بسبب لبس عام كما فى حال الجيش يقاتل جيشا من الكفار وفيهم من هو مسلم. وهذه ملاحظة سوف نستفيد منها لاحقا عندما نفحص الجانب اللغوى للآية.

الأحكام المستخلصة من الآية:

قتل العمد: قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم } ، يدل على أنّ التعمّد هو القصد إلى الفعل باسمه المعروف به ، وبما أنّ الأفعال الإنسانية لا تخلو من قصد ، كان من الجائز أن يكون لفعل واحد أكثر من عنوان.  فقد يتعمد الإنسان فعل شئ ما ونفس الفعل يتسبب فى ضرر آخر ليس فى حسبان الفاعل ولا نيته ، فمثلا قد يرمى الرامي إلى شبح ، وهو يظنه صيدا ، فإذا ذهب ليأخذه وجده انسانا! فالرامى هنا كان متعمداً إلى الصيد خاطئاً في إصابة الانسان، وكذلك إذا ضرب إنسان إنساناً بالعصي قاصداً تأديبه فقتلته الضربة، كان ذلك القتل قتل خطأ لأنّه لم ينوى قتله وإنما نوى تأديبه فى الأصل ، وعلى هذا فمن يقتل مؤمناً متعمداً يكون قد قصد بفعله هذا قتل المؤمن عن علم وهو يدرك معنى القتل ويدرك أنّ من أراد قتله مؤمن بالله ورسوله .
والإسلام لا يجوّز للمسلم أن يقتل مسلما ولا مواطنا غير مسلم عمدا.  و العقوبة الأصلية فى هذه الحالة هي القصاص بالدم، ولا تستبدل بها الدية إلا إذا عفا المجني عليه قبل موته أو أهله، فإن العفو من حقهم شرعا وأجرهم على الله تعالى وذلك لِمَا حضّ الله عليه عباده من الخير ، وعلى القاتل أن يدفع إليهم الدية من ماله وليس من مال أهله ، ويصوم شهرين متتابعين ، ويطعم ستين مسكيناً توبة إلى الله عزّ وجل.
 أما عذاب الآخرة بعد إنفاذ القصاص بالدم أو الدية بالمال هو وعيد من الله تعالى للقاتل إن شاء أنجزه وإن شاء عفا عنه. وهذا  يعنى أنّ القصاص والكفارات قد تكفر ذنب القتل العمد وقد لا تكفره. وقد سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً فهل له من توبة؟ فقال: إن كان قتله لإيمانه (أى بسبب إيمانه) فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب شيء من أشياء الدنيا فإنّ توبته أن يقتص منه.  ولعل قوله تعالى:{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } [النساء: 116] وكذا قوله تعالى: { إن الله يغفر الذنوب جميعاً } [الزمر: 53] تصلحان لتقييد آية القتل العمد وتدعمان رأى الإمام الصادق عليه السلام ، فالآية كما هو واضح قد توعدت القاتل عمدا بالنار الخالدة لكنها ليست بصريحة في الحتم، فيمكن العفو بتوبة نصوحة أو شفاعة مرجوة .


قتل الخطأ: والخطأ فى اللغة هو أن يريد المرء شيئاً فيصيب غيره ، وأخطأ في الأمر أي لم يصب الصواب. مثل أن يرمي الإنسان إلى صيد فيصيب إنساناً آخر متسببا له فى الموت، وكذلك لو قتل مسلم فى جهاد رجلاً ظنَّه كافراً كما فعل عياش بن أبي ربيعة فى أسباب النزول. وكون الفعل وقع بالخطأ لا يعنى أن يترك صاحبه بغير حساب ولا عقاب ، فقد قال رسول الله (ص) : "من أصاب دماً  خطأً فكتمه لقي الله به عمداً." وعليه لا بد للمسلم الذى يقتل أو يتسبب فى موت شخص بالخطأ من أن يمكّن الدولة وأهل المقتول أو الميت من نفسه ليحاسبوه ويسألوه ومن ثمّ يعاقبوه أو يتركوه.  وفى حق الذين وقع منهم القتل بالخطأ ومكّنوا الدولة وأهل المقتول من أنفسهم جاءت الأية تفصّل نوع العقوبات المترتبة عليهم تطهيرا من الله لهم وتوبة عليهم. وهذه الأحكام هى على النحو التالى:

1- إذا كان القتيل مسلماً و أهله مسلمين فالعقوبة هى الدية وصيام شهرين متتابعين. ولكن مسروق و الإمام الشعبي وآخرون يرون أنّ صوم الشهرين عن الدية والرقبة معا إذا لم يجدهما القاتل لفقره وفقر أهله (عاقلته). وتأويل الآية عندهم : فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى أهل المقتول فعليه صوم شهرين متتابعين.

2- إذا كان القتيل مسلماً و أهله كافرين محاربين (قريش مثلا) فالعقوبة هى صيام شهرين
متتابعين ولا دية على القاتل ، لأن الدية فى هذه الحالة ستعين الأعداء على المسلمين وليس من الحكمة دفعها لهم . قال الحسن البصرى: كان الرجل يُسلِم وقومه أهل حرب، فيقتله رجل من المسلمين خطأ ففيه تحرير رقبة مؤمنة إن وجدت وإلا فصيام شهرين متتابعين ولا تدفع الدية لقومه.

3- إذا كان القتيل مسلما وأهله غير مؤمنين ولكن بينهم وبين المسلمين ميثاق مواطنة أو عهد جوار فالعقوبة هى الدية وصيام شهريين متتابعين. (الأقليات الوطنية غير المسلمة فى الدولة الإسلامية مثلا)

4- إذا كان القتيل غير مسلم (كتابيا أو وثنيا) وأهله أيضا ليسو مسلمين ولكن بينهم وبين المسلمين عهد مواطنة أو عهد جوار فالعقوبة هى الدية وصيام شهريين متتابعين. قال  ابن عباس والزهري والطبرى والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وابن زيد وسفيان الثورى وإبن مسعود وجماعة من  العلماء : أنّ دية المعاهد كدية المسلم (مرة اخرى الأقليات الوطنية غير المسلمة فى الدولة الإسلامية هم من أصحاب عهد المواطنة). والمعاهدُ فى اللغة هو مَن كان بينك وبينه عهد ، وأَكثر ما يطلق في الفقه الإسلامى على أَهل الذمة من أهل الكتاب ، وقد يطلق على الوثنيين المشركين أيضا إِذا تعهدوا بترك الحرب وقبول عهد المواطنة. ومن معانى العهد أيضا الالتقاء ، ويمكن أن يكون الإلتقاء على الوطن فيتأسس به عهد المواطنة. ولفظ الميثاق يقع على الذمة والعهد جميعاً وهو عهد مؤكد بالأيمان (القسم).

من يتحمل دفع الدية؟
الدية لغة من ودى القاتل المقتول أو الميت بمعنى اعطى أهله المال الذى هو بدل النفس أو العضو أو غيرها، ، وذلك المال يسمى الدية وهى ـ وإن كانت عقوبة ـ إلا أنها حق مالي للمجني عليه يرثه فيه أهله، ، وقد روعي في تقديرها أن تكون تعويضاً عادلاً عن قتل أرتكب بالخطأ أو موت تسبب فيه المسلم بالخطأ أو تسبب فى ضرر أصاب جزء من النفس بالخطأ . قال ابن عباس: (دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشرة من الابل لكل إصبع) وكذلك روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن النبى (ص) قال: (من تطبب –أى تكلف الطب- ولم يكن بالطب معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن) أخرجه الدارقطني وصححه الحاكم . الحديث دليل على تضمين المتطبب ما أتلفه من نفس. و المتطبب هو من ليس له خبرة بالعلاج وليس له شهادة معروفة وموثقة من جهة تشرف على الإختصاص فى مجال الطب وتعمل على تجويده كصنعة وإحكام معرفة فنونه. قال ابن القيم في الهدي النبوي: " والطبيب الجاهل إذا تعاطى علم الطب أو علمه ولم يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الانفس وأقدم بالتهور على ما لا يعلمه فيكون قد غرر بالعليل (المريض) فيلزمه الضمان  (الدية) وهذا إجماع من أهل العلم". وفى نفس الموضوع قال الإمام الخطابي: " لا أعلم خلافا في أن المعالج (الطبيب) إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا (لروحه بالدية) والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود (القصاص) لانّه لا يستبد بذلك (لا يقدر على ذلك) دون إذن المريض. وجناية الطبيب على قول عامة أهل العلم على عاقلته (أهله) ". ومن الملاحظ أن رسول الله (ص) لم يقل على المتطبب تحرير رقبة وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين! وذلك لأنّه عليه السلام  لم يعد هذا الموت قتلا ، فالمتطبب تسبب فى موت مريضه وهو فى الأصل يريد أن يشفيه وليس بينه وبين مريضه عداوة وإلا لرفض المريض تسليم نفسه لعدوه!، وهذا معنى قول الإمام الخطابى : " لانّه لا يستبد بذلك دون إذن المريض".

ومن كلام إبن عباس وغيره نفهم أنّ الدية تجب فى غير القتل الخطأ وبالتالى تشمل النفس الميتة بسبب حوادث غير مقصودة كما فى حوادث المرور . وقوله تعالى : { ودِيَةٌ مُسلَّمة إلى أهله } أي: مدفوعة إلى أهل القتيل تامة غير منقوصة تقسم بينهم وفقا لحساب الميراث إلا أن يتصدقوا بالدية على القاتل أو يتصدق بها القتيل قبل موته فيسقط دفعها لهم . و الدية فى الشريعة الإسلامية يتحملها الأهل ( العاقلة) كما بيَّن ذلك رسول الله (ص) مع أنّ ظاهر الآية يشير إلى أنّ دية الخطأ على القاتل!  و لكن رسول الله (ص) بعث مبينا لأحكام القرآن ولهذا جاء الإجماع على أن الدية في قتل الخطأ على الأهل وهم الإخوة وبنو الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وأعمام الأب وأبناوهم وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يدخل الوالد والولد في دفع الدية مع أن ابن مسعود (رض) روى عن النبي (ص) أنه قال: " لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه "!. وإلزام الدية للأهل ليس من باب أخذ البرئ بذنب المذنب كما قد يتبادر للذهن وإنما على سبيل المؤاساة والمعاونة الأسرية . فإن لم يكن الأهل قادرون على دفعها فيتحملها عنهم ديوان الزكاة (بيت المال).  أما تحرير الرقبة –إن وجدت- يتحمل نفقاتها القاتل من ماله الخاص أو يصوم بدلا عنها شهرين متتابعين.
 فلو قلنا أن المنطق يقضى بأن يتحمَّل القاتل وحده الدية كما تحمل نفقات تحرير الرقبة وصيام شهرين متتابعين لأنّ القاعدة الحقوقية تقضى بأن { َلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } ، لما أمكن أن يحصل كثير من أهل المجني عليهم دية أبنائهم التي هى حق لهم ؛ وذلك لأنّ مقدار الدية فى كل العصور أكبر من ثروة الفرد من الطبقة الوسطى . فكان ترك القاعدة الحقوقية  إلى هذا الاستثناء هو الضمان الوحيد الذي يضمن وصول الحقوق المقررة إلى أهلها. والجدير بالذكر أنّ الأهل يتحملون الدية في حوادث الخطأ فقط وليس جرائم العمد ، وأساس حوادث الخطأ هو الإهمال وعدم الاحتياط، وقد يكون الإهمال وعدم الاحتياط  نابعا من الشعور بالعزة والقوة لاتصاله بالجماعة القوية، فالملاحظ أن من لا عشيرة قوية له فى مجتمع عشائرى يكون أكثر احتياطاً ويقظة ممن له عشيرة ، وأن المنتمين للأقليات فى جميع المجتمعات يكونون أكثر حرصاً من المنتمين للأغلبية ، وأنّ المهاجرين أكثر حرصا من المواطنين فى بلادهم. فوجب لهذا أن تتحمل الجماعة على مستوى الأهل أو الدولة نتيجة الخطأ ما دامت للجماعة علاقة بهذا الإهمال وعدم الاحتياط ولو كانت بعيدة .  كما يجب ألا ننسى أن نظام الأسرة ونظام الجماعة يقومان على التناصر والتعاون، فعليه وجب على الفرد في كل أسرة أن يناصر باقي أفراد الأسرة ويتعاون معهم.  ودعوة الأهل أولاً والمجتمع ثانياً للمشاركة فى تحمل نتيجة خطأ الجاني يحقق التعاون والتناصر ويجدده وسط الأسرة المسلمة تحقيقاً تاماً. إن القاعدة الأساسية في الشريعة هي حرمة الدماء وصونها من الإهدار بالعمد أو الإهمال ، ولذلك جاءت الدية كعوض عن الدم المهدر بالخطأ ، فلو حملنا كل جانٍ وحده الدية وكان عاجزاً عن أدائها، لأهدر بذلك دم المجني عليه، فكان الخروج عن القاعدة العامة التى تقضى بأن لا يتحمل البريئ ذنب المذنب إلى الاستثناء الذى هو أن تتناصر الجماعة فى تحملها لنتيجة خطأ الفرد  واجباً حتى لا تذهب الدماء هدراً دون مقابل. ولهذا ختمت الآية بقوله: ( وكان الله عليماً حكيماً ) أى عليماً بما يحقق المصلحة لعباده حكيماً في تشريعه فلا يشرع إلا ما ينفع الناس ولا يضرهم البتة.

كم قيمة الدية؟
 إن الدية فى كل عصر من العصور تخضع لإجتهاد علماء العصر بالتعاون مع أهل الإقتصاد وهى تختلف فى نوعها وكميتها من بلد لآخر وهناك دية مقابل إزهاق النفس ودية مقابل تلف الأعضاء . وبما أنّ المجتمع الإسلامى القديم كانت تغلب عليه حرفتى الرعى والتجارة وكانت الإبل هى الأوفر فى مجتمع العرب جاءت دية النفس مائة من الإبل على أهل الإبل كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: " الدية مائة بعير فمن ازداد بعيراً فهو من أهل الجاهلية " ،  وألف دينار شرعية على أهل الذهب ، وأثنا عشر ألف درهم على أهل الوَرِق ، مقسطة على ثلاث سنين كما فى مذهب الإمام مالك.  وهذه الأرقام والمصطلحات النقدية التى ذكرها الإمام مالك وغيره من فقهاء العصور السابقة لم تعد صالحة لعصرنا هذا وليس كل المجتمعات تعرف الإبل ، فعليه وجب الإجتهاد لتحديد قيمة دية النفس ودية الأعضاء نقدا بما يناسب إقتصاد العصر الحديث ولغة العصر الحديث فى كل بلد.

هل تعتبر حوادث المرور حوادث قتل؟؟

لقد رأينا الأحكام التى تكون نتيجة القتل الخطأ فى سياق الآية وهى أحكام واضحة لا لبس فيها وليس فيها خلاف ولا يستفتى فيها أحد من العالمين لوضوحها التام.  ولكن السؤال الذى يجب أن يسأل عنه أهل الفقه والقانون هو : هل تعتبر حوادث المرور حوادث قتل؟  وهنا نحتاج لوقفة نتأمل فيها الآية وسبب نزولها ومفرداتها اللغوية ونربطها بما سبقها وتلاها من آيات لكى نتمكن من رسم صورة متكاملة للموضوع ومن ثمّ إستخراج حكم شرعى صحيح فى هذه الظاهرة الحديثة.

لغة الآية:
إن اللغة العربية لغة دقيقة وحساسة جدا وليس فيها من المترادفات شئ وإنّما هى درجات يعرفها أهل الإختصاص جيدا، ولعل الفرق بين "الرحمن" و "الرحيم" فى "بسم الله الرحمن الرحيم" يوضحان مثل هذه الفروق الدقيقة. وقيل أن أحد الأعراب أراد أن يمتحن صحابة رسول الله (ص) وهم جلوس حوله فسألهم : من كبيركم؟ فرد العباس (رض)  - وقد فهم السؤال - وهو يشير إلى رسول الله (ص) قائلا : هذا كبيرنا وأنا أسنّهم! فتبسم الإعرابى من فطنة العباس (رض) وفهمه لأسرار اللغة العربية.  
وإذا رجعنا لمادة " ق ت ل " فى القاموس نجد أن القِتال هو من المُقاتلة والمحاربة بين اثنين. وكما قال صاحب مقاييس اللغة إنّ " القاف والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إذلالٍ وإماتةٍ". فإذا، عملية القتل تتضمن مع الإذلال إزهاق النفس. فقاتل العمد يعمد لإذلال وإزهاق روح خصمه ، وقاتل الخطأ يعمد لإذلال خصمه فقط ولا ينوى أزهاق روحه. والقتل بهذا المعنى يتطلب مناخا للخلاف بين إثنين وأكثر كما ذكر صاحب القاموس. وهذا الخلاف درجات أعلاها الحرب وأقلها المشاحنات الغاضبة. وعليه ، لا يجوز لنا أن نستخدم مادة "ق ت ل " ومشتقاتها من قتال ومقاتلة وإقتتال وقاتل ومقتول إلا فى جو من خلاف وخصام وروح تعد مع وجود سلاح .  ولكى أتأكد من صحة هذا الفهم قمت بحصر كل الآيات التى ذكرت فيها مادة " ق ت ل " فوجدتها 170 أية نزلت جميعا فى جو من خصام أو تعد، وكذلك تتبعت كل الآيات التى وردت فيها مادة " م ا ت " فوجدتها 165 آية نزلت كلها – إلا آيات قليلة - فى المعنى العام للموت المادى وهو سكون الجسد ومفارقة الروح له بشتى الوسائل ، والآيات القليلة التى فارقت المعنى العام للموت تحدثت عن الموت المعنوى للروح.

 وحتى عندما تسخدم كلمة قتال فى غير معنى القتل -الذى هو إزهاق الروح بسلاح - يقصد بها اللعنة كما فى قوله تعالى: "قاتَلهم الله أَنَّى يؤفَكُون"؛ وعندما تتمعن حقيقةاللعن تجده بسبب عداء من الله للعبد. وعندما يقال: قاتَل الله فلاناً! أَي عاداه. وأيضا معنى قاتَلَ الله فلاناً ! أى قَتَله وهو غاضب عليه . و قال الفراء في قوله تعالى: قُتِل الإِنسان ما أَكْفَره؛ معناه لُعِن الإِنسان، وقاتَله الله بمعنى لعَنه الله؛ وقال أَبو عبيدة: معنى قاتَلَ الله فلاناً قَتَله (بوسيلة من الوسائل). وفي الحديث: "قاتَل الله اليهود..." أَي قَتَلَهُم الله ، وقيل بل معناه : لعَنهم الله ، وقيل: عاداهم. ومن كل هذا يثبت لنا أنّ مادة "ق ت ل" لا ترد إلا فى جو من خصام أوعداء أوغضب أو عصبية مضافا إليها إستخدام نوع من أنواع السلاح كوسيلة لإزهاق الروح.  قال ابن الأَثير: لا يخرج معنى القتل والقتال عن أَحد هذه المعاني. وفى تعليقه على قوله تعالى: { ولكم في القصاص حياة } [البقرة: 179]. يقول الإمام إبن تيمية: " إن القصاص فى القتلى يكون بين الطائفتين المقتتلتين قتال عصبية وجاهلية، فيقتل من هؤلاء وهؤلاء فأمر الله تعالى بالعدل بين الطائفتين." (الفتاوى مجلد 14 ص. 48). والملاحظ أنّك عندما تقول فلان قتل يأتى السؤال من الناس تلقائيا: بأى ذنب قتل؟ وكيف قتل؟ ومن القاتل؟ ولكن عندما تقول فلان مات ، يأتى السؤال مغايرا فيسألون : ما هى أسباب موته ؟ هل كان مريضا، أم مات فى حادث حركة ، أم مات موتا طبيعيا ...الخ ؟  وهذه الأسئلة التلقائية تثبت أن هناك ثمة تمييز بين مفهوم الموت ومفهموم القتل فى أذهان الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وبهذا يتضح لنا أن مصطلح الموت أعمّ من مصطلح القتل ، فالموت يشمل القتل كوسيلة واحدة من وسائل الموت ولا يشمل القتل كل وسائل الموت المتعددة. ولذلك يصح أن تقول مات فلان مقتولا ولا يصح أن تقول قتل فلان ميتا. وهذا التفريق يتضح لنا جيدا عندما نتأمل بعض الآيات التى جمعت بين مصطلح الموت ومصطلح القتل فى سياق واحد وهى:

قوله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا (أى كسائر الأموات) بل أحياء عند ربهم يرزقون " (157 آل عمران"
وقوله تعالى : " ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله خير مما يجمعون" (آل عمران 157)
وقوله تعالى : " لو كانوا عندنا ما ماتوا ولا قتلوا..." (156 آل عمران) و من غفلة هؤلاء الكفار أنّهم نسوا أن التقاعس عن الجهاد قد يمنع وقوع القتل كحالة خاصة، ولكنه لا يمنع وقوع الموت كحالة عامة ! فكيف أجاز هؤلاء الأغبياء لأنفسهم أن يقولوا "ما ماتوا" ؟! ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين فى بداية الآية أن يرددوا مثل هذا القول الغبى الذى لا يفهم ولا يعقل.
وقوله تعالى : " ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون.." (158 آل عمران) الملاحظ أنّ الآية بدأت بالعام وهو الموت بكل الوسائل ثم ذكرت وسيلة القتل إنفردا وتحديدا للفت اللإنتباه وتحريضا على قتال الأعداء.
وقوله تعالى : " والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا .." (58 الحج)
وقوله تعالى : " قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل.." (16 الأحزاب)
وقوله تعالى : "أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم" (144 آل عمران)

هذه الآيات فرقت بين نوعين من الموت:
الأول : الموت قتلا وبالتحديد فى جو من خصام بين الحق والباطل.
الثانى : الموت بالوسائل الأخرى التى لا تحصى ولا تعد .

ونحن إذا تأملنا حال السائق وهو يحرك سيارته من نقطة ما متجها بها نحو مكان آخر نجده لا يريد شيئا سوى أن يصل المكان الآخر بسلام وأمان. وعادة لا يفكر السائق فى سيارته كنوع من السلاح أصلا ، ولا يتمنى أن يسبب بها الموت لاحد من الناس ، ولكن بالرغم من هذه النوايا الحسنة يجد السائق نفسه أحيانا فى حادث مرور بشع متسببا فى موت شخص أو أكثر!  فهل هذا الحادث يعد قتلا؟؟.  الإجابة فى نظرى هى لا ، لأنّه لا يجوز لنا ونحن نستخدم لغة التشريع أن نخلط بين المصطلحات لأنّ النتيجة واحدة وهى أنّ نفسا بشرية قد أزهقت وبالتالى لا يضيرنا أن نقول مات أو قتل! إن الأمر ليس بهذه البساطة . إنّ إختلاط المصطلحات يقود إلى إختلاط الأحكام وإختلاط الأحكام يتسبب فى تحميل الناس ما لا يستطيعون . فهذا السائق فى الحقيقة لم يقتل ولكنّه تسبب فى موت أحد من الناس بالخطأ ، وفى هذه الحالة تجب عليه الدية فقط لأنّ الدية ليست مربوطة بحوادث القتل الخطأ فحسب كما ذكرنا سابقا ، وإنّما ربطت أيضا بحوادث الموت الخطأ وبتلف الأعضاء. أمّا الدية التى قرنت بصيام شهرين متتابعين هى حكم خاص فى حوادث القتل الخطأ الذى هو نتيجة لخلاف أو فتنة أو بغضاء أو مشاجرة أو غيرها مما هو شبيه بهذه المعانى، فإذا ثبت أن السائق دخل فى خلاف أو خصام مع الميت فهنا شبهة قتل وللمحكمة تحديد نوع القتل عمدا كان أم خطأ ومن ثم تطبيق العقوبة المناسبة.

ربط الآيات بما قبلها وبعدها:
تقول الآية 94 وهى الآية التى تلى آية القتل الخطأ (92) وآية القتل العمد (93) : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } والضرب فى الأصل هو السير في الأرض والمسافرة ، وتقييده بسبيل الله فى الآية يدل على أن المراد به هو الخروج للجهاد، والتبيّن هو التمييز بين الأشياء ، والمراد به التمييز بين المؤمن والكافر بقرينة قوله: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً } والمراد بإلقاء السلام إلقاء التحية المعروفة عند أهل الإيمان ، وقرئ: لمن ألقى إليكم السلم بفتح اللام وهو الاستسلام. والجدير بالملاحظة أنّ كلمة "فتبينوا" قد وردت مرتين فى الآية نفسها.  وهذا التكرار للتذكير والتحذير من قتل المؤمن بالخطأ. والمراد بابتغاء عرض الحياة الدنيا الغنيمة بدليل قوله تعالى: { فعند الله مغانم كثيرة } وهى جمع مغنم ، و ما عند الله من المغانم أفضل من مغنم الدنيا الذي تكسبونه من قتل المؤمن بالخطأ نتيجة التسرع وعدم التبين، فتبينوا يا أهل الإيمان وأعلموا أن مغانم الله أكثر وأجل وأفضل فلا تؤثروها على مغانم الدنيا. وقوله تعالى: { كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبيّنوا } (الخ) أي على هذا السلوك المتعجل فى الأحكام والرغبة القوية فى مغانم الدنيا كنتم فى الجاهلية لا تبتغون إلا الدنيا ، فمنّ الله عليكم بالإيمان الصارف لكم عن ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى ما عند الله من المغانم الكثيرة ، فإذا كان هذا هو حالكم الجديد ، فيجب عليكم ان تتبيّنوا فيما تصنعون، ولا تنقادوا لأخلاق الجاهلية وما بقي فيكم من اثارها المتهورة المتعجلة. وفي تكرار الأمر بالتبيّن تأكيد في الحكم وتشديد على حرمة الدماء كما ذكرنا. والآية تعتبر أنّ الاسلام إنّما يقبل من الناس بظاهر أعمالهم ولو بالتحية ، أما أعمال القلوب فهى متروكة إلى اللطيف الخبير.  يقول سيد قطب فى الظلال : " واحتراسا من وقوع القتل ولو كان خطأ ، وتطهيرا لقلوب المجاهدين حتى ما يكون فيها شئ إلا لله ، وفى سبيل الله ..يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة ، ألا يبدأوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا ، وأن يكتفوا بظاهر الإسلام فى كلمة اللسان." وذلك لأنّ " عرض الحياة الدنيا لا يجوز فى أن يدخل للمسلمين فى حساب ، إذا خرجوا يجاهدون فى سبيل الله، إنه ليس الدافع للجهاد ولا الباعث عليه .. وكذلك التسرع بإهدار الدم قبل التبين.  وقد يكون دم مسلم عزيز، لا يجوز أن يراق.." (ج 5 ص. 737)   وهذا التحذير والتنبيه الوارد فى الآية (94 من سورة النساء) يشرح معنى القتل فى الآية 92 من سورة النساء ويبين الظروف التى يتم فيها إستخدام ماد ( ق ت ل ) عادة.
أما إذا رجعنا للخلف وقرأنا الآية 91 سنجدها تقول : { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } والجو الذى إستخدمت فيه مادة ( ق ت ل) فى الآية هو جو مشحون بسحب القتال والعداء والفتنة كما هو بيّن. وعموما جو الآيات (91 ، 92 ، 93 ، 94 ، 95) جو ملبد بسحب العداء والخصام والتربص والهياج وهذا يؤيّد كلامنا السابق الذى ملخصه أنّ مادة (ق ت ل ) لا تستخدم إلا فى ظروف قتال ومشاحنة وهياج وما شابهها من المعانى وأىّ إستخدام لها خارج هذه الدائرة هو خلط للمصطلحات والأحكام
إشارات لطيفة فى الآية:
يقول الإمام إبن عجيبة فى البحر المديد فى تفسير الأية (92) : " اعلم أن الحقّ ـ جلّ جلاله ـ قد رغَّب في إحياء النفوس، حسًا ومعنًى، ونهى عن قتلها حسًا ومعنًى، وما ذلك إلى لخصوص محبة له فيها، ومزيد اعتناء له بشأنها؛ فليس في الوجود أعز من الله من مظهر هذا الآدمي إن استقام في العبودية لربه، فهو قلب الوجود، ومن أجله ظهر كل موجود، وهو المنظور إليه من هذا العالم السفلي، والمقصود بالخطاب التكليفي: جزئي وكلي، فهو المقصود من بيت القصيد، وهو المحبوب إليه، دون سائر العبيد، قال تعالى: ومعنى إحيائها حسًّا: إنقاذها من الهلاك الحسّي، ومعنى إحيائها معنّى: إنقاذها من الهلاك المعنوي كالجهل والغفلة، حتى تحيا بالعلم والإيمان واليقظة، ومعنى قتلها حسًا: إهلاكها، ومعنى قتلها معنًى: إيقاعها في المعاصي والكفر وحملها على ذلك، وكذلك إهانتها وذلها، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " لَعنُ المُؤمن كَقَتَلهِ " فأمر من قتله خطًأ أن يُحيي نفسًا أخرى من مقابلتها بإخراجها من موت إهانة الرق، فإن لم يقدر، فليحيي نفسه بقتل صولتها بالجوع حتى تنكسر، فتحيا بالتوبة واليقظة، ويُجبر كسر أهل المقتول بالدية المُسَلَّمة."
قال إسماعيل حقى فى روح البيان : " فان قيل قتل الخطأ لا يكون معصية فما معنى التوبة فى قوله تعالى { تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } ؟. قلت: إنّ فيه نوعا من التقصير لان الظاهر انه لو بالغ فى احتياط لما صدر عنه ذلك. فقوله توبة من الله تنبيه على انه كان مقصرا فى ترك الاحتياط { وكان الله عليما } بحاله اى بانه لم يقصد القتل ولم يتعمد فيه { حكيما } فيما امر فى شأنه." ويقول أيضا : " الاشارة فى قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ان تربية النفس وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدم على تربيتها بالجوع والعطش وسائر المجاهدات فان حب الدنيا رأس كل خطيئة وهى عقبة لا يقتحمها الا الفحول من الرجال" ولذلك قدمت الدية وتحرير الرقبة على الصيام.

يقول العلامة الطبطبائى : " قوله تعالى: { توبة من الله } (الخ) أي هذا الحكم وهو إيجاب الصيام توبة وعطف و رحمة من الله لفاقد الرقبة، وينطبق على التخفيف، فالحكم تخفيف من الله في حق غير المستطيع وكذا هو توبة من الله للمجتمع، وعناية لهم حيث يزيد به في أحرارهم واحد بعد ما فقدوا واحداً، ويرمّم ما ورد على أهل المقتول من الضرر المالي بالدية المسلّمة.  ومن هنا يظهر أن الاسلام يرى الحرية حياة والاسترقاق نوعاً من القتل! ويرى المتوسط من منافع وجود الفرد هو الدية الكاملة."  

ولقد تحدثنا من قبل عن لغة القرآن ومناسبتها للأحداث ، وهنا نجد أن القرآن إستخدم كلمة "تحرير رقبة" وكلمة تحرير جاءت على وزن تفعيل وهو من صيغ المبالغة وهي مشتقات تدل على القيام بالحدث على وجه المبالغة والكثرة! وتحرير العبد هو إخراج العبد من الرقّ إلى الحرية ومن الظلم إلى العدل. والرقبة هي العنق وقد شاع استعمالها في النفس المملوكة مجازاً وذلك من تسمية الشىء باسم جزئه وملك الرقبة يشير للتحكم والإذلال فلذلك أمر الله تعالى بتحريرها من الأغلال والإذلال.  والتحرير هو الاعتاق و معناهما التخليص ، والحر والعتيق فى اللغة هو الكريم ، وعتاق الخيل كرامها ، وحر الوجه أكرم موضع فى الوجه. وبما أنّ الكرم فى الأحرار ، فقد وجب دينيا تحرير العبيد ورفعهم من منزلة الذل إلى منزلة أصحاب الكرم تحقيقا لقوله تعالى "إنا كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر", أنظر كيف ناسبت هذه الألفاظ هذه القضية التى أرهقت الإنسانية لزمن طويل! وأنظر كيف حشر الله تعالى مسألة تحرير الرقيق فى مسألة إذا فحصناها جيدا ووقفنا على معانيها الظاهرة لن نجد لها علاقة بتحرير الرقيق ، ولكن الله الذى هو خير الماكرين - بمعنى أنّ مكره كله خير بعكس مكر البشر- إستغل هذه الحوادث البشعة ليحرر بها الرقيق فيحى بها رب العزة نفسا بعد أن قتل عبده منها نفسا بالخطأ.  
وبعد هذا كله يأتى بعض فصحاء الجهلاء ( وقد كان أبو جهل فصيحا) وأدعياء العلم  ليقولوا أنّ الإسلام قد أباح الرق! مع أن كلمة "أباح" تستوجب حظرا مسبقا ، بمعنى أن الرق كان محظورا فجاء الإسلام وأباحه وحلّله! ولكن حقائق التاريخ تشهد ضدهم قائلة: لقد جاء الإسلام ووجد الرق مباحا فحرمه وواسعا فضيّقه. والدليل على ذلك آيات العتق الكثيرة التى وردت فى القرآن الكريم ومن بعدها جاء الحديث القدسى الذى رواه الإمام البخارى فى صحيحه واضحا وصريحا وبينا فى حرمة الرق. فقد روى الإمام البخارى وآخرون عن أبى هريرة (رض) مرفوعا " قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بى ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل إستأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره". (رواه البخارى ، وابن ماجة ، والإمام أحمد ، والبيهقى ، وأبو يعلى ، وإبن الجارود ). وهذا نص صريح فى أن الغدر حرام ، وبيع الأحرار حرام ، وظلم الأجير حرام. فهل يحتاج الأمر لإيضاح أكثر من هذا  يا أولى الألباب أم على قلوب أقفالها ؟



مزيد من الأسئلة:
هذه الأسئلة الإضافية الهدف منها جعل أهل الفقه والقانون يفكرون ويتدبرون فى هذه القضية جيدا قبل إصدار الأحكام والفتاوى :

-    إذا إصطدم قطار بمركبة فيها مائة شخص كلهم ماتوا ما عدا سائق المركبة وسائق القطار. من المسئول، سائق القطار أم سائق المركبة؟ وهل المسئول عليه صيام شهرين متتابعين عن كل نفس ماتت؟
-    إذا رمى سكران بنفسه أمام سيارة ، من المسئول ، سائق السيارة أم السكران؟
-    رجل يمنتهن السواقة كمصدر رزق له ولعياله و تسبب فى حادث أدى للموت وطلبت منه المحكمة الدية وطلب منه أهل الفقه صيام شهرين، وفى أثناء الصيام تسبب فى حادث آخر فهل يتابع صيامه لأربع شهور أم أنّ الشهرين الأولين يحملان عنه الحادث الجديد؟
-    طائرة فى الجو إنفجرت ولم ينجو منها سوى الكابتن ، فهل على الكابتن دفع الدية وصيام شهرين متتابعين عن 250 راكب؟
-    الإشارة معطلة فى تقاطع شوارع رئيسية وحدث حادث بين سيارتين تسيران بنفس السرعة ومات السائقان فى الحين ومن معهما من ركاب ، من القاتل ومن المقتول؟
الخلاصة:
خلاصة هذا البحث أن حوادث القتل التى تكون نتيجة إقتتال أو مشاحنات أوبغضاء أو شجار أو عصبية تنطبق عليها أحكام الله تعالى الواردة فى قتل الخطأ وقتل العمد ، وللمحكمة تحديد نوع القتل.  وبما أنّ الزمن قد أسقط نحرير الرقبة فقد بقيت ثلاثة أحكام ثابتة ما بقى الدهر وهى : الدم (قصاصا فى القتل العمد) ، و الدية وصيام شهرين متتابعين (فى قتل الخطأ و العفو عن القتل العمد ).  أما حوادث المرور إن خلت من عوامل الإقتتال والمشاحنات و العصبيات ، و المشجارات، وتعمد مخالفة القوانين التى تضبط السرعة وتمنع قيادة السيارة إلا إذا كانت من الناحية المكانيكية آمنة ، فلا تعتبر حوادث قتل وإنما هى حوادث أدت إلى موت (وليس قتل)، وللمحكمة الحق فى الحكم على سائق السيارة بالدية فقط  - لأنّ الدية كما ذكرنا تدفع فى القتل الخطأ والموت وإتلاف الأعضاء بالخطأ- وبالتالى ليس على السائق صوم شهرين متتابعين ولا إطعام ولا غيره .  ولكن إذا دخلت عوامل الإقتتال والمشاحنات والهياج ومخالفة القوانين عن عمد فسببت حادث الحركة ، فعلى السائق الدية وصيام شهرين متتابعين إذا ثبت للمحكمة أنّ  الموت كان قتلا بالخطأ وإلا فهو قتل عن عمد قصاصه الدم، والله أعلم
 وفى الختام أتوجه بالدعوة لأهل العلم أن يجتهدوا ليخرجوا لنا فقها متكاملا يساعد فى تنظيم حركة المرور فى العالم الإسلامى ويحكم فى حوادثها وفقا لشرع الله ويرفع درجة الوعى عند المسلمين فيما يخص سلوكهم فى الشارع ويحضهم على السلوك القويم، كما يوضح لهم حقهم فى الشارع وحق الشارع عليهم من وجهة نظر إسلامية ، والله الموفق.