1/2
محمود عثمان رزق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نبذة عن الشاعر:
إنها قصيدة من عيون الشعر العربى وبيوت جماله نسجها يراع الشاعر المبدع والجندى الباسل والوطنى الغيور المرحوم محمود أبوبكر حسن أحمد الملقب بالنسر. ولقد ولد النسر فى عام 1918 بمدينة بور بجنوب السودان حيث كان يعمل والده  ضابطا فى قوة دفاع السودان. ومن قبل ذلك وفى الجنوب نفسه تمّ زواج والده الذى ينحدر من قبيلة الحلنقة بشرق السودان بوالدته حميدة التى تنحدر من قبيلة التعايشة العربية بدارفور.  والجدير بالذكر أنّ والدته ترعرعت وسط قبيلة الدينكا وفى بيت السلطان نفسه!  وذلك بعد أنّ فرّ والدها من بطش الإنجليز وقد لا حقوه بعد معركة كررى فأواه سلطان الدينكا وفتح له قلبه وبيته فى إتحاد وطنى فريد.
تنّقل الشاعر مع والده  في ربوع السودان المختلفة وكانت بور أول مدينة يرى فيها النور ويستنشق فيها الهواء ويتعلم فيها أسماء بعض الأشياء.  ومن بعد بور تأتى مدينة عطبرة في الشمال وهى ثانى المدن أثرا فى حياة الشاعر حيث التحق بمدرسة الأمريكان الأولية. أما المدينة الثالثة التى كونت شخصية شاعرنا هى مدينة الأُبّيض بولاية كردفان حيث إلتحق بالمدرسة الأميرية الوسطى إلا أنّه لم يكمل الدراسة بها لأنّ والده نقل إلى مدينة حلفا فى أقصى الشمال.  وفى حلفا أكمل الشاعر النسر المرحلة الوسطى، ومن حلفا إنتقلت الأسرة كرة أخرى لوسط السودان حيث بقعة المهدى لتضع فيها عصا الترحال في عام 1932 فى بيت بحىّ الأمراء المشهور. وفى أم در اكتسب شاعرنا خبرات جديدة ومعارف جديدة والتقى بشخصيات أدبية وعلمية رفيعة المقام أثرت فى حياته ودفعته لمواصلة تعليمه، وبالفعل واصل الصبى النابغة دراسته وإلتحق بكلية غردون وتخرج فى قسم إدارة المكاتب وعيّن مترجما بمصلحة السكة حديد بعطبرة، وفى عام 1937 إلتحق بالكلية الحربية.
وللشاعر محمود أبوبكر النسر ديوانا باسم (أكواب بابل على ألسنة البلابل) ومن قصائده الخالدة (زاهي في خدرو)  و (إيه يا مولاي إيه) التى يغنيها المرحوم الفنان خضر بشير. تزوج الشاعر زوجتين ورزق منهما سبع بنات وولدين. ومن الصدف العجيبة إنّ لوالده نفس العدد من الذرية!! وصدق المثل الذى يقول: "من شابه أباه فما ظلم". ولا تسألنى عن تاريخ وفاته لأنّى لا علم لى به.
نفسية الشاعر:
من الواضح جدا أثر إختلاط الأعراق وتداخل الجغرافية فى حياة الشاعر.  فهو ابن الجنوب بالميلاد، وابن الشرق والغرب بالنسب والثقافة، وابن الشمال والوسط بالتعليم والسكن والخدمة. وهذه التداخلات الجغرافية والثقافية والعرقية جعلته غيورا على وطنه شديد الإعتزاز به. كما جعلته مبدعا واسع المعرفة، واثقا بنفسه، ركّابا للصعاب. وبالإضافة لذلك فإنّ خوضه للحروب خارج الوطن وإحتكاكه بغير السودانيين قد صقل عوده وقوى من مراسه.  والنسر مثل المرحوم التّنى، وعلى عبد اللطيف، وغيرهم ممن كان يمسك بحبل الوطن ولا يلتفت لعصبية القبيلة ولسان حالهم يردد مع التّنى أبياته الرائعة:
ما بندور عصبية القبيلة
 تربى فينا ضغائن وبيلة
تزيد مصايب الوطن العزيز
ولهذا جاءت قصائد الشاعر محمود النسر وطنية خالصة تمجد الوطن وأهله بكل ألوان طيفهم.
مناسبة القصيدة:
 عندما إشتعلت الحرب العالمية الثانية وهدد التمدد النازى كل أوربا ومستعمراتها، احتاجت بريطانيا لقوات إضافية غير بريطانية تقاتل معها ذلك العدو الشرس فوعدت السودانين بالاستقلال إذا ما وقفوا بجانبها فى الحرب مقاتلين.  وكالعادة ومن الطبيعى فى هذه الظروف أن ينقسم الناس بين مكذب للوعد وبين مخاطر صاحب حاجة يعمل بالمثل القائل: " نمشى ورا الكضاب لغاية خشم الباب"  وإلى النوع الثانى كان ينتمى صاحبنا النسر!! فما أن سمع الرجل بالخبر حتى أسرع فى همة ونشاط متحركا من عطبرة صوب الخرطوم  للإنضمام للكتائب السودانية المقاتلة ، وبالفعل أرسل لينازل النازية في الأراضى الليبية.
أما أصحاب المعسكر الآخر الذى كان يشكك فى مصادقية الإنجليز ويرى أن الأمر خدعة فنذكر منهم المحامى عقيل أحمد عقيل الذى كان صديقا للشاعر. و قبل أن يغادر النسر لميدان المعركة فى ليبيا حاول عقيل إقناعه بعدم المشاركة فى حرب ليس للسودانيين فيها ناقة ولا جمل إلا وعدا لن يرى النور لأنّ أصحابه قد مردوا على النفاق والخداع والكذب.  إلا أن النسر لم يقتنع وكأنه يريد أن يبرئ نفسه أمام ربه ووطنه من التخاذل أو عدم إقتناص الفرص من أجل الوطن العزيز، فرد على صديقه ومن تبعه بهذه القصيدة الرائعة التي أصبحت شعاراً ونشيدا لمؤتمر الخريجين فيما بعد.   وقام الموسيقار المرحوم إسماعيل عبد المعيّن بتلحين القصيدة فأبدع فى لحنها فزادها جمالا وجلالا وطيبا!!. 
ومن لم يطرب لهذا اللحن وتلك الكلمات فهو كجلمود صخر نسيه الزمان فى الفيافى.  فبكلمات هذه القصيدة ومعانيها ولحنها نفاخر أبناء الضاد حيث ما كانوا.  فهى قصيدة حلوة الالفاظ ، نبيلة المعانى ، فريدة التركيب، خفيفة على النفس لا يمل أحد سماعها ولا يسأم من تكرارها، ولهذا كتب لها الخلود فى وجدان أهل السودان.
لغة القصيدة:
إنّ الشعر يقّيم بلغته وقدرة الشاعر على ابتكار معانى جديدة واسلوب تعبير أكثر سهولة ورقة وشبها بالعصر.  ولقد إستعرض الشاعر فى هذه القصيدة ثقافة لغوية عالية ومقدرة هائلة على تطويع الكلمات وتصوير المعانى التى تجيش بها نفسه ويرسمها له خياله.  فالقصيدة تحتوى على كم ليس بالقليل من الكلمات التى لا يعرف معانيها كثير من متعلمى هذا الزمان على مختلف درجاتهم العلمية. ويزيد الأمر تعقيدا أن خيال الشاعر الخصب ساعده على الولوج فى الرمزية بلا رفق فجاءت بعض أبياته وإشاراته غامضة جدا لا تنفع فيها معرفة معانى الكلمات فقط.   فالقصيدة إذا صدقنا أنفسنا تحتاج لسرب من النقاد أهل المعانى ممن ألمّ  بالجوانب الفنية فى التعبير الشعرى وخاصة التعبير الرمزى ليفكوا طلاسمها ورموزها!!  ولعل هذا يفسر لنا عدم وجود شرح لهذه القصيدة فيما كتب.  فقد بحثت وبحثت وبحثت لأجد لها شرحا واحدا فلم أجد!! وحتى الأستاذ حسان أبو عاقلة فى كتابه "قصائد من الشرق" اكتفى بشرح بعض الكلمات ولم يحاول شرح بيت واحد منها!!.  ولعل هذه الرمزية الكثيفة هى التى منعت النقاد من محاولة شرح القصيدة ولا ألومهم على ذلك. أما أنا فى محاولتى هذه أتذكّر قول الله تعالى : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا ".  نعم، أشعر بصدق أننّى قد ظلمت نفسى وجهلت عاقبة أمرى ولكن عذرى هو أنّى إبتغيت الإصلاح ما استطعت.  وقيل لأبى تمام: يا أبا تمام ، لم لا تقول من الشعر ما يعرف؟
فرد أبو تمام للسائل قائلا: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟
أه عاد نبقى فى الإحراجات الزى دى ياجماعة!! ألحقونا يا أهل المعانى قبل أن نعانى!!
الروايات المختلفة:
بالرغم من أنّ القصيدة نظمت فى الأربعينيات من القرن الماضى وقد توفر لها من أسباب التوثيق ما لم يتوفر لشعراء القرون السابقة، جاءت بعض أبياتها برويات مختلفة.  فمثلا، البيت اللذى يقول فيه الشاعر:
صه غير مأمور وهات هواتنا    كالأرجوانة وأيل غير مصفد
له رواية ثانية تقول:
صه غير مأمور وهات مدامعا.   كالأرجوانة وأبكى غير مصفد
والبيت الذى يقول فيه:
فالبندقية فى بداد بيوتها   طلعت بمجد ليس بالمتبدد
له رواية أخرى تقول:
فالبندقية فى بداية أمرها   طلعت بمجد ليس بالمتبدد
وقوله:
صه يا كنار فبعض صمتك مسعدى   إلا محاجرا بعد لم تجمد
فى رواية أخرى:
صه يا كنار فبعض صمتك موجعى   إلا محاجر بعد لم تجمد
وقوله:
صه ياكنار فما فؤادى فى يدى    طورا أضل وتارة قد أهتدى
روى أيضا هكذا:
صه ياكنار فما فؤادى فى يدى    طورا أضل وتارة لا أهتدى
وقوله:
فإذا رأيت من الطلاقة بارقا   فابذل حياتك غير مغلول اليد
له رواية اخرى هى:
فإذا رأيت من الفكاكة بارقا   فابذل حياتك غير مغلول اليد
وقوله:
أنا لا أخاف من المنون وريبها     مادام عزمى يا كنار مهند
فى رواية أخرى:
أنا لا أخاف من المنون وريبه       مادام عزمى يا كنار مهند
وقوله :
أنا كم رعيتك والأمور عصية     وبذلت فيك كل ما ملكت يدى
له رواية أخرى هى:
أنا كم رعيتك يا سودان والأمور عصيبة وبذلت فيك كل ما ملكت يدى
كما أنّ هناك بيتا مثبت سماعا ولم أجده مكتوبا وهو:
ودع من تحب فإنما  ***   أنا إن دعوتك فلن تعيش إلى غد.
ولقد سمعت هذا البيت من مجموعة كبار الفنانين الذين تغنوا بالقصيدة ولكن لم أجده مكتوبا فيما قرأت!!
ولا شك أن الروايات المختلفة تزيد من صعوبة شرح القصيدة لأنّها تضيّع المعنى الذى أراده الشاعر حقا.  ولهذا نناشد أبناء وأحفاد الشاعر بطباعة ديوانه مرة أخرى محققا وموثقا ومشروحا لوضع نهاية لهذه الإختلافات، وكذلك من أجل أن يحلق النسر فى فضاء الضاد عاليا عزيزا ويغشى حدائق بابل ويناجى فيها البلابل بعد حبس طويل قضاه فى حدود وطنه الصغير السودان معزولا عن العالم الذى أحب.
والى اللقاء مع شرح القصيدة وقد يطول شيئا ما.