عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إنّ مسألة سفر الرئيس هى من المسائل الإجتهادية التى تستدعى تقليب النظر ووزن الأمور وترجيح المصالح. وها هى الهيئة قد أصدرت رؤيتها فى هذه المسألة وهى بإذن الله تعالى مأجورة إن أصابت أو أخطأت. ولكن هناك كثير من الناس –وأنا منهم-  يرى عكس ما رأته الهيئة. فنحن نرى أنّ سفر الرئيس له عدة فوائد منها ما يخص الوضع الداخلى ومنها ما يخص الوضع العالمى.
أما ما يخص الوضع الداخى فنذكر ثلاث فوائد هى:
الفائدة الأولى هى  تدريب الشعب السودانى على الثقة بالنفس وأنّ الرئيس إن مات أو قتل فلن ينفرط عقد السودان ولن ينقلب على عقبيه وأن السودان قادر على تقديم رئيس تلو رئيس، وزعيم تلو زعيم ، ومفكر تلو مفكر ، ومناضل تلو مناضل، وشهيد تلو شهيد. نحن أيها العلماء الأجلاء نريد لهذا الشعب أن يتحرر من عقدة الدوران حول الأشخاص ومن سؤال "طيب البمسك منو"؟!. إنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الله كتب على كل نبى وكل زعيم وكل رئيس الموت، ولذلك حذر الله سبحانه وتعالى الأمة من هذا النوع من التفكير العاطل وحثها على بناء نظام متكامل يدور على مجموع الامة ولا يدور على شخص فيها مهما بلغت قامته وفى هذا يقول : "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم؟! ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا...."  فإذن هذه الآية واضحة وتقول للناس بالبلدى: "يا ناس أعملوليكم سيستم وما تنتظروا خلود الزعماء فإنّهم لن يخلدوا ولو كانوا أنبياء"!  ومن الخطورة بمكان ترسيخ مفهوم "الزعيم الخالد" فى دولة مسلمة.  فالرئيس البشير سوف يذهب عاجلا أم آجلا، والموت يزحف نحوه ونحونا رويدا رويدا شئنا أم أبينا، وسوف يدركنا مهما تحصّنا منه. فإذن، من سيقود البلاد أيها السادة العلماء الأجلاء إذا مات الرئيس البشير موتا طبيعيا؟ فإذا أشرتم إلى الدستور أو إلى زيد أو عبيد  فالدستور موجود، وزيد موجود، وعبيد موجود أيضا.  فإذا، فاليسافر الرئيس متوكلا على الله تعالى ويضع فى بطنه "بتيخة صيف" فإنّه قد ترك من خلفه رجال وأنّ السودان محفوظ بإذن الله تعالى وبنفرة أبنائه إذا حمى الوطيس!
الفائدة الثانية أيها السادة العلماء هى أنّ الرئيس إذا ذهب ورجع سالما سيتيقن الجميع أنّ لا حلّ للسودان إلا فى قيام إنتخابات نزيهة يشارك فيها الجميع تتمخض عنها حكومة وطنية منتخبة تتولى تصحيح المسار فى العلاقات الخارجية وتعالج كل الأزمات الداخلية. أمّا إذا لم يسافر الرئيس فستكشف الحكومة لبعض الجهات السياسية الداخلية وخاصة الحركات المسلحة عن ضعف فيها، وبالتالى ستستغل تلك الجهات وتلك الحركات الفرصة فى مزيد من الممانعة والتعنت وستعتمد سياسة مد حبال الصبر مع مضاعفة المجهود و العمل لإضعاف الحكومة وتشديد الخناق عليها.  وكلما زادت الفجوة بين المعارضة والحكومة ستزيد معها معاناة الشعب السودانى لأنّ معظم أمواله سوف تذهب لشراء وتصنيع السلاح وتأمين الدولة بدلا من أن تذهب لمشاريع التنمية.  فباختصار إن عدم سفر الرئيس ورقة "جوكر" بالنسبة للمعارضة المسلحة لإطالة الحرب ورفع سقف المطالبات.
أما الفائدة الثالثة فتتمثل فى فك الإحتقان الداخلى الذى يعانى منه السوق الآن. فالكل الآن فى حالة ترقب وتوقع وظن وتحليل، والكل قابض على ما فى يديه من أموال ولا يريد أن يطلقها خوفا من المجهول. ففى سفر الرئيس ورجوعه بإذن الله تعالى فك لحالة الإحتقان هذه.
أما بالنسبة للمحكمة فلها خمس مكاسب من عدم سفر الرئيس هى:
أولها، أنّ المحكمة أثبتت أنّها أصدق قولا وفعلا من حكومة السودان وأنّها جاءت لتبقى.
ثانيا، سوف تنجو المحكمة من الإختبار العملى الذى كان ينتظرها فى الوقت الذى كان يشكك فيه كثير من المراقبيين على قدرتها التنفيذية. وهنا سينطبق المثل الشعبى القائل: "الحمد لله الجات منك يا بيت الله" على حالة المحكمة وسوف تتنفس الصعداء بنشوة.
ثالثا، سوف تبدأ المحكمة فى تضييق الخناق أكثر وأكثر على الرئيس وعلى السودان كافة.
رابعا، سوف تنجو المحكمة من صدام ومواجهة محققة مع دول الخليج خاصة والجامعة العربية والإتحاد الأفريقى.
خامسا، تكون المحكمة قد نجحت فى إضعاف موقف السودان فى مجلس الأمن وأثبتت للمجلس قدرتها وفاعليتها.
أما حديث البعض عن إحتمال إختطاف طائرة الرئيس أو إسقاطها والإستدلال على صحة مذهبهم بما حصل فى مطار عنتبى أو بخطف المعارض التركى ذو الأصول الكردية السيّد أوجلان، أو إختطاف رئيس بنما فكل هذه الأمثلة لا علاقة لها بهذه القضية.  فتلك الحوادث كانت إما ملاحقة لمواطن لنفس الدولة المختطفة كتركيا، أو محاولة إنقاذ مواطنين أخذوا رهائن كما فى حالة إسرائيل، أو محاولة لوقف تدفق مخدرات أتهم فيها رئيس دولة مجاورة ضعيفة كما فى حالة بنما.  كل هذه الحالات لا علاقة لها بحالة الرئيس البشير.  فالرئيس البشير له نزاع مع محكمة وليس مع دولة، وبالتالى من سابع المستحيلات أن تقوم  دولة باسقاط طائرة رئيس دولة أخرى لأنّه متهم لدى محكمة دولية.  قد تحاول إحدى الدول مساعدة المحكمة باختطاف طائرة الرئيس ولكن لا أفهم كيف سوف تختطف طائرة يأبى  "كابتنها" الإنصياع لأوامر الطائرات التى تحاول إختطافه؟!  ولا أفهم كيف ستختطف طائرة فى أجواء دولة أخرى لديها علم كامل بحساسية الموقف وخطورته؟! ولا أدرى كيف ستختطف طائرة يمكن أن ترافقها طائرات مقاتلة تسلمها لطائرات مقاتلة لدول صديقة؟!
وباختصار نحن من أنصار سفر الرئيس لأنّ الشر الذى سيصيب السودان من سفره أقل بكثير من الشر الذى سيصيبه من قعوده، وسفره هو أخف الضررين فى إعتقادنا.
والله أعلم.