عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إنّ الضنك الإقتصادى الذى يعيش فيه الناس  هو بسبب عدم إستشارة شرع الله فى كثير من المعاملات المالية التى تدور بين الناس مما جعل مفهوم الإقتصاد الإسلامى محصورا فى جمع الزكوات ومحاربة الربا وغيرها من الأمور الكبيرة المعلومة للعامة والخاصة.  ولكن واقع الحياة يقول أنّ هناك مئات من المعاملات تحتاج لدراسة دقيقة ومن ثمّ تكوين رأى فقهى واضح بخصوصها فإمّا  أن تحلل وإما أن تحرّم.   فمثلا، لا تجد أحدا  يتوقف متسائلا عن جواز مطالبة صاحب العقار للمستأجر بدفع مقدم ثلاث أو ستة شهور أو سنة كاملة فى بعض الحالات!!.   فهل يعقل أن تقف الشريعة الإسلامية خرساء تجاه هذه المعاملة وهى التى  نعتقد فى صلاحيتها  لكل زمان ومكان؟!  فإذا كان إعتقدنا صحيح ، فبالضرورة أن يكون للشريعة رأى واضح لا لبس فيه فى هذه القضية إذا أستشيرت بالطبع!.  وعليه، نتسآئل : هل يا ترى تجوّز  الشريعة للمؤجر مطالبة المستأجر بهذه المبالغ مقدما أم لا؟   قد يقول قائل: إن قانون الإيجارات لعام 1991  فى البند الثانى من المادة 16 يسمح للمؤجر أن يأخذ مقدم ثلاث شهور وإليكم نصه :

دفع مبالغ مضاعفة أو مقدمة.    المادة 16
(1) لا يجوز للمالك أن يطلب دفع أي مبلغ بالإضافة للأجرة كشرط لإبرام أي إيجار أو استمراره إذا دفع ذلك المبلغ فيما يتعلق بأي إيجار فيجوز للشخص الذي دفع ذلك المبلغ أن يسترده كدين مدني على ألا تسري أحكام هذا البند على إبرام أي إيجار أو تجديد، أو استمراره لمدة سبع سنوات أو أكثر.
(2) لا يجوز لمؤجر المباني السكنية المؤجرة لأشخاص غير الشركات والمؤسسات والهيئات العامة والسفارات والمنظمات الدولية وغيرها من الأشخاص الاعتباريين  (الشخصيات الإعتبارية) أن يطلب دفع الأجرة مقدماً لأكثر من ثلاثة أشهر.

نعم، إن القانون يسمح بذلك ولكن هل هذا القانون ( وبتعبير أدق البند الثانى) يتماشى مع تعاليم الشريعة الإسلامية أم لا؟ ولماذا فرّق هذا القانون بين الشخصيات الطبيعية والشخصيات الإعتبارية وهل هو تفريق شرعى أم لا؟ ولماذا حدد القانون مقدم الإيجار فى حالة الأشخاص الطبيعيين بثلاث شهور فقط بينما ترك الحبل على القارب بالنسبة للشخصيات الإعتبارية؟!  وما هو الدليل الشرعى الذى بنى عليه القانون هذا التحديد وذلك التفريق ؟

ولفهم الإيجابة على هذه الأسئلة يجب علينا الإلمام بعض الشئ  بكيفية دفع الثمن وأخذ الأجر من منظور إسلامى:

ففى حالة البيع والشراء تقول الشريعة : أنّه  إذا دفع المسلم  أو غير المسلم الثمن فورا وكاملا فيجب على الطرف الآخر تسليمه السلعة فورا وكاملة والدليل على ذلك قوله (ص) : " لا تبع ما ليس عندك" ، فطالما هو عندك وقبضت ثمنه فعليك تسليم ما قبضت ثمنه فورا وكاملا لأنّ "مطل الغنى ظلم" كما قال رسول الله (ص) وذلك ينطبق على حالة الدين وحالة البيع على السواء.  

وفى حالة العمل فالشرع يقول: يجب إتمام العمل أولا ثم أخذ الأجر لاحقا ، وذلك واضح فى قوله تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" وواضح أيضا فى قول رسول الله (ص) : " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة  ...الى قوله .... ورجل إستأجر أجيرا فاستوفى منه (العمل) (و) لم يوفه أجره" .

أما فى حالة التصنيع فيمكن دفع جزء من الثمن كمقدم أو عربون لإثبات الجدية ولإعانة صاحب المصنع فى شراء المواد ليبدأ فى تصنيع الكمية المطلوبة ولا أعلم خلافا فى ذلك. 

أما فى حالة الإيجارة فالشرع يقول : يجب الإستمتاع أولا ثم دفع الثمن لاحقا ، والجدير بالذكر أنّ الإستمتاع  يبدأ بمجرد توقيع العقد وينتهى بإنتهاء مدة العقد، وتقسّم الفترة الكلية للإيجار لوحدات زمنية يتم فيها تحصيل ثمن الإيجار بعد إنقضاء مدة الوحدة ( شهرا كانت أو إسبوعا ...الخ)

وإذا رجعنا لموضوعنا الذى تسآءلنا فيه عن شرعية أخذ صاحب العقار لمقدم عدة شهور ، فسنجد أنّ المؤجر لا يجوز له أن يأخذ ثمن الإيجار مقدما على الإطلاق لأنّ الإستمتاع لم يتم بعد، و لا يستطيع صاحب العقار أن يضمن للمستأجر أن يعيش عمرا بقدر قيمة المبلغ المدفوع مقدما ، ولا يضمن ألا تصيب الأقدار العقار بزلزال!  أى لا يضمن له أن يعيش ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل من ذلك ليتمكن من الإستمتاع بالعقار المستأجر.

فإذا قال المؤجّر: أنّه يأخذ المقدم ضمانا لتنفيذ عقد الإيجار ، فهذا لا يجوز لأنّ القضاء فى الدولة الإسلامية أو غيرها هو الذى يحرس العقود ، وبالتالى يجوز شرعا للمؤجّر أن يشتكى المسـتأجر إذا أخلّ المستأجر بعقد الإيجار.  وفى هذه الحالة ينظر القاضى لملابسات الوضع ومن ثمّ يصدر حكمه ، ويجوز له أن يحكم بفرض غرامة كعقوبة للإخلال بالعقد وإلا فللمستأجر فى نظر القاضى عذر فى الإخلال بالعقد. ، وطالما أن الإستمتاع  فى عرف أهل العقارات هو وحدة شهرية – بمعنى شهر أو أى جزء من الشهر- فيجب أن يكون الدفع شهريا و فى نهاية الشهر إذا أكمل المستأجر شهرا أو بعض شهر.

وإذا قيل إنّ الأصل فى العقود التراضى ، و" المسلمون على شروطهم " كما قال رسول الله (ص) فنقول : إنّ هذا قول حق أريد به باطل!  وذلك لأنّ التراضى الذى تدعو إليه الشريعة يشترط المشورة التى تؤدى للرضى ظاهرا وباطنا بين الطرفين من غير شروط مسبقة ، وهذا ما نفتقده فى عقود الإيجارة فى زماننا هذا.  فالذى يحدث بالضبط هو أن يشترط المؤجر من جهة واحدة مقدم عدة شهور و زيادة سنوية بنسبة 10%  أوأكثر، وفى بعض الأحيان يضيف دفع العوائد كشرط ثالث لشروطه الظالمة!! والدليل على عدم وجود المشورة والتراضى أنّ العقود فى غالب الأحيان لا تكتب أثناء وجود الطرفين  بعد تشارو بينهما ، بل تكون جاهزة يمليها صاحب العقار على المحامى  من طرف واحد ، ويأتى المستأجر من بعد ذلك فلا يجد حيلة ولا مخرجا فيضطر لتوقيع العقد وهو مذعن للأمر الواقع ، وفى كثير من الحالات يضطرالمستأجر لإستدانة المبلغ المطلوب ليعطيه للمؤجّر كمقدم  إيجار يستثمره أو يسدد به دينا عليه!.

ومن المعروف أن عقد الإذعان ليس هو عقد تراضى ، بل هو عقد باطل وفاسد وإسمه دليل على فساده.  وفى هذا  يقول الدكتور نزيه حماد الأستاذ المساعد بجامعة الملك عبد العزيز فى كتابه القيم "الحيازة فى العقود فى الفقه الإسلامى" معلقا على مسألة الرضائية فى العقود : " الرضائية فى العقد لا تكفى وحدها لصحة العقد وترتيب أحكامه.  وذلك لأنّ كثيرا من العقود التى قد يتراضى بها العاقدان جاء النهى عنها فى الكتاب الكريم والأحاديث النبوية، مما يجعل التعامل بها محرما، وقد تكون باطلة أو واجبة الفسخ." (الحيازة فى العقود ص. 93)  ومن هذا الكلام نفهم أن التراضى الذي يخالف الكتاب أو السنة أو إجماع الفقهاء أو حتى إجماع العقلاء لا يجوز شرعا.

وبهذا نصل لخاتمة لها عدة إفادات هى :

أولا :      أنّه  لا يجوز للمؤجّر أن يأخذ مقدم عدة شهور كشرط لإبرام عقد الإيجارة إذا كان عقاره جاهزا للسكن أو لأى  غرض آخر يحدده العقد.   أما فى حالة عدم جاهزية العقار ، وأصرار المستأجر على هذا العقار بالذات، وليس لصاحب العقار مالا يجهز به العقار ، فلا حرج على المؤجّر من أخذ مقدم بقدر حاجة تجهيز العقار للمستأجر. وفى حالة جاهزية العقار يجوز للمؤجر أن يفرض على المسـتأجر دفع أمنية لا تتعدى إيجار شهر ترد للمستأجر  فى نهاية المدة إذا أكمل العقد وسلم العقار بنفس الحالة التى إستلمه بها، وإلا فلصاحب العقار الحق فى مصادرة الأمنية.

ثانيا :      أنّ التفريق بين الشخصية الطبيعية والشخصية الإعتبارية كما فى القانون تفريق ليس له سند شرعى، وذلك  لأنّ الشخصية الإعتبارية هى جزء من مكونات الأمة التى نهى رسول الله (ص) التضييق والتعسيير عليها.
وفى الحقيقة التعسير على الشخصية الإعتبارية أخطر وأكبر من التضييق على الشخصية الطبيعية لأنّ الشخصية الإعتبارية هى الوسيلة التى يرزق الله تعالى من خلالها الناس.  فكلما تم التضييق والتعسير على الشخصية الإعتبارية إنعكس ذلك بصورة مباشرة على الشخصيات الطبيعية التى تعمل تحت مظلة هذه الشخصية الإعتبارية. ومن هنا نقول أنّه ليس للمؤجر أى وجه حق فى أن يشترط على الشخصيات الإعتبارية   دفع مقدم عدة شهور أو سنة لأنّ هذه الشخصيات الإعتبارية جزء من مكونات الأمة ولا يجوز التضييق عليها  أيضا.   

ثالثا:         لا يجوز للمؤجّر أن يشترط زيادة سنوية محددة أو غير محددة ، ولكن يجوز له أن يشترط إيجار المثل عند  إنتهاء مدة العقد. فإذا زادت الإيجارت حيث يقع عقاره جاز له المطالبة بالزيادة ، وإذا نزلت الإيجارات فيجوز للمسـتاجر بأنّ يطالب بتخفيض قيمة الإيجار أو أن يخلى العقار لصاحبه.

رابعا :    لا يجوز للمؤجّر أن يحمّل المستأجر أى عوائد أو جبايات حكومية أخرى فرضت  فى الأصل على ملكية  الإيجار وليس على إستإجاره.
خامسا:   لا يجوز شرعا للمحامين كتابة أى شرط فاسد فى عقود الإيجار أو غيرها بحجة التراضى!  وعلى المحامى عند  كتابة العقد التأكد من مسألة الرضى وأن العقد خال من الشروط الفاسدة شرعيا ، وأنّه ليس بعقد إذعان.

سادسا:  نطالب الجهات التشريعية بإعادة النظر فى البند الثانى من المادة 16 من قانون الإيجارات لعام 1991 لتتماشى  مع الشريعة الإسلامية.