تعقيب : محمود عثمان رزق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

لقد نشرت  فى مارس من عام 2001 مقالات فى صحيفة الرأى العام أسميتها "الرق فى السودان بين الحقيقة والإثارة" ، تناولت فيها تاريخ الرق فى السودان والجزيرة العربية وغيرها من المناطق و الشعوب والدول. ونشرت المقالات فى حوالى عشرة حلقات تقريبا و كانت الحلقة الواحدة تأخذ الصفحة أو نصف الصفحة.  وكان الهدف من تلك المقالات هو الدفاع عن السودان وعن دين الإسلام  وقد رأيت الإعلام الغربي يشن حملة شعواء على السودان متهما أهله بتجارة الرقيق التى يستمدون شرعيتها من دين الإسلام!  وتلك الدراسة التى كتبتها وأنا فى الغربة وبعيدا عن كثير من المراجع وجدت قبولا وترحيبا من كثير من العلماء والمؤرخين والصحفيين وعامة الناس. وفى تلك الدراسة تنبأت بمشكلة دارفور وقلت أنّ هناك مخطط ضد العروبة فى دارفور لا يستهدفها فى ذاتها وحسب ولكن يستهدفها من أجل إستخدامها فى خلق فتنة عنصرية بين أهل دارفور لإضعاف وتفكيك السودان من جهة ، وإضعاف المد الإسلامى فى وسط أفريقيا من جهة أخرى .  وكما فى كل دراسة وبحث تكون هناك أخطاء فى الغالب غير مقصودة ، ووجود الأخطاء لا يعنى أنّ الباحث غير ملتزم بمنهج البحث العلمى والتوثيق  الذى ينادى به ، ولا تعنى أنّه جاهل فيما كتب عنه ، ولا تعنى أنّه حاقد يريد أن ينفث سمومه كما ظن الدكتور وهو ظن سيئ والعياذ بالله.  وكما قال الله تعالى : " ولو كان من غير عند الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا." إذا لا عصمة إلا لكتاب الله تعالى .  وتلك المقالات لم يعترض عليها أحد من الناس –حسب علمى - إلا طالب دراسات عليا فى ماليزيا  إعترض على بعض أبيات الشعر التى فيها تجريح وإساءة لبعض القبائل ، وإعترض ثانيا على إستخدامى لعبارة "سقوط الخرطوم" بدلا من "فتح الخرطوم" وظن – وبعض الظن إثم - أننى أنتقص من الثورة المهدية بذلك ! وعلى كل ، خلق الرجل له وهما صال وجال حوله وأرسل إحتجاجه للإستاذ زهير السراج لينشره فى عموده ، ولكن الأستاذ السراج بعد أن لبى طلبه بنشر رسالته ، وضح له أنّ عبارة "سقوط الخرطوم" تعبير شائع وسط الأوساط العلمية وليس فيه تقليل لدور الثورة المهدية ولا يحزنون ، كما أوضح له أيضا أن تلك الأشعار التى وردت فى المقالات هى أشعار موجودة أصلا وموثقة فى كثير من كتب التاريخ وليست سرا أشاعه كاتب المقالات، والكاتب أوردها ليعالج بها مشكلة وليس لتأييد ما فيها من تجريح!! 

 

أما الشخص الثانى الذى إعترض على مقالاتى بعنف شخص لا أعرفه ولم أسمع به يدعى الدكتور خالد حسن إدريس ، وقد وجدت مقاله بالصدفة على شبكة الإنترنت بعد مرور تسع سنوات على نشر مقالاتى تلك .  وقد وجدت مقاله  فى موقع  صحيفة الصحافة بتاريخ  18 مارس 2008 تحت عنوان " أبو قرجة بين الحقيقة والإثارة" وأيضا وجدتها فى موقع يسمى "النافذة" وآخر يسمى   "أقمار الضواحى السودانية " . وفى ذلك المقال راح الرجل يكيل لى السباب والشتائم ويتهمنى بالجهل ، بل ذهب أبعد من ذلك ليقذفنى على الملأ بأننى أنحدر من أسرة طالها الرق وتختزله تجربة عائلية –ودليله على هذا البهتان كما يبدو إسم  عائلتى المعروفة بآل "رزق" ، ومن الغريب إن صاحب الشتائم والبهتان والكذب هو القائل "بعضمة" لسانه : " ونحن على اتفاق تام أن أي خلط وفرية وزعم وتحوير وانتحال في البحث العلمي يكون فجورا يخرج به (صاحبه) إلي دائرة التعريض والتجريح".  وقائل هذه الكلمات نسى فى غمرة واحدة البحث العلمى الذى قيّد به نفسه بل تحلل عنه فى لحظات غضب  لتبدو له ولغيره سوأته وسيئاته ووسواسه وخلطه بعد أن سقط عنه رداء العلم الذى تدثر به زورا ونفاقا. وقد طاول الرجل الجبال سفاهة عندما قال : إنّ ذاكرتى " تختزل الرق تجربة عائلية وهذه شريحة صغيرة من المجتمع السوداني، فى وسطه وشماله، يركبها ولو بطرف خفى قصور العقد التى تقيم ولا تنفصم إلا بخداع النفس وطول الزمان والمدى والنسيان أو التناسى."  نعم ، هذه هو نفس الرجل الذى قال : " ونحن على اتفاق تام أن أي خلط وفرية وزعم وتحوير وانتحال في البحث العلمي يكون فجورا يخرج به (صاحبه) إلي دائرة التعريض والتجريح".   ولذلك و حسب تحليله النفسى لشخصيتى إفكا وزرا وكذبا ، أنا الآن أنفث سمومى من وراء البحارإنتقاما من ذلك الماضى الأليم الذى لا يعشعش إلا فى عقله الموهوم وناصيته الكاذبة !!! 

 

ويزيد الدكتور على سفهه ساخرا : " أم أن الأستاذ رزق ( وأنا أعتذر له إن إستحى  إضافة لفظ  الجلالة الذى يقيد ثم يفضى،..)  ويقصد بذلك أنّ إسمى الحقيقى هو "رزق الله" وليس " رزق" مجردا من لفظ الجلالة !!  و "رزق الله" كما هو معلوم من الثقافة السودانية القديمة واحد من أسماء كثيرة  كانت تطلق على المسترقين كدمغات كما يقول الدكتور " تدمغ الشخوص بميسم تعاسة لا تنقضى تضمن أسماء الأعلام فتظل الدهر باقية ..وتأسى لمن يولدون وعليهم هذا "الحامض اللفظى" يذيل ذواتهم وذويهم عبر الأجيال.". ويضيف إلى هذه السفاهة قائلا : " والحق يقال كان رزق الله من بين رقيق الأمير (أبوقرجة) القلائل الذين آثروا النؤيا إلي ’ أجول )  والحق الذى يجب أن يقال ويجب أن تسمعه أيها الدكتور ، هو أنك من الكاذبين ويشهد على ذلك البردان والثقلان وربهما من قبل ومن بعد ، وذلك لأنّ "رزق" أو "رزق الله" كما أسميته  عزة بالإثم ، وأظنك قد حسبته جدى المباشر فقدرت حسابا أن يكون والدى قد ولد فى أوائل القرن العشرين وبالتالى يكون والده رزق قد ولد فى منتصف القرن التاسع عشر فإذن هو "رزق الله" وليس "رزق" الذى كان رقيقا فى بيت الأمير أبو قرجة!!  (ها ها ها) فقد فات عليك أيها المسكين أن "رزق" ليس والد أبى المباشر بل هو الجد الرابع لنا والإسم الكامل هو محمود بن عثمان بن حسن بن أحمد بن حسن بن رزق بن حمد .  وهذا يعنى أن "رزق" قد ولد فى صعيد مصر فى قرية الغنيمية فى عام 1640 تقريبا ، أى قبل قرنين من قيام الثورة المهدية التى ولدت وماتت فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر !. والعجيب أنّ الدكتور قائل هذه العبارة السفيهة هو نفسه الذى وقف باكيا مستنكرا عندما ظنّ أنّنى إتهمت (جده أو قريبه كما أظن) أبا قرجة بالعبودية فوقف منددا يلعلع ويقول : إنّ " هذا الوصم الجزافى بالعبودية وإلصاق سبة الرق بحق أى كائن من كان ، أمر خطير للغاية فى ثقافة أهل السودان ومورثه، بل هو السب والقذف الذى كان يقع تحت طائلة قانون عقوبات السودان إن لم يشتط (المقذوف) وأعملت فيه (أى القاذف) القنا والمدى. ولقد إبتدع مجتمع الأسياد بطاقات الرق (يقصد أسماء بعينها كانت تطلق على المسترقين) دمغات تدمغ الشخوص بميسم تعاسة لا تنقضى تضمن أسماء الأعلام فتظل الدهر باقية ..وتأسى لمن يولدون وعليهم هذا "الحامض اللفظى" يذيل ذواتهم وذويهم عبر الأجيال." ويقصد بالحامض اللفظى تلك الأسماء التى كانت تطلق على المسترقين فى ذلك الزمن الغابر فيعرفون بها أبد الدهر.

 

  نعم ، وقف الدكتور بكل فصاحة وطرمذة ( ولا عجب ، فقد كان أبو جهل فصيحا ومطرمذا أيضا) ينفى عن القائد  أبا قرجة العبودية ويرمينى بها وهو يجهل فوق جهل الجاهلين نسبى  فى نفس الوقت الذى يدعى فيه العلم والفصاحة والبلاغة والورع والإلمام بالتاريخ والأنساب!  ولو جهلت أنا لصغر سنى تلك الكلمة التى وردت فى أبيات الشعر الذى حفظته عن جدتى البطحانية فاطمة حاج أحمد الشفيع  - وبالمناسبة وحتى يحيط الدكتوربنسبى علما ، جدتى فاطمة هى بنت عم جدنا المرحوم أحمد الشيخ الشفيع والد كل من المرحوم الشفيع أحمد الشيخ الذى أعدمه نميرى فى عام 1971 والمرحوم البروفسير الهادى أحمد الشيخ والمرحوم منصور أحمد الشيخ مؤسس بنك الإدخار والمرحوم مختار أحمد الشيخ وكلهم كانوا نجوما تتألق فى سماء السودان ولنا ولكل أهل السودان الحق أن نفخر ونفاخر بهم  - وقد كانت جدتى تردد هذا البيت كثيرا فحفظته عنها وأنا صغير ، وقد توفيت فى نهاية السبعينات من القرن الماضى ، ومن الواضح أن الكلمات قد إختلطت علىّ لصغر سنى من غير سؤ نية ومن غير(أن يطفح صدرى بالوساوس) كما قال الدكتور، فسمعت الكلمة "قرجة" بدلا من "مرقة" وذلك لأنّ إسم قرجة قد مرّ على فى دراسة مادة التاريخ ولم أسمع بكلمة مرقة من قبل.   أقول: إذا أنا جهلت كلمة "مرقة" فما بال الدكتور العلامة والفاهم الفهامة حبر الأمة وإمامها يجهل أن إسم " رزق" هذا أكثر الأسماء شيوعا فى صعيد مصر ولبنان وفلسطين؟! وكيف يجهل الدكتور "كل هذا الجهل الذى يبتلى به اللهوق وبعض عباد الله الجاهلين" ؟  ألم يسمع الدكتور العلامة بالممثلة المصرية المشهورة أمينة رزق أم هو جاهل " جهلا فوق جهل الجاهلين" بفن السينما كجهله بالأنساب؟  ألم يقرأ يوما من الأيام فى نهاية الأفلام والمسلسلات والأفلام الوثائقية إسم "رزق" من بين الكتاب والمخرجين والممثلين وأهل الإخراج والمكياج والتصوير؟! ألم يسمع بالقارئ الشيخ رزق خليل حبة (1918 - 2004) شيخ عموم المقارئ المصرية سابقاً وعضو لجنة تصحيح المصحف الشريف بالأزهر ؟ إذا أراد الدكتور زيادة فى العلم – ولا أظنه يحتاج لتلك الزيادة وهو الذى قد أوتى علم الأولين والآخرين وقد أحاط بكل شيء علما –  فما عليه إلا أن يكتب إسم "رزق" فى الشبكة العنكبوتية وستصطاد له الشبكة ملايين من الناس  بعضهم كتاب وبعضهم أمراء يحملون هذا الإسم فخرا ولم يكن جد واحد منهم فى يوم من الايام رقيقا فى بلاط جده الأمير أبو قرجة!!  أما نسبى من جهة جدودى وجداتى ، فهو خليط بين الصعايدة العباسيين الذين خالطوا العبابدة وبين الجعليين و البطاحين ، وللعلم - الذى لا يحتاج له الدكتور قطعا - أنّ لأهلنا فى صعيد مصر قرية أو عزبة تسمى "عزبة الرزوق" جمعا لمفردة "رزق" ، وهذه القرية تقع بالقرب من إدفو وأهلنا فيها على تواصل دائم معنا، فاليذهب الدكتور ويبحث عنهم أو يتفضل بزيارتنا ليراهم بعينه ويسمع منهم بأذنيه.   وأنا حريص جدا على أن يلتصق إسم "رزق"  بإسمى وإسمى أولادى وأحفادى أكثر من أى إسم آخر من أسماء جدودى لأنّه هو الإسم الذى فرض نفسه على الأهل فى صعيد مصر وشمال السودان فأصبحت الأسرة تعرف به.   وإذا أراد الدكتور الهمام زيادة فى العلم من هذه الجاهلية النتنة فاليقرأ كتب المؤرخ والنسابة المصرى عباس حسين بصرى (ووالدى خاله غير المباشر) وخاصة كتابه المسمى " الأشراف العباسيون فى مصر" أو كتاب المؤرخ السعودى حسنى بن أحمد بن على بن حسين العباسى الذى أسماه "الأساس فى أنساب بنى العباس" وطبع بمدينة جدة ، فسيجد سلسلة نسبى وسيجد  "رزق" سيد الإسم  "قاعد محكّر" فى هذا الكتاب فى صفحة 590 و' الناس مصدقون في أنسابهم ' كما أقرّ بذلك الدكتور.   أما "رزق الله" الذى إختلقه الدكتور إختلاقا وإمعانا فى الكذب وجعله رقيقا فى بيت الأمير ومن ثمّ أراد أن يلحقه لسلسة نسبى زورا وبهتانا وفجورا وقذفا وعبثا بالأنساب فاليبحث عنه وعن أحفاده فى مخلفات الثورة المهدية عموما ، أو مخلفات أبوقرجة خاصة ، أو مخلفات جدته "أجول" و"حامضها اللفظى" الذى يعرفه هو ولا نعرفها نحن ، ولا أظنه سيألو جهدا فى ذلك وهو هو ذلك الباحث الهمام ، والعالم العلامة ، والمؤرخ الفهامة ، الذى "يطلب الحق بدل الغواية والضلالة والهوى" ويحرص كل الحرص على حقائق التاريخ وأخلاقيات البحث العلمى!! وحينها سيعلم من منا المحيوس المنحوس ، ومن منا الذى لا تلحق به الكتوف ، ومن الذى يقال له أذهب " فأبصر وشم قدحك فى القداح "!.

 

ومن الذى قال لك أنّ نسب الأمير أبو قرجة كان مفخرة عند أهلنا الجعليين فى الزمان الغابر أيها الدكتور؟؟ ودعك عن الزمان الغابر فإليك هذه القصة التى وقعت لى شخصيا فى التسعينات من القرن الماضى والله على ما أقول شهيد : عندما تزوجت فى منتصف التسعينيات ذهبت لزيارة خالتى مريم بنت الطاهر رزق فى دامر المجذوب وكانت – رحمة الله عليها – شديدة التعصب لأهلها الجعليين وأهلها الصعايدة "ناس الريف" خاصة ، فسألتنى من أى القبائل تزوجت؟ فقلت - وأنا أبتسم بخبث لأننى أعلم ردها سلفا -  والله يا خالة دنقلاوية زى الورد !!  فشاحت بوجهها عنى وصكته وقالت : " ها .. مشيتو جيبتولنا العبيد وجيتو!!" ، فضحكت من ردها و حاولت أن أدافع عن الدناقلة وعن زوجتى وأنّهم أحرار فأصرت على رأيها  على أنّهم "عبيد" وأضافت "كمان سحاحير" !! والجدير بالذكر ، أن الجعليين يعتقدون أن سحرة فرعون كانوا من الدناقلة ومن ثم تطورت عندهم الفكرة من مجرد سحرة يمارسون سحر الأعين إلى "سحاحير"  يأكلون البشر!!.  نعم ، هذا هو الواقع المرير الذى كان سائدا بين أهلنا فى السودان ولا يستطيع أحد إنكاره ، ولن يستطيع أحد علاجه إلا إذا إعترفنا به وناقشناه بكل حرية وصراحة وعدم حساسية ، وليس من مصلحة المجتمع دفن  الرؤوس فى الرمال.

 

 وبما أن هذه هى البيئة التى نشأت فيها لم تستغرب أذنى أن تكون الكلمة هى "قرجة" وأنّ المقصود هو القائد "محمد أبوقرجة" شخصيا الذى كان أميرا فى بلاط الخليفة التعايشى – بالمناسبة قد بشّع بى الدكتور عندما كتبت إسمه بالخطأ هكذا "محمود أبو قرجة" تبشيعا بشعا ، ونسى الدكتور أننى كنت أتحدث عن مذبحة المتمة وأنّ إسم القائد محمود ود أحمد كان هو الطاغي على الموقف وبالتالى الخطأ والخلط وارد وغير مستغرب وخاصة عندما تكون الأسماء متقاربة فى المعانى والحروف كمحمد ومحمود، ولكن يبدو أن ليس للدكتور موضوع أصلا فأراد أن يكبر الكوم بالغث والسمين – (ورجوعا للموضوع) ، أقول ولهذا قد أخذت أمر  مشاركة أبو قرجة من المسلمات ولذلك لم أدقق فى نسبه ولا فى حقيقة إشتراكه فى المذبحة ، و ذلك لأنّ موضوع أبو قرجة جاء عرضا وجزئية صغيرة جدا فى تلك المقالات ،  وها أنا قد علمت الآن من مقال الدكتور أنّ الرجل لم يشترك في مذبحة المتمة أصلا لأنّه كان سجينا فى الرجاف ، ولا أدعى أننى أعلم بكل صغيرة وكبيرة فى تاريخ السودان ولا لغات أهله ولا جغرافيته ، ولا يستطيع هو ولا غيره أن يدعى ذلك أيضا.  وبمناسبة عدم الإحاطة بكل شئ ، ما معنى قولك " آثر النؤيا إلى أجول" ؟ فقد جهلت معنى كلمة "أجول" وسألت عنها غيرى ولم أجد منهم جوابا.  وحسب ظنى – وبعض الظن خطأ -  يبدو أنها جدتكم ، فهل هذا صحيح؟

 

 وكما ذكرت فقد أخذت الأبيات مأخذ المسلمات وقارنت بين هجاء المتنبى وعنفه اللفظى لكافور بالرغم من أنّ كافور كان حرا وملكا فى آن واحد ، وبين هجاء شاعر الجعليين لجيش المهدية بمن فيه من الأمراء كأمثال محمود ود أحمد الذى ينحدر من قبيلة التعايشة العربية التى لا يشك فى عروبتها أحد. ووجه الشبه بين الشاعرين هو الغضب أولا والإستعلاء الجاهلى الذى جعلهما ينظران للأحرار عبيد ا، وإذا كان كافور حرا وملكا ولم تمنعه حريته ولم يمنعه ملكه من لسان المتنبى ورميه بالعبودية لسواد لونه وكونه كان مسترقا وهو صغير( كما كان سيدنا يوسف عليه السلام )، فكذلك لم تمنع محمود ود أحمد ولا جيشه عروبتهم ولا مناصبهم ولا بطولاتهم من هجاء شاعر الجعليين الغاضب . ولو كان أبو قرجة مشاركا فى المذبحة ما كان سينجو من الهجاء أيضا إذا استصحابنا نظرة الجعليين القديمة لقبيلته ؟ والمخرج الوحيد للدكتور هو أن يقول أن محمد أبوقرجة لم يشترك فى المعركة ولهذا لا يمكن أن يكون مقصودا بالهجاء وهذا تحليل علمى مقبول جدا.  أما الحديث عن نسب أبو قرجة وبطولاته وأخلاقه فلن تفيد شيئا – وهل أفادت عنترة بطولاته وأخلاقه ؟ - وخاصة إذا لبسنا نظارة الجعليين  القديمة ونظرنا بها لنسب محمد أبو قرجة ونسب القبائل الأخرى التى ترطن .  ولعل ذاكرة الجعليين التى إختزنت قصة سحرة فرعون بالرغم من قدمها قد إختزنت أيضا إتفاقية البقط التى كان بموجبها يدفع النوبة وعاصمتهم دنقلا 300 رأس من الرقيق سنويا للدولة العربية الإسلامية فى مصر فدمغوهم بالعبودية ،مع العلم بأنّ معظم الجعليين لهم جذور  صعيدية أو نسب مع الصعايدة.

 

 ولقد أخطأ الدكتور كل الخطأ " أى خطأ بالكوم " عندما ظن أننى بنيت  حكمى البحثي ونتائجه حول عُبوديةٍ تنسب للأمير أبوقرجة ، وأننى قد سعيت للنيل منه.  

فأولا، أنا لمن أنسب أبا قرجة للعبودية وكيف أنسبه للعبودية وفى نفس الوقت أقول عنه : "كان أبوقرجة أميرا فى بلاط السلطان"؟!  أليس هذا تناقض كان يجب على الدكتور الوقوف عنده متأملا؟ وهل يعقل أن يكون الأمير رقيقا؟  وهل كان الملك كافور رقيقا عندما هجاه المتنبى ؟ 

وثانيا، إنّ أبا قرجة لم يكن من صميم الموضوع حتى أسعى للنيل منه. و فى الحقيقة ، ماذا فعل أبو قرجة حتى أنال منه أنا أو ينال منه غيرى ؟  فإننا لا نعلم من سيرة الرجل – قليلة كانت أو كثيرة - إلا خيرا وإخلاصا فى وطنيته ودينه.  إنّ الذى قلته أن شاعر الجعليين قد  نسب أبا قرجة للعبودية عندما ظننت صادقا أن كلمة "مرقة" هى "قرجة" فى بيت الشعر الذى حفظته عن جدتى وفى الحقيقة شاعر الجعليين نفسه لم يقل ذلك ولكن إختلطت علىّ الكلمات فى أبيات الشعر التى نصها :

 

يوم الخميس خبر الابيتر جانــــا

و كتلة دار جعل قط والله ما عاجبانــــا

 البنت القبيل تتاقى في بيبانــــــا

ساقوها العبيد ناس "مرقة" " جيب أخوانا (وروايتى كانت ناس قرجة)

 

فأنا حللت محتوى النص كما سمعته ، وإستشهدت به فى عمومه كدليل على العنف اللفظى الذى ساد تلك المرحلة وعقدت مقارنة بين هذا العنف اللفظى وعنف المتنبى مع الملك كافور.  وفى الحقيقة لم أشك فى صحة حفظى للنص قط  لأنّنى لم أجد سببا يشككنى فى حفظى ، ولو تطرق إليّ الشك لحظة واحدة لقمت فورا بمراجعة المراجع بشرا كانوا أو كتبا.  

 

.  ثانيا ، أنا أعجب من رجل لا يقرأ صحف "الرّق"  ولا "الورق" ولا "الأديم" و لا "القضيم" ولا " العسيب" ولا " الكرانيف" ولا " الكتوف" ولا "الحجارة" ولا "المهارق" ، ولم  يقرأ مقالاتى كلها إلا حلقة واحدة هى الحلقة الخامسة وقع عليها بالصدفة كما ذكر، أن يحكم علىّ أننى قد بنيت حكمى البحثى ونتائجه حول عبودية تنسب للأمير أبوقرجة!  فما هى نتائج بحثى أيها الدكتور العلامة؟ وكيف توصلت إليها وأنت لم تقرأ كل البحث؟ هل من وحى بعد ختم النبوة؟  وكم مرة تكرر إسم أبو قرجة فى ذلك البحث كدليل على أهمية الرجل فى البحث وأنّ البحث كان يدور حول عبوديته المزعومة ؟

 

 للأسف إنّ الدكتور عالم الدراسات السوسيولوجية والسايكولوجية لم يقرأ الموضوع كله ، وعندما قرأ منه جزء لم يفهم! فأنا عندما ذكرت الأبيات الشعرية السابقة لم أذكرها مقرا بما فيها من شتائم ونظرة إستعلائية ، وإنما ذكرتها كدليل على العنف اللفظى الذى ساد تلك المرحلة ، و بالتالى لم أذكرها كدليل على عبودية محمد أبوقرجة ولا محمود ود أحمد ولا غيرهم من أفراد الجيش . وبهذه المناسبة ، يجب أن نذكر أن عددا من الجعليين قد إشترك بالفعل فى مذبحة المتمة وقد كان إيمانهم بالمهدية أكبر من إيمانهم بالقبيلة ، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر القائد محمد عبد النور أحمد وقد كان أحد القادة الكبار فى جيش محمود ود أحمد وطلب منه المشاركة فى ضرب أهله بالمتمة فنصحه بعض أصحابه بأن يختلق عذرا للغياب، إلا أنّ وفاء الرجل للثورة جعله يرفض ويقول: "أكلت حلوها فلابد من أن آكل مرها"  فهل ياترى شمل الهجاء هذا الرجل لأنّه كان من ضمن جيش الخليفة؟  ولو إفترضنا أنّ الجيش كان به عدد ما من المستعبدين فهل هذا يعنى أنّ كل الجبش من العبيد كما وصفهم الشاعر غاضبا ؟ ودعنا نفترض أنّ الشاعر قصد " ناس قرجة" شخصيا ولم يقصد " ناس مرقة" ، فهل هذا يعنى أنّ أبا قرجة كان مستعبدا فعلا أو صار عبدا لأنّ شاعر الجعليين قرر ذلك فى حالة غضب ؟ و هل من العدل والإنصاف والعقل أن نصف منطقة ما أو قبيلة ما أو قارة ما بالعبودية  وحقائق التاريخ تقول أنّ الذين إستعبدوا من تلك القبيلة أو تلك المنطقة أو تلك القارة هم نفر قليل عبر التاريخ مقارنة بحجم سكان القبيلة أو المنطقة أو القارة؟  فهل من العدل والمنطق أن نقول أنّ كل المنطقة أو القبيلة صارت عبيدا لأنّ حفنة منهم أخذت عبيدا يوما ما ؟ وهل كان كافور عبدا أم ملكا عندما هجاه المتنبى؟؟  وعندما يسمى أهل الخليج أو أهل الشام الفول السودانى ب "فول العبيد" ، هل صرنا عبيدا لأن أهل الشام قالوا ذلك ؟ إننى يا سعادة الدكتور إستشهدت بأبيات الشعر لإثبات العنف اللفظى  أو العنصرية إن شئت ، ولم أستشهد بها لإثبات عبودية أحد كما فهمت و "الفهوم قسم " كما يقول المثل.

 

 للأسف إن الدكتور العلامة والفاهم الفهامة فات عليه مقصد البحث لأنّه قرأ جزء منه ولم يقرأ كل البحث فأصبح كأصحاب الفيل كل يصفه بما لمسته يداه وليس ما رأت عيناه ، وحتى الجزء الذى قرأه للأسف لم يفهمه.

 

ونتائج البحث التى غابت عن الدكتور كانت كالآتى:

 

1- إنّ الإسلام قد حرّم الرق وحاربه بنصوص صريحة ذكرتها فى مواقعها، ومخالفة المسلمين لهذه الحرمة لا ينفى وقوع الحرمة.

 

2- إنّ الذى ساد ومازال يسود فى السودان إنما هو عنف لفظى وعنصرية وعصبية قبلية وليس عبودية كما يعرفها القانون أو العرف.  فالعبودية بدأت تجف تجارتها منذ منتصف القرن التاسع عشر وتوقفت تماما فى نهايته.

 

3- حتى عندما كانت هناك مؤسسة للرق فى السودان كانت مؤسسة صغيرة و لم يشهد فيها الرقيق معاملة وحشية إلا فى دارفور حيث كان يتم خصيهم بصورة وحشية.  طبعا ، تمت مقارنة الرقيق بما كان عليه وضع الرقيق فى دول العالم الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية حيث كانوا يحرقون أحياء.

 

4- إن حجم الرقيق المتداول فى تاريخ السودان كان صغيرا جدا، ويشهد على ذلك خلو معظم المدن والقرى السودانية من الرقيق وحتى إن وجد فلا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة فى القرية الواحدة. فمثلا ، لم يكن فى قريتنا بكنور بالقرب من عطبرة إلا رجلا وأخته وكانا يعيشان مثل أهل القرية تماما ويكن لهم أهل القرية كثير من الإحترام والمحبة وعندما توفيا حزن الناس عليهما حزنا شديدا.

 

5- إنّ السودان مستهدف فى وحدته وسوف يتخذ الأعداء من العصبيات القبلية والعنصرية قنبلة يفجر بها السودان وخاصة فى دارفور ، وبالفعل قد تحققت نبؤتى فانقسم أهل دارفور "لزرقة" و"عرب" ونشب بينهم صراع ما زلنا نكتوى بنيرانه.

 

6- إن تجارة الرق فى السودان إزدهرت على يد النخاسة الأوربيون وبتشجيع من حكومة السودان الإستعمارية التى قبلت أن يسدد التجار ضرائبهم من رقيقهم وقد ذكر ذلك سلاطين باشا فى كتابه "السيف والنار" .

 

 

هذه هى بعض نتائج البحث وليس كلها ، فهل ترى فيها عزيزى القارئ صلة بأبى قرجة من قريب أو بعيد؟؟؟

 

وأخيرا، يجب أن نتذكر أن التاريخ يقرأ بعيون الماضى وليس بعيون الحاضر، ويتحدث عنه بألفاظ الماضى وليس بألفاظ الحاضر، وليس من الضرورى أن تكون قناعاتنا هى نفس قناعات أجدادنا .  فالحمد لله قد علمنا من دين الإسلام أن الشرف بالتقوى وليس بالنسب ، وقد قالها رسول الله (ص) صريحة لأهله : "لا يأتينى الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوننى بأنسابكم " أو كما قال. والقرآن يقول " اليوم لا أنساب بينهم" ويقول كذلك : "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه .....الخ ". والذى نفسى بيده ما أحببت الحديث عن نسبى ولا الخوض فى هذه الجاهلية النتنة  قط  إلا أن الدكتور قد تعدى وفجر  فاضطررت أن أدافع عن نسبى وأنا كاره أعلم  علم اليقين أنّه لن يغني من الله شيئا.   وهل يا ترى كان سينقص من قدر الدكتور العلامة شيئا  لو أنّه قام بتصحيح الخطأ بلطف ولين وأدب دون أن ينفث حقده ويطلق لسانه؟  أذكر أننى قد ذكرت نفس الأبيات يوما عند حضرة الدكتور الجراح الأديب صديق الأسرة كمال الزاكى  و كنا نتحدث عن التاريخ ، فقال لى بكل لطف وأدب إن المقصود يا أخ محمود "مرقة" وليس " قرجة" وشرح لى معنى الكلمة ، وبالفعل قمت للمسودة وصححتها شاكرا له حسن صنيعه  .  وكانت هذه الواقعة من قبل عدة سنوات ومن قبل أن أعثر على مقال الدكتور الذى كال لى فيه الشتائم و أقام به الدنيا ولم يقعدها فى شبكة الإنترنت بسبب كلمة واحدة!.

 

 والحمد لله وبالرغم من هذا الدفاع الحار عن نسبى أنا من القلائل الذين تحرروا من هذه العصبيات الجاهليات، وكل من يعرفنى يعرف ذلك عنى جيدا، ولى صداقات حميمة وأخوة صادقة فى كل أرض الوطن من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى غربه إلى أقصى شرقه وهى صداقات أعتز بها وأفاخر،  فلعنة الله على الجاهلية والعنصرية والقبلية فى القبل الأربع ، ولعنة الله على من أحياها ، ولعنة الله على هذه الشهادات العليا التى لا تزيل بلما ولا تهذب خلقا ، وصدق من قال:

 

ما أحسن العدل والإنصاف من عمل * وأقبح الطيش ثم النفش في الرجل

 

 

وأخيرا أختم بخاتمة الدكتور الشعرية وهى لعبد الله الضبى أحد الشعراء الذين وثق لهم المفضل الضبى وقد أرسل معاوية بن أبى سفيان بهذه الأبيات إلى الإمام على رضى الله عنه يتهدده ويشتمه بها، وقد وجدنا الأبيات الأولى تشبه الإمام على ونسله (رضى الله عنهم) وتشبهنا أيضا من غير وجه شبه بيننا وبين الإمام وآله ، وأما البيت الأخير فهو يشبه الدكتور كل الشبه وهو ورد للبضاعة والداء من باب "هذه بضاعتكم ردت إليكم" ومن باب "رمتنى بدائها وانسلت".

 

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله والدرع محقبة والسيف مقروب

 وإن أبيتم فإننا معشــر أنــف لا نَطْعَم الذل إن السُـم مشروب

فازجر حمارك لايرتع بروضتنـا إذًا يرد وقيد العير مكـــروب

 

وفى رواية أخرى لم يذكرها الدكتور  :

 

                        اربط حمارك لا ينزع سويته *** إذا يرد وقيد العير مكروب

 

نعم ، ما أكثر الحمير التى تحتاج لربط أرجلها وتكميم أفواهها "فإنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير"

 

****

من أراد الإطلاع على موضوع الدكتور فعليه كتابة " أبوقرجة بين الحقيقة والإثارة + د. خالد حسن إدريس" على شبكة الإنترنت  وسوف تصطاد له الشبكة الموضوع فى أكثر من موقع .