عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مما لا شك فيه إن قرار محكمة الجنايات الدولية بتوقيف الرئيس البشير من أجل المثول أمامها للنظر فى الإتهامات الموجهة إليه يعد سابقة خطيرة فى تاريخ السياسة الدولية.  فلأول مرة يشهد التاريخ تأسيس محكمة جنائية غير تابعة لدولة معيّنة مهمتها ملاحقة مواطنى الدول الذين توجه إليهم تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية فى بلادهم!!  محكمة لا يعرف لها مرجعية على وجه التحديد، وليس لها قبول مجمع عليه دوليا.  وعلى كل، فإنّ القرار الذى أصدرته هذه المحكمة له عدة إنعكاسات منها ما هو سلبى ومنها ما هو إيجابى.  وهذه السلبيات والإيجابيات تمس كل الأطراف المعنية بالقضية ومن ضمنها المحكمة ذاتها.
أمّأ إنعكاسات القرار على المحكمة الجنائية نفسها  قنذكر منه الآتى:
1- إنّ الدول التى لم توقع بعد على ميثاق المحكمة وخاصة الدول العربية والأفريقية وبعض دول أمريكا الجنوبية سوف  تنظر للمحكمة كمصرد خطر على أمنها السياسي و الإقتصادى فلذلك لن تقدم على خطوة الإنضمام فى المستقبل القريب أو البعيد.  وعليه يمكن أن نتنبأ بعدم زيادة أعضاء المحكمة فى المستقبل وبالتالى ستظل هذه المحكمة كجسم غريب فى النظام العالمى حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.
2- إنّ الدول التى وقّعت على ميثاق المحكمة لها إلتزامات وتحالفات إمّا إقليمية أو إثنية أو عقائدية تضغط عليها وتسير بها فى إتجاه معاكس لاتجاه المحكمة.  ونضرب لذلك مثلا بدولة الأردن وهى واحدة من ثلاث دول عربية أعضاء فى هذه المحكمة، ولقد صوتت الأردن ضد القرار فى إجتماع مجلس الوزراء العرب الذى إنعقد بعد صدوره.  وستصوت ضد القرار مرة ثانية إذا إجتمعت منظمة الدول الإسلامية وأدانت القرار. ومثل هذه المواقف ستخلق إشكالية إلتزام بين المحكمة والأردن كعضو فيها!!  وبالطبع لا أحد يتوقع أو يتصور أن تقوم الأردن أو الصومال أو جيبوتى بتسليم الرئيس البشير لأنّهن أعضاء فى جامعة الدول العربية وميثاق الجامعة لا يسمح بذلك.   ولهذا فإنّ القرار سيحرج الدول الأعضاء فى المحكمة نفسها، ونفس الذى قيل عن الأردن يقال عن الدول الأفريقية الموقعة لإتفاق روما وفى نفس الوقت تحتفظ بعضوية فى الإتحاد الأفريقى.  ولعل ردود الفعل التى جاءت من أمريكا الجنوبية بقيادة فنزويلا تدل على أنّ المحكمة لن يكتب لها البقاء طويلا.
3- لن يقوم مجلس الأمن فى المستقبل بتحويل ملف أى دولة لم توقع على إتفاقية روما إلى هذه المحكمة، ولقد كان تحويل ملف السودان فلتة لن تتكرر.  والشاهد على ذلك هو الخلاف الذى حدث فى مجلس الأمن بالأمس بقيادة الصين وروسيا على الإقتراح الفرنسى لإصدار بيان يدين السودان بسبب طرده لبعض منظمات الإغاثة الدولية، كما أنّ خوف الولايات المتحدة على قادة إسرائيل سيقفل باب مجلس الأمن أمام هذه التحويلات. وبالتالى ستفقد المحكمة القدرة على التدخل فى شئون البلاد غير الموقعة لأنّ مجلس الأمن لن يحيل إليها ملفات تلك الدول.  وهكذا ستنحصر فاعلية المحكمة فى الدول الأعضاء فقط  وستفقد هيبتها الدولية بمرور الزمن وستموت موتا تدريجيا.
4- كشفت المحكمة عن حقيقة هامة وهى أنّ المحكمة لا تمتلك آليات لتنفيذ قراراتها، ولعل الأسئلة التالية قد توضح لنا هذه الحقيقة:
من الذى سيقوم باختطاف طائرة الرئيس إذا ما تحرك بها متجها لدولة أخرى؟
من أى الدول أو المطارات أو السفن ستقلع الطائرات التى ستتولى عملية الإختطاف؟
من الذى سيتحمل مسئولية تمويل العملية ومسئولية الأرواح التى قد تزهق بسبب دخول الطرفين فى معركة جوية؟
ماذا سيحدث لو أن القوات المسلحة الجوية لذلك البلد قامت باسقاط الطائرات التى تحاول إختطاف طائرة الرئيس؟
إلى أى جهة ستتوجه طائرة الرئيس المختطفة؟
ماذا سيحدث لو أن كابتن الطائرة رفض الإنصياع لأوامر المختطفين؟
من أى جهة قانونية سيأخذ الإذن لإنتهاك مجال جوى لدولة ما واختطاف طائرة منه؟
ما هى العقوبات التى ستواجهها الدول الأعضاء فى المحكمة إذا رفضت التعاون مع المحكمة؟
ما هى العقوبات التى ستواجهها الدول غير الأعضاء  إذا رفضت التعاون مع المحكمة؟
ما هى أقصى العقوبات وما هو الحد الأدنى منها؟
أمّا إنعكاسات القرار على الحكومة السودانية فنلخصها فى الآتى:
1-   من السلبيات  أنّ سمعة الحكومة السودانية سيصيبها التشوه  وبالتالى ستتعرض لمضايقات كثيرة فى المحافل الدولية والمنابر الإعلامية من قبل المحكمة والمؤيدين لها من السودانين وغير السودانيين.  ولهذا سيظل المعارضون  للنظام يعزفون على هذا الوتر طالما أن البشير على سدة الحكم، ولكن هذا العزف سيتوقف بمجرد تنحى الرئيس عن السلطة بسبب نص دستورى يحدد دورته أو مرض أو إستقالة أو موت!   ويجب ألا ننسى أنّ القرار صدر ضد شخص ولم يصدر ضد مؤسسة أو حزب ، و الواقع يقول أن البلاد تدار بواسطة حزب له مؤسسات وليس شخص.  فشخصنة القضية هى واحدة من نقاط ضعفها.
2-  من السلبيات أن الولايات المتحدة ومعها كل من فرنسا وبريطانيا قد ينجحوا فى إستصدار قرار من مجلس الأمن يتم بموجبه مقاطعة السودان إقتصاديا لشل حركته وإجباره على قبول شروط  مجلس الأمن.  ولكن فرصة نجاح قرار كهذا ضعيفة جدا، ولقد رأينا بالأمس القريب مواقف الصين وروسيا من مجرد إدانة السودان.  كما يجب ألا ننسى أن السودان الآن له إقتصاد قوى وجاذب للصين خاصة وغيرها من الدول الشرقية والغربية وبالتالى أصبح يحسب له حساب.   
3- ومن الإيجابيات أنّ المؤتمر الوطنى سيستغل هذه  الفرصة لإقامة الإنتخابات فى موعدها المحدد ولإكمال طريق الإنقاذ الغربى أو إكمال جزء كبير منه، والأستمرار فى إتفاقية نيفاشا وحوار الدوحة، وذلك لقطع الطريق أمام  المعارضة وإضعافها بالعمل والإنجازات.  ولا شكّ أنّ إدخال إصلاحات كهذه ستمكن النظام من تغيير جلده وبالتالى الهروب من قبضة الفك الأمريكى الأوربى المتربص به.
4-  ومن الإيجابيات أيضا أن السوق السودانى بعد أن أصابه الركود ولفترة ثلاث أشهر قبل صدور القرار سيرجع  لحالته الطبيعية وسيرجع الدولار لقيمته السابقة بعد أن شهد إرتفاعا مفاجئا قبل أيام من صدور القرار.  كما سترجع  الإستثمارات مرة أخرى وبصورة أكبر فى مجال الزراعة والبناء خاصة.
5- ومن الإيجابيات –بالنسبة للحكومة – أنّ القرار فرصة لتصفية الحسابات مع بعض منظمات الإغاثة التى سمحت لها بالدخول وهى مضطرة فى فترة ما.  فالحكومة تشك فى عمل بعض هذه المنظمات منذ وقت بعيد ولكنّها لا تجد مبررا  لطردها وقد أعطاها القرار هذه الفرصة وبالفعل قامت باستغلاله على وجه السرعة على قاعدة " ضرب الحديد وهو سخن".
6- ومن الايجابيات أيضا سيكون هناك تقارب روسى سودانى تكون فيه روسيا هى المورد الأكبر للسلاح للسودان.  كما ستدخل روسيا مجال صناعة البترول والغاز الطبيعي وغيرها من الصناعات.
7- ومن السلبيات أنّ أرض السودان ستكون معتركا مكشوفا بين الصين وروسيا من جانب وأمريكا والدول الأوربية من جانب آخر وبالتالى سيكون السودان تحت تحرشات غربية لفترة طويلة من الزمن وستظل حدوده مشتعلة وخاصة الحدود الغربية لفترة طويلة من الزمن أيضا.
8- لقد اكتسبت الحكومة خبرات إضافية فى إدارة العراك الدولى وهذا سيجعلها أكثر فاعلية فى مجال  العمل الدبلوماسي فى المستقبل.
9- من السلبيات أنّ المؤتمر الوطنى قد يتعنت مع المعارضة ويرفع سقفه فى المفاوضات ويرجع لسياسة إنهاك المعارضة من غير بطش.
إنعكاسات القرار على المعارضة الدارفورية.
1- من السلبيات الكبرى أنّ قضية دارفور أكملت دورتها تماما ونجحت فى دخول كل المحافل الدولية من كل أبوباها  فى زمن قياسى لا مثيل له فى تاريخ القارة الأفريقية!!  فهى قد دخلت الأمم المتحدة، ودخلت مجلس الأمن، ودخلت المحكمة الجنائية، ودخلت الإتحاد الأفريقى، ودخلت جامعة الدول العربية، ودخلت الإتحاد الأوربى، ودخلت الكونغرس، ودخلت البيت الأبيض، ودخلت البرامج الإنتخابية فى الولايات المتحدة.  ولا شك أنّه لا شئ بعد هذا إلا الحكمة التى تقول: " إنّ لكل شئ إذا ما تم نقصان".  وعليه ستبدأ قضية دارفور فى العد التنازلى وستصبح كرتا ثقيلا وغير جاذب للسياسين فى الغرب عامة و فى الولايات المتحدة خاصة.  وإذا ما حدث هذا الإستثقال ستحاول الولايات المتحدة خاصة حل هذه القضية والتخلص منها وبيعها بثمن بخس!!  ولعلنا هذه الأيام نتابع تحرك الخارجية الأمريكية للتخلص من بعض الملفات ثقيلة الدم كالملف الإيرانى والأفغانى والعراقى!  ودارفور لا تشكل أهمية كبرى فى  وجدان السياسة الأمريكية فهى ليست كإيران وأفغنستان والعراق.
2-  ومن الإيجابيات أنّ الحكومة ستقوم بحزمة من مشاريع التنمية الصغيرة والمتوسطة فى دارفور لكسب أهلها وتخطيط بعض المشاريع التنموية الكبرى للمستقبل.
3-  من السلبيات أنّ الحركات المسلحة ستشهد مزيدا من الإنشقاقات وبالتالى مزيدا من الضعف أمام الصف الحكومى.
4- ومن السلبيات إنّ التمويل الغربى سيقل ويضعف وبالتالى سيتضرر النازحون وستزيد معاناتهم و سيبدأون فى التململ والإنفضاض عن الحركات المسلحة.
5- وأخيرا من السلبيات أن الجاليات السودانية بالخارج إذا لم تكن عاقلة وعلي رأسها قيادات رشيدة ستشهد إنشقاقات وتمايز فى الصفوف بسبب المواقف المتباينة وهذا التمايز سوف يكرّس للجهوية والقبلية والعنصرية ويزيد من مصائب الوطن العزيز.