بسم الله الرحمن الرحيم

morizig@ hotmail.com

 


لقد أحزنني كثيراً أن أرى مجمع الفقه السوداني التابع للحكومة يجانب الحكمة ويتعمد الخلاف فيتسبب في فتنة الناس في زمنٍ بدأ فيه العالم الاسلامي يتعافي من الخلاف المزمن بخصوص مسألة تحري شهر رمضان.
فقد بدأت كل الدول الاسلامية وفقهاؤها ومجمعاتها التوجه بكلياتهم للأخذ بأسباب العلم القطعي في تحديد بداية ونهاية شهر رمضان حسماً للخلاف بين المسلمين.
وما أحزنني أكثر ان أرى مجمع الفقه الاسلامي يخالف الفتوى العلمية التى اصدرتها "الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء" والتي يقوم على امرها علماء افذاذ في علوم الفضاء والفيزياء حريصون كل الحرص على عقيدتهم ودينهم وسمعتهم العلمية.
وكأن المجمع بمخالفته تلك يريد ان يرسل رسالةً خفيةً مفادها ان تلك العلوم الحديثة ليست من الدين في شيء وبالتالي يجوز التلاعب بمخرجاتها والاستهتار بها على غرار قول النحويين أو اللغويين "اسم عجمي فالعب به"!!
فقد أكدت الجمعية الفلكية في بيانها أن: "جميع هذه المعايير تبين انه بالنسبة لبلادنا ومنطقتنا أول أيام شهر رمضان المعظم يكون يوم الجمعة الموافق 24/04/2020."
وذلك بعد أن اكدت أن "الإقتران المقبل للقمر حسب توقيت السودان في حوالي الساعة 04:25 صباح يوم الخميس الموافق 23/04/2020"
والإقتران هو المرحلة العلمية التي تشهد ولادة الهلال الجديد، وبنهاية الاقتران ينتهي الشهر القديم رسمياً وعلمياً ليبدأ الشهر الجديد رسمياً وعلمياً.
وهي المرحلة التي يكون فيها الهلال ضعيفا ورهيفا ونحيفا ومتخفياً لا يُرى بالعين المجردة ولكنه في نهاية المطاف يعتبر هلالاً وبه بداية الشهر الجديد.
والجدير بالذكر أنه لا يوجد مصطلح ثالث ومنطقة وسطى بين مصطلحي "الهلال" و"المحق".
فاذا احتجبت كتلة القمر تماماً عن أشعة الشمس ولم تُرى بكل الوسائل والاجهزة الحديثة فذلك "محق"، واذا تعرضت كتلة القمر لأشعة الشمس بأي درجة من الدرجات فذلك "هلال" مهما يكن ضعيفاً ونحيفاً ومتخفياً.
ولكي يُرى ذلك الهلال الضعيف المتخفي بالعين المجردة من قِبلِ كل الناس او معظمهم، فلا بد أن يمضي عليه حوالي ١٨ ساعة او اكثر او اقل بقليل حتى تكبر كتلته المضيئة وتصبح الرؤية بالعين المجردة ممكنة مع مراعاة الظروف الجوية والجغرافية وصحة بصر الانسان المتحري.
وعلى كلٍ فتلك كانت الحجج العلمية القطعية التي كان من المفروض ان يستند عليها المجمع في فتواه كما يساند على رأي الاطباء في بعض الاحكام الشرعية.
ولكن اذا اراد المجمع الحجج الفقهية وأقوال العلماء فعندنا منها ما يدعم حجتنا.
فقد روى أبو داوود في صحيحه عن طريق معاوية أن رسول الله (ص) قال: " صوموا الشهر وسره"
وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله (ص) قال لرجل: " هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ فقال: لا، فقال رسول الله (ص) اذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه."
والسُرر جمع سِرار وهي المرحلة التي تسبق رؤية الهلال بالعين المجردة التي هي مرحلة الاشهار.
يقول الشيخ الاكبر محي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية:"إعلم أن السر ضد الشهرة وبها سُمي الشهر شهراً لاشتهاره وتمييزه واعتناء المسلمين وأصحاب تسيير الكواكب (الفلكيين) به، فرغَّب في الصوم في حال السر والاعلان. واعلم أن سر الشهر هو الوقت الذي يكون فيه القمر (الهلال) في قبضة الشمس تحت شعاعها" الى أن يقول:"فإنا نعلم قطعاً اذا كان الهلال في الشعاع إنه متجلٍ (ظاهر موجود) لنا ولكنّا لا نراه، كما نعلم قطعاً أن الكواكب في السماء (والشمس ظاهرة) متجلية لنا ولكن لا نراها لضعف الادراك البصري" (ج ١ ص ٦٤٧)
هذا الشرح العلمي كتبه الشيخ الاكبر قبل ٧٠٠ عام في مكة في الوقت الذي ما زال علماؤنا المعاصرون بعيدون كل البعد عن فهم واستيعاب المسألة الفلكية!!!!
واذا عرّجنا للامام السبكي أحد اعمدة الفقه الشافعي نجده يقول عن الحساب الفلكي: " فقد ظهر أن مقدمات هذه الحركات (الفلكية) محسوسة محسوبة، لا محسوبة فقط فتكون معقولة، كما اعتقد من لا معرفة له (بعلم الفلك)"
وقال الامام القرافي احد أئمة المذهب المالكي: إن" حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي، فإن الله سبحانه أجرى عاداته بأن حركات الافلاك وانتقالات الكواكب السبعة على نظام واحد طول الدهر، وكذلك الفصول الأربعة. والعوائد اذا استمرت أفادت القطع." أي التجربة تفيد القول القاطع
وفي عصرنا الحديث قال العقاد: "ان نظام الفلك مشاهدات متكررة وليس بالمستلزمات المنطقية" اي تجارب علمية لا تقبل الجدل كما في علم المنطق.
وقد ذهب في نفس المسار كثير من علماء كالشيخ احمد شاكر ومحمد رشيد رضا وغيرهم.
اما مسألة "فمن شهد منكم الشهر" فالشهادة هنا تعني "العلم" وتعني "الحضور" وتعني "المشاهدة" بالعين.
وعندما "نشهد" ألا اله الا الله، نعني بذلك أننا "نعلم" علما عقلياً وشرعياً عن طريق الوحي أن لا اله الا الله.
وكلمة "رؤية" ايضا تعني "العلم" وتعني "المشاهدة" بالعين. الم "ترَ" كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ اي ألم "تعلم" ما فعله ربك بأصحاب الفيل.
فاذن "الرؤية" و "الشهادة" فيما يخص موضوعنا هذا تعني العلم بوجود الهلال في الافق او مشاهدته بالعين وكلاهما وسيلتان شرعيتان.
والخلاصة هي أن الفتوى العلمية التى اصدرتها "الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء" هي الفتوى العلمية الصحيحة التي يثبت بها دخول الشهر ونهايته لأنهم هم أهل الاختصاص في هذه الظاهرة الفلكية، وعلى رأيهم يجب أت تؤسس الفتوى كما نفعل مع أهل الاختصاصات الاخرى كالطب وغيرها