إنّ البرنامج الذى يديره الأستاذ بابكر حنين من أستديوهات قناة النيل الأزرق ويستضيف فيه مرشحى الأحزاب لمنصب رئاسة الجمهورية لهو خطوة ومحاولة جيّدة فى إرساء القيم الديمقراطية التى تبنى أساسا على الحوار، والإحترام ، والحرية، والمسئولية.  وهذه التجربة تستحق منا الإشادة بالرغم من تحفظاتنا على بعض سلبيات التجربة وخاصة الطريقة التى يدير بها الأستاذ بابكر حنين النقاش. وعلى كل، نرجو ونتمنى أن يتطور هذا البرنامج ويستمر حتى بعد إنتهاء الإنتخابات ليكون منفذا ومتنفسا ديمقراطيا تسطيع من خلاله الأحزاب أن تسمع رأيها للحكومة والشعب فى أداء الحكومة المنتخبة. وإستمرار هذا البرنامج سيساعد أيضا فى تربية وتعليم المواطنين على أسلوب الحوار  الحضارى الهادئ ونحن فى حاجة لمثل هذا السلوك الحضارى لأننا شعب شديد الإنفعال وشديد الغضب،  وكذلك سيساعد إستمرار البرنامج فى تدريب السياسين على تقبل الأسئلة الحرجة والصعبة والرد عليها بلباقة ودبلوماسية.

 

وبمناسبة الأسئلة الحرجة تقدم الأستاذ الصحفى عبد الباقى الظافر للإستاذ نقد بسؤال ظاهره الإحراج والسذاجة ولكن من يعرف الأستاذ عبد الباقى ويتابع كتاباته يعلم أنّه قد تخصص فى الأسئلة الحرجة وإثارة المسئولين الحكوميين والسياسين عامة لدرجة جعلت بعض الأجهزة الحكومية تقاضيه عدة مرات.  فالسؤال الذى يبدو من الوهلة الأولى سخيفا ومحرجا هو عند الأستاذ عبد الباقى يعنى أشياء كثيرة. فهو عندما سأل الأستاذ نقد : "هل تصلى؟" واجاب الأستاذ نقد  بصراحة وصدق وسخرية قائلا : "الآن لا أصلى و هذا السؤال يشبه أسئلة محاكم التفتيش!!" كان فى ذهن الأستاذ عبد الباقى التغيير الذى حدث فى المجتمع ولهذا قدم لسؤاله بقوله : " إن الإيمان مهم فى حياة المجتمع" وللأسف إن الأستاذ نقد لم يلتفت لهذه المقدمة ليبنى عليها إجابة فلسفية.

 

و الحقيقة التى لا تغفلها عيون الناس عموما ولا تغفلها عين الصحفى عبد الباقى بالذات أن المجتمع السودانى والمجتمعات الإسلامية عموما تشهد حالة من الرجوع إلى الدين، والجدير بالذكر أنّ هذه الحالة ليست مقصورة على المسلمين وحدهم ، فحتى البلدان غير الإسلامية تشهد موجة من التدين أيضا!  ولعل سيطرة اليمين المتطرف فى أمريكا وبعض الدول الغربية لخير شاهد على ذلك.  فالمرشح لمنصب الرئاسة الأمريكية لن يفوز لو رفض زيارة الكنائس أو الصلاة فيها بالرغم من أنّ الدولة علمانية 100%.  ونفس الشئ نجده  فى إسرائيل،  فالمرشح الذى لا يؤدى العبادات الدينية (بالرغم من أنها شأن بين العبد وربه) ولا يزور دور العبادات ولا الأماكن المقدسة لن يجد له فرصة فى الفوز مهما كان متحمسا لسحق الفلسطينين وتهويد القدس وبناء مستوطنات جديدة!

 

والشئ الثانى الذى إلتفت إليه الأستاذ عبد الباقى ولم يلتفت إليه الأستاذ نقد ، هو أنّ مفهوم التصويت قد إختلف عن الماضى، ففى الماضى كانت عملية التصويت هى مشاركة سياسية لا أكثر ولا أقل ، أمّا الآن ومع موجة التدين التى تحدثنا عنها سابقا فالتصويت أخذ بعدا دينيا ، فكثير من الناس سيدلى بصوته من باب المسئولية الدينية التى تلزمه بالمشاركة فى عملية الإصلاح بنفسه وأيضا مساعدة الأصلح للوصول لسدة الحكم. وبدأ كثير من خطباء المساجد وعلماء الشريعة وأهل الفكر يتحدثون ويكتبون عن وجوب المشاركة وأنّ الصوت أمانة مسئول عنها المرء أمام ربه قبل أن يكون مسئولا عنه أمام حزبه.  والأصلح ليس بالضرورة أن يكون من جنسك ولا حزبك ولا طائفتك، فالأصلح قد يكون مستقلا ، أو يكون متحزبا ، أو يكون من أقلية من الأقليات، فعلى صاحب الصوت البحث عن الأصلح حيث كان . هذا هو البعد الدينى للعملية الإنتخابية الحالية والجدير بالذكر أنّ هذا البعد الدينى لم يكن حاضرا من قبل فى الإنتخابات السابقة.

 

وإذا نظرنا لسؤال الأستاذ عبد الباقى وإجابة الأستاذ نقد فى ضؤ هذه التغيرات،فسنجد أنّ الظافر قد سدد رمية قاتلة للإستاذ نقد وأظهره بمظهر المخالف لمجتمعه فى مسألة من أهم معتقداته الدينية المربوطة مباشرة مع مسألة الحكم وذلك واضح فى قوله تعالى : " الذين إن مكّنّاهم فى الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور".  ومن الواضح جدا من نص الآية وإجابة الأستاذ نقد أنّ من لا يحفل بالصلاة فلن يحفل بالزكاة أيضا ، ومن لا يحفل بالزكاة فلن يجد عنده فقراء الوطن حقهم المعلوم الذى أعطاه لهم الله تعالى.

 

 ونفس هذا السؤال لو وجّه لأى مرشح فى الولايات المتحدة الأمريكية وأجاب بنفس إجابة الأستاذ نقد سوف يخر على وجهه مقضيا عليه.  نعم، إنّ الشعب السودانى لن يتدخل فى علاقة نقد بربه ولكنّه بعد أن سمع هذه الإجابة على الهواء بالصوت والصورة لن يأمن جانب الأستاذ نقد وحزبه ولن يضمن عدم تدخلهم فى علاقة الناس بربهم إذا وصلوا لكرسى الحكم ،  وذلك لأنّ كرسى الحكم غير مأمون!!  وقد ينقلب الحاكم على الشعب بين عشية وضحاها ، و أمثلة هذه الإنقلابات كثيرة فى التاريخ الإنسانى وما نبأ هتلر عنا ببعيد، فقد جاء الرجل بالديمقراطية ولم يأتى بالإنقلاب!!

 

وعلى كل فإن فاتت الأستاذ نقد فضيلة الصلاة فلم تفته فضيلة الصدق، ولكنّ الصدق وحده لن يكفى ولن ينجى  لأنّ مسألة الحكم أبعد وأعمق من أن تبنى على فضيلة واحدة! ونتمنى أن يحدد الأستاذ نقد موقفه ومقف حزبه من الدين بنفس هذا الصدق وتلك الصراحة بدلا من "شحتفة روح" الشعب!

 

mahmoud rizig [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]