عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(21 رمضان - الموافق 6 يونيو 2018)
بالرغم من بشاعة الحدث وعظمة الجرم إلا انّ فيه دروس وعبر للمسلمين يستفيدون منها الى يوم القيامة. ففي اليوم التاسع عشر من رمضان (19 رمضان) خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكرَّم وجهه ورضي عنه لصلاة الصبح من غير حرسٍ وقد كان في ظلام الليل ثلاثةُ نفرٍ من الخوارج (هم ابن ملجم ووردان وشبيب) يتربصون به فانتظروه حتى أقام الصلاة فهجموا عليه وهو ساجد يصلي بالناس فعلاه عبد الرحمن بن ملجم -لعنة الله عليه- بالسيف فضربه ضربة قاتلة فلق بها هامته ولكنَّه لم يمت منها في الحال فحُمِل إلى بيته وقُبض على ابن ملجم وهرب وردان فأدركه رجل من أصحاب علي فقتله، وفرَّ شبيب فنجا من الموت، وعندما وقف ابن ملجم بين يدي الامام علي وهو مكتوف قال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى. فقال أمير المؤمنين لأهله وأصحابه: "إن مِتُ فاقتلوه، وإن عشتُ فأنا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبدالله: يا أمير المؤمنين إن مِتَ نبايع الحسن؟ فقال: "لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر". ولما حضرته الوفاة جعل يكثر من قول لا إله إلا الله ، وقيل أنَّ آخر ما تلفظ به هو قول الله تعالى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ } وكان ذلك سنة 40 ه، وقد بلغ ثمانية وخمسين سنة، وفى رواية ثلاث وستين سنة، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وذلك من عام 35ـــــ 40هـ وكان موته رضي الله عنه بعد ثلاث أيام من ضربته في مثل هذا اليوم ليلة 21 رمضان فمات شهيداً مصداقاً لنبؤة رسول الله (ص) فيه أنّه سيقتل.
فقال الشاعر الحافظ بكر بن حماد التاهرتي رحمة الله عليه يرد على شاعر الخوارج عمران بن حطان الذي مدح ابن ملجم وأشاد به:
قــــل لابن ملجم والأقــــدارُ غالبــــةٌ
هدمــــت ويلــــك للإســــلامِ أركانـــا
***
قتلتَ أفضل من يمشي على قــــدمٍ
وأولَ النــــاسِ إســــلاماً وإيمــــانا
وأعلم النــــاسِ بالقــــرآنِ ثــُـم بمــا
سن الرســــولُ لنــا شــــرعاً وتبيانا
***
صهر النَّــــبي ومــــولاه وناصــــرُه
أضحت منــــاقبُه نــــوراً وبرهــــانا
***
وكان منه على رغــــمِ الحســــود له
مكان هارون من موسى بن عِمرانا
***
ذكــــرتُ قــــاتله والدمــــعُ منـــحدرٌ
فقلت: سبحان رب العرش سبحانا
***
إنــــي لأحســــبه ما كان من بشــرٍ
يخشى المعادَ ولكن كان شيـــطانـا
(أي أني أحسب بن ملجم شيطانا)
ماذا قال لحظة إغتياله؟
قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: "احبسوا الرجل فإن مت فاقتلوه وإن أعش فالجروح قصاص". وفي رواية ثانية قال : "أطعموه وأسقوه وأحسنوا إساره ، فإن صححت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت"، وفي رواية ثالثة "إن مت فاقتلوه ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين" ، ونهى عن المُثْلة ، وقال مخاطباً أهله: " يا بني عبد المطلب، لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون : قتل أمير المؤمنين ، قتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتَلنَّ. أنظر يا حسن ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم والمُثلة ولو أنَّها بالكلب العقور. ولا شك أنَّ تلك وصية خالدة تجلت منها مشارق الأنوار لتضيء الظلمة وتؤسس لدولة القانون وحقوق الإنسان حتى للإنسان المجرم الذي قبض متلبساً بجريمة قتل.

من هو بن ملجم ولماذا قتل أمير المرمنين؟!
إن مأساة عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري أنّه رجل أدرك الجاهلية فأسلم وكان من الصحابة الذين عاصروا رسول الله (ص) أو رأوه وهاجر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب وكان علي بن أبي طالب يحسن إليه كثيراً، وكان ابن ملجم فارساً شجاعاً شهد فتح مصر، وقرأ على معاذ بن جبل القرآن. وكان يحفظ القرآن الكريم ويحسن قرآته ولهذا أرسله عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلى مصر تلبية لطلب من عمرو بن العاص جاء فيه:
يا أمير المؤمنين أرسل لي رجلاً قارئاً للقرآن يقرئ أهل مصر القرآن.
فردَّ عمر بن الخطاب قائلاً: "أرسلتُ إليك رجلاً هو عبد الرحمن بن ملجم من أهل القرآن آثرتك به على نفسي فإذا أتاك فاجعل له داراً يقرئ الناس فيها القرآن وأكرمه."
انضمَّ ابن ملجم لحركة الخوارج المتطرفة فغلى في دينه، وقد كان أغلب الخوارج من حفظة القرآن الكريم، وكانوا يقاتلون مع علي (رض) بشراسة وعندما خضع علي (رض) للتحكيم بينه وبين معاوية انشقوا عنه واعتبروه لا يستحق الخلافة، وتعهدوا بقتله وقتل معاوية وقتل عمرو بن العاص، فخاض ضدهم الإمام حرباً عنيفة هزمهم فيها وشتت جيشهم وقتل أصحاب ابن ملجم. ومن تطرفِ الرجل أنّه كان يصيح لحظة القتل قائلاً: "لا حُكم إلا لله.. ليس لك يا علي.. ولا لأصحابك" وجعل يتلو قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} ظناً منه أنّه يجاهد حاكماً ظالماً باغياً معتدياً لا يستحق الخلافة!!!
ولقد فرح الخوارج بمقتل الإمام عليّ ايما فرحٍ حتى قال شاعرهم عمران بن حطان السدوسي (وهو أيضا صحابي تبع الخوارج ) يمدح صديقه ابن ملجم بسبب قتلـه أمير المؤمنين علياً رضي اللـه عنه فقال:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَــــــا أَرَادَ بِهَا
إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا
إنِّي لأَذْكُــــرُهُ يَــــوْماً فَأَحْسَــــبُهُ
أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْــــدَ الله مِــــيزَانا
***
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُــونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْ
لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغياً وَعُدْوَانا

وصية أمير المؤمنين علي بن ابي طالب لابنائه
حينما حضرت الوفاة علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) يوم 21 رمضان وصى بنيه بوصية خالدة تجلت منها مشارق الأنوار لتضيء الظلمة وتؤسس لدولة القانون وحقوق الإنسان حتى للإنسان المجرم الذي قبض متلبساً بجريمة قتل منها إضاءات قوية تمثل ركيوة قوبة قال فيها:
" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلوات الله وبركاته عليه. {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين}.
اوصيك يا حسن وجميع ولدي واهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا ولا تموتن إلا وانتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، فإني سمعت رسول الله يقول : إصلاح ذات البين افضل من عامة الصلاة والصيام، وان المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
انظروا إلى ذوي ارحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.
لله الله في الايتام فلا تغبوا افواههم بجفوتكم.
والله الله في جيرانكم فإنها وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم .
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.
والله الله في الصلاة فانها عماد دينكم.
والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم ، فانه إن تُرك لم تناظروا، وإنه إن خلا منكم لم تنظروا .
والله الله في صيام شهر رمضان فانه جُنَّةٌ من النار .
والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وانفسكم .
والله الله في زكاة اموالكم فانها تطفئ غضب ربكم .
والله الله في امة نبيكم فلا يُظلمُنَّ بين اظهركم .
والله الله في اصحاب نبيكم فان رسول الله صلى الله عليه وآله اوصى بهم .
والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم .
والله الله فيما ملكت ايمانكم فإنها كانت آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم.
ثم قال الصلاة الصلاة .
لا تخافوا في الله لومة لائم فانه يكفكم من بغى عليكم وأرادكم بسوء قولوا للناس حسناً كما أمركم الله .
ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الامر عنكم وتدعون فلا يستجاب لكم .
عليكم بالتواضع والتباذل والتبار .
وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.
حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيه..... استودعكم الله خير مستودع... وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته"
ثم فاضت روحه الطاهرة لربها راضية مرضية في الحادي والعشرين من رمضان في ليلة الجمعة من سنة أربعين هجرية فغسله ابناه الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن ودفن ليلاً بدار الإمارة بالكوفة خوفاً عليه من الخوارج أن ينبشوا جثته، وقد كان عمره ثلاث وستين سنة وقيل ثامنية وخمسين.
القصاص من ابن ملجم
أمر علي (رضي الله عنه) بقتل ابن ملجم إن مات بسبب ضربته، ونهاهم عما سوى ذلك، وقد تعددت الروايات التي توصي بحسن معاملته وعدم تعذيبه والتمثيل به. وهي الروايات التي تليق بأمير المرمنين وتليق بسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين وتليق بآل البيت جميعاً. ولا شك أنَّهم التزموا بوصية أمير المؤمنين التزاماً صارماً في معاملة ابن مُلْجم معاملة حسنة تظهر خلق الإسلام العظيم في النهي في المثلة والالتزام بالقصاص الشرعي الذي ينسجم مع روح الدين الإسلامي ومقاصده. وقيل أنّه عندما كان يحين وقت الإفطار كانوا يطعمون ابن ملجم ويسقونه قبل أنفسهم. وحين قُيِّد للقصاص ضربه الحسن ضربة واحدة فصلت رأسه عن جسده فمات وقُبر ولم يمثَّل به ولم يُهان جسده، عملاً بوصية أبيهم وعملاً بقوله تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به}. وهذه المعاملة الحسنة لأسيرٍ قاتل تشكل أصلاً يجب أن يقتدي به المسلمون في معتقلاتهم مع أصحاب الجنايات جميعاً فلا يضربونهم ولا يعذبونهم مهما كان من أمرهم ولا شك أن القتل هو أعلى الجنايات.

وفي خبر ابن ملجم عبرةٌ لمن يعتبر
وللأسف لم ينفع الرجل حفظه للقرآن الكريم ولا جهاده ولا صحبته، ولاعبادته فقد كانت سوء الخاتمة من نصيبه والعياذ بالله، وكل ذلك لضعفٍ في الفقه وانجراره وراء العاطفة الدينية التي هيجها الخوارج الذين أفسدوا كثيرا من الناس صحابة وتابعين، مع أنَّ علامات الصلاة كانت في جباههم يتعهدون القرآن في الليل وأناء النهار ومع ذلك فقد مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية!!!
وفي خبر الخوارج موعظة للمتدينين عامة والشباب خاصة الذين تستهويهم الثورة وتسهويهم الدماء أن الثورة من غير علم وفقه وحكمة مهلكة لا ريب فيها.. وأنَّ الرجل يعمل بعمل أهل الجنة فيبقى له شبرٌ منها فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار...وها هي فرقة الخوارج ضلت الطريق وفيها بعض الصحابة والتابعين وحفظة القرآن!! حقيقة شيء مخيف تقشعر منه الأبدان.. ولذلك في خبر الخوارج عظة لأولى الألباب وأنَّ الفقه خير من الحفظ.. وخير الفقه ما سانده الحفظ.. ولا عاصم من أمر الله إلا هو، فنسأل الله حسن الخاتمة..