عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة:
هذا بحث عن الاتجاهات الحديثة لصناعة دستورٍ دائمٍ في السودان يوفِّق بين مقاصد الإسلام العليا وتطور المجتمع الحديث. وقد قصدت به إزالة العراك والتنافر الآيديلوجي والسياسي في المجتمع السوداني الذي يحاط بنظام عالمي يتغير سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في كل لحظة. ولعل إزالة هذا التنافر (علماني/إسلامي) تساعد على استقرار هذه دولة المُنهكة التي تحمل أثقالاً من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعيش في ظل ظروفٍ بالغة الصعوبة ويعاني فيها المواطن أشدَّ المعاناة.


نبذة تعريفية عن الدستور.
الدستور هو تلك الموجهات العامة التي تُأطِّر للنشاط السياسى في الدولة بحيث تُصاغ تلك الموجهات العامة في نصوصٍ دستوريةٍ بلغةٍ قانونية لتصبح عقداً إجتماعياً وقانوناً أعلى للدولة، ومن ثمَّ وبطول الزمن والتطبيق تصبح ثقافة عامة للمجتمع يعيش قيمها ويتوارثها وينعم تحت ظلالها لأطول فترة من الزمن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، وبهذه الصورة تصبح أسلوب حياة يتجاوز النصوص الى ضمير الفرد والأمة.

ولهذا الغرض السامي وُجدت فكرة الدستور لتنظم النشاط السياسي والمجتمعي في الدولة من خلال قوانين فرعية متعددة تحفظ الحريات والحقوق وتحدد الواجبات في مجالات الحياة المختلفة. وللمسلمين الفخر أن يكون أول دستورٍ مكتوب في التاريخ هو دستور المدينة الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد احتوى على 19 مبدأ دستورياً لا غنى لأيِّ دولة عنها قديماً وحديثاً. فإذن دور الدستور حتى في فهم رسول الله (ص) صاحب الوثيقة التاريخية يتعلق بالنشاط السياسي للدولة في أهدافها ووسائلها وقيمِها صغرت أو كبرت.

والممارسة السياسية للدولة بشَرِّها وخيرِها، بتوسعها وانكماشها، تساعد على تطوير الفكر الدستوري ليستوعب جميع الظواهر السياسية والإجتماعية التي يمر بها المجتمع، وذلك لأنَّ الدستور لا ينشأ ولا يتطور في فراغ. فإذن القانون الدستورى هو علم إنشاء وصياغة وتطوير النصوص والمفاهيم الدستورية في مجتمعٍ متمدنٍ على قواعدٍ مبدئية تشكل قانوناً أعلى يتسم بالعموم في تصوصه وتتفرع منه قوانين متخصصة تغطي جميع مجالات الحياة بتفصيل أعمق.
والرقابة على دستورية القوانين فى ظل الدولة الدستورية، تبين الهوة بين النص الدستوري وتطبيقه، وكذلك تبين مدى التزام مشرِّع القوانين بقواعد الدستور وبمفهوم الشرعية الدستورية. هذه الرقابة تقود للتصدى للحكم بالامتناع عن تطبيقه، أو بإلغائه أو بالغاء القانون الذي كان سبباً فيه فى النظم التى أخذت برقابة الإلغاء ورقابة الامتناع.


البناء الداخلي للدستور:
يتكون الدستور من عدة فصول أساسية تتضمن الحقوق والواجبات والحريات العامة من غير تقييدٍ لها بالقوانين المتفرعة وذلك من أجل حفظ ذاتية الإنسان وإرادته فيملك عقله وروحه فيتدرج في مدارج المواطن الصالح. ويتضمن الدستور أيضاً فروع وأذرع الدولة الأساسية كالأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية (الحكومة) وكذلك الجيش والأمن والبوليس (الأجهزة الأمنية) وغيرها من المؤسسات المهمة. والدستور بكلياته يلزم الحكومة بتنفيذ وتحقيق أهدافه التي ينص عليها، وبالتقيد بالقوانين المتفرعة عنه، وكذلك يلزمها بأحكام القضاء وتنفيذها فوراً لتحقيق دولة القانون التي يسمو إليها الجميع.

والدستور يجب أن يمنع تأسيس مؤسسات الدولة الرسمية على أساس ديني أو آيديولجي أو عرقي أو على أي وجه من أوجه التمييز بين المواطنين. كما يجب أن يمنع تكوين الأحزاب على أساسٍ آيديلوجي أو ديني أو عرقي. فلا ضرورة لأحزاب دينية تحتكر الدعوة للدين طالما أن القضاء في الدولة ومعه المشرِّع والمنفذ ملتزمون بالشرع الحنيف. وأيضاً لا ضرورة لأحزاب أيدلوجية تعمل لتغيير ثوابت الدستور التي أجازها الشعب لتصبغها بصبغة آيدلوجية واحدة لا تُريكم إلا ما ترى. وحتى يكون الدستور عادلاً فيجب ألا يحرم الناس من حرية الإعتقاد والفكر, وعليه يجب أن يسمح لهم بتكوين منظمات مجتمع مدني تتناول القضايا الدينية والفكرية والآيدلوجية بصورة قانونية منظمة بعيداً عن العمل السياسي الدستوري.


الخيارات المتوفرة لكتابة دستور دائم في السودان:
1. أن يكتبه ويجيزه برلمان حكومة شمولية وهذا خيار سيشعل النار وسترفضه المعارضة وبالتالي لن يُكتب لهذا النوع من الدساتير الدوام.
2. أن يكتبه برلمان ديمقراطي وهذا خيار جيّد ولكنَّه معرض للفشل بسبب المنازعات السياسية التي قد تطرأ في البرلمان في دولةٍ متخلفةٍ ومجتمعٍ متخلف.
3. أن تكتبه لجنة متخصصة تعينها الحكومة ويراجعه ويعدله البرلمان كما في دستور 1988. وهنا لا نضمن تأثير الأغلبية السياسية في البرلمان على مباديء الدستور ولا نضمن التحويل والتبديل.
4. أن تكتبه لجنة قومية تجمع بين المتخصصين في جميع المجالات ومن جميع الإتجاهات السياسية وتعتبر سلطة تأسيسة أصلية تملك مطلق الحرية في إداء مهمتها. هذه اللجنة ترفع للبرلمان مسودتها للتصويت عليها بالقبول أو الرفض من غير تعديل عليها. وملحاظات البرلمان تكتب منفصلة وإذا وصلت هذه اللجنة القومية مع البرلمان لطريق مسدود حول المسودة التي رفعتها له يستفتى الشعب مباشرة فيها.

الخطوات العملية لكتابة دستور السودان الدائم:
1. تكوين لجنة قومية واسعة من جميع مكونات الشعب السوداني وتخصصاته ورجاله ونساءه وأعماره
2. تستمع اللجنة إلى جميع وجهات نظر الأحزاب والقوى السودانية لتجميع الأراء الدستورية.
3. ابتدار حوار مجتمعي حول الدستور
4. ابتدار حوارات إعلامية حول الدستور
5. ابتدار حوارات بين الأحزاب وجميع القوى السياسية حول الدستور
6. إعداد مسودة دستور تشارك فيها القوى السياسية وتناقشها وسط أعضاء كل حزب
7. تعقد كل ولاية مؤتمراً خاصاً لمناقشة مسودة الدستور والتصويت عليه ورفعه للجنة الدستور
8. إعداد مسودة نهائية من كل المقترحات ليناقشها البرلمان
9. إعداد مسودة نهائية للتصويت عليها من قبل الشعب
علاقة مقاصد الإسلام العليا بالدستور:

إنَّ من الضروري جداً أن يعرف الجميع أن الإسلام جاء بعدد هائل من الموجهات السياسية والمقاصد العليا التي لا يختلف عليها إثنان داخل المجتمع المسلم أو في حوش المجتمع الإنساني الواسع المتعدد الإتجاهات. وعدم الإختلاف على هذه الموجهات السياسية العامة يجعلها صالحة لكل زمانٍ ومكان، ومعرفة هذه الحقيقة البسيطة سيقرب الشقة بين الإتجاهات السياسية الموجودة في الساحة السودانية خاصة. ومن هذه المقاصد العليا سنذكر عشرة مقاصد فقط من باب المثال لا الحصر حتى لا نطيل على القاريء وهي الآتي:

1. إقامة العدل
2. محاربة الفساد والمفسدين
3. المساواة بين الناس أمام القانون
4. حرية الإعتقاد
5. حفظ المال والنفس
6. محاربة الجهل والأمية
7. الحفاظ على أمن المجتمع
8. الحفاظ على حدود الدولة
9. محاربة الفقر والمرض والفواحش
10. إكرام المرأة وتشجيع ومساعدة الأسر على التمدد والإستقرار والسعادة

لن تجد سياسياً واحداً قديماً وحديثاً، مسلماً أو غير مسلم، في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، أسوداً أو أبيضاً، مسالماً أو مقاتلاً، يقف ضد مقصدٍ واحدٍ من هذه المقاصد الإسلامية العليا. فإذن المشكلة التى تقابل المسلمين هي تنزيل هذه المقاصد على أرض الواقع بمواعين العصر في عالم السياسة بشفافيةٍ وصدق، وكذلك تواجههم مشكلة تنزيلها نصوصاً دستورية في عالم القانون. والمشكلة في عمومها نبعت من تمسك الاسلاميين السياسين والفقهاء بالشكليات وترك الجوهر، ونبعت أيضاً من الخلط بين القانون The law والدستور The constitution ، كما نبعت من الخلط بين مفهوم الحزب ؛Political Party ومفهوم الحركة السياسية Political Movement . فتحولت الحركات الفكرية الدعوية التي كان من واجبها الأساسي رد الناس لدينهم عن طريق التوعية به وبمحاسنه إلى أحزابٍ سياسيةٍ تحتكر الدين والسلطة والمال. وفي أصل علم السياسة أنَّ تؤسس الأحزاب على مباديء الدستور لا غيره، على أن تكون مهمتها العمل على تحقيق أهداف الدستور عبر برامج مفصلة يطرزها خبراء الحزب ويحشدون لها الناخبين في إطار دستوري متفق عليه من الجميع في جو تنافسي. فالحكم والتنفيذ من مهمة الحكومة بحميع ألوان طيفها، والحشد والبرامج مهمة الأحزاب المتنافسة.

فالمقاصد الدستورية ليس عليها خلاف ولا ينبغي أن يكون عليها خلاف، وبالتالي لا يجب أن يكون هناك عائق يمنع من كتابة دستور دائم للسودان سوى المناخ السياسي. أما القوانين وما يتبعها من عقوبات هي محل خلاف دائم لأنَّها تخضع لظروف العصر وبالتالي تتطور وتتغير حسب تطور الزمان والمكان. وكذلك يقع الخلاف على وسائل الحكم ومواعينه لأنَّها أيضاً تتبدل وتتحول...ومن الناس من يتمسك بالمواعين القديمة أبداً، ومنهم من يتمسك بالجديد أبداً، ومنهم من يوفق بينهما.

ومن الأشياء المهمة التي يجب أن يستوعبها الناس وخاصة دعاة العلمانية أن 95% من قوانين الشريعة وعقوباتها هي قوانين وعقوبات "مدنية" إجتهادية ظنية يشرعها المسلمون أنفسهم وهي قابلة للتجديد حسب ظروف العصر، ونسبة القوانين المدنية بالنسبة للقوانين الحدية مسألة خاضعة للإحصاء العلمي للتأكد. أما العقوبات الحدية الثابتة في الإسلام فهي أربعة عقوبات فقط هي الزنا والقتل والقذف والسرقة. وبالتالي حتى في مجال القانون يجب أن يحدث إتفاق بين الفرقاء السياسيين بنسبة لا تقل عن 90% في وضع القوانين وعقوباتها لأنَّ منشأها مدني غير مفروضٍ دينياً إذا كنا صادقين مع أنفسنا ومع غيرنا وأردنا التقدم للأمام.