يعتبر دستور الولايات المتحدة الامريكية وثيقة قانونية علمانية تحترم كل الاديان وتحترم ايضاً من لا دين له. ووفقاً لهذا المبدأ فقد بُنيت قواعد المنافسة السياسية وقواعد إدارة شئون الدولة الداخلية والخارجية بعيداً عن الكنيسة والمسجد والمعابد اليهودية وجميع أنواع المعابد الأخرى وكافة المؤسسات الدينية ورجالاتها.

وبالرغم من وضوح فكرة علمانية الدولة الأمريكية في ذهن الشعب الامريكي، وفي ذهن السياسيين والقانونيين والمفكرين الامريكان، إلا أنَّها تجد دوماً من يحاول أن يسبح ضد تيارها ويتحداها، وذلك بسبب ضغوط التيارات الدينية المتطرفة عبر جماعت الضغط السياسي المعروفة بال (lobby groups) التابعة لها.

ولعل قرار الرئيس ترمب الرامي لاختطاف مدينة القدس الدينية وجعلها عاصمةً سياسية ودينية لإسرائيل وحدها لتُنقل إليها السفارة الأمريكية، هي الخطوة الأولى من أجل نزعها عن الأديان الأخرى وتهويدها نهائياً، ولا شكَّ أنَّ هذا القرار يمثل أوضحَ مثالٍ في محاولات هزيمة مبدأ علمانية الدولة الأمريكية وعلمانية دستورها بيد الرئيس وحكومته المنتخبة وفقاً لنفس الدستور!

ولأنَّ خرق القرار للدستور واضحٌ وضوح الشمس في منتصف النهار، يمكن مناهضته في المحكمة الأمريكية العليا حضارياً بعيداً عن العنف والتشنج والإرهاب والتخريب. ولعل هذه تكون فرصة ذهبية لإدخال القضية الفلسطينية وقضية القدس خاصة قاعات المحكمة العليا لأول مرة. والطعن في القرار يجب أن يؤسس على حقيقة خرقه وتعارضه للمبدأ الدستوري الأول الذي تأسست عليه الولايات المتحدة، وهو المبدأ القاضي بمنع الحكومة الأمريكية من تبني أيّ سياساتٍ تؤيد ديناً ضد دين، أو جماعةً دينية ضد جماعةٍ دينية أخرى، أو تناصر قضيةً سياسية لها جذور دينية ضد معارضين ينطلقون من خلفياتٍ دينية أخرى. ولا شك أبداً أنَّ الصراع حول القدس صراعٌ دينيٌ بامتياز لا يختلف فيه إثنان.

وفقاً لهذا الطرح، يكون قرار الرئيس ترمب إنحيازاً واضحاً لليهودية ضد الإسلام والمسيحية لأنّ قضية القدس بالتحديد والقضية الفلسطنية عموماً لها أبعادٌ دينيةٌ أهمَّ وأكبر من أبعادها القومية والإنسانية، وقد أقرّت الأمم المتحدة بهذه الأبعاد في جميع قرارتها التي اتخذتها بهذا الخصوص، وقد ظهر ذلك بقوةٍ ووضوح في قرارها التاريخي الأخير. وبالتالي يكون قرار الرئيس ترمب بتحديد القدس عاصمة لإسرائيل هو قرارُ من لا يملك لمن لا يستحق! وبالإضافة لذلك هو قرارٌ سياسيٌ وراءه قوى ودوافع دينية وعنصرية واضحة تناصر اليهود ضد الفلسطنين خاصة والعرب والمسلمين والعرب المسيحيين عموماً، وهذا عملٌ صريحٌ يخالف الدستور كما يخالف الروح الشعبية الأمريكية العامة التي تشبعت بروح العدل والمساواة واحترام الأديان جميعها .

وفي الأسبوع الفائت تلقى الرئيس ترمب هزيمة نكراء في مجلس الأمن عندما صوتت 14 دولة ضد قراره الأحادي، ثمَّ تلقى هزيمة أكبر في الجمعية العمومية حين صوتت 128 دولة ضد قراره الأحادي الذي رفضه مجلس الامن من قبل إغتياله بغاز الفيتو القاتل للإجماع!!

وحتى تتوالى الهزائم على الرئيس ترمب وإدارته، يجب أن يتحرك الأمريكان من أصول فلسطينية وعربية وإسلامية لتحريك طعنٍ دستوري في قرار الرئيس ترمب من داخل الولايات المتحدة نفسها.

وكما هو معلوم أن الولايات المتحدة هي مثالٌ للنظم السياسية التي تحترم القانون وتقدِّس المؤسسية، وللأمريكان احترامٌ خاص للقضاء عموماً ولمحكمتهم العليا على وجه الخصوص. ولهذا يمكن الطعن في القرار على أساس مخالفته للدستور الأمريكي القائم على فصل الدين عن السياسة وما يتبعها من قرارتٍ في الشأن الداخلي والخارجي.

وبالإضافة لذلك يجب على الطلبة الإمريكان من أصول فلسطينية وعربية وإسلامية القيام بحملة توعية وسط زملائهم واساتذتهم وقومهم لفضح عنصرية القرار من جهة، وعدم دستوريته ومخالفته للمبدأ الذي تأسست عليه البلاد من جهة أخرى. وهذا الحراك الطلابي هو سُنّة سياسية حسنه سنَّها من قبل طلبة جنوب افريقيا في الجامعات الأمريكية عندما كانوا يقاومون نظام الفصل العنصري الذي كان مهيمناً وجاثماً على صدورهم، فقد لجأ هؤلاء الطلبة للشعب الأمريكي يثقفونه ويطلبون منه المساعدة والتدخل المباشر لحل محنتهم! وبالفعل لم يخذلهم الشعب الأمريكي، فقد انتصر لهم من حكومته التي كانت تدير في جنوب أفريقيا استثماراتٍ ضخمة جعلها تتلكأ وتقف موقفاً رمادياً حتى آخر لحظات في عمر نظام الفصل العنصري سيء الذكر!

كما يجب مناهضة القرار من زاوية أمن واستقرار الشعوب. فإذا مرَّ هذا القرار مرور الكرام فسيكون سابقة خطيرة يمكن أن تُستخدمُ في زعزعة الشعوب التي تتكون من أقلياتٍ مختلفة أو طوائفٍ مختلفة. فماذا يا ترى سيحدث لو قرر ترمب نقل سفارته من بغداد لكركوك؟ أو قرر نقل سفارته من القاهرة لأسوان أو طابا؟ أو قرر نقل سفارته بالمغرب من الدار البيضاء لإحدى مدن الصحراء الغربية؟

فالذي يجب أن تتيقنه دول العالم هو أن الرئيس ترمب لن يتراجع عن قراره هذا طوعاً، وقد رفض الرجل من قبل أن يتراجع عن قراره غير الدستوري الذي حظر بموجبه شعوب بعض الدول من الدخول لأمريكا، وسبب هذا العناد أنَّ الرجل لا يُقيم للرأي العام الداخلي وزناً ولا يقيم لشعوب العالم وزناً، فلذلك وجب مناهضة قراراته داخلياً في المحكمة العليا للمرة الثانية، كما يجب محاصرته داخلياً بشعب الولايات المتحدة الأمريكية، وهو شعبٌ واعٍ ومنصفٍ وعادلٍ وكريمٍ ومجرَّب إذا فَقِه وعَلِم حقائق الأشياء وجوهر القضايا.

** كاتب ومفكر ومحلل سوداني