بسم الله الرحمن الرحيم
وجهة نظر

(كان عصر  31/3/2010م يوما سيسجله التاريخ بأحرف من نور لفتيه آمنوا بقضية المواطن السوداني وهو في أضعف حالاته – المرض- فحملوها لإيام خلت  ذاقوا فيها كل أنواع القهر والكبت والحرمان ، ومِن من؟ من ذوي القربي وتعلمون أن ظلمهم  أشد مضاضة من الحسام المهند. حملوها  دون كلل أو ملل ، لم تفتر عزيمتهم ولم تخُر قواهم ، هِمتهم كانت في الثريا ، مباديء آمنوا بها وسلكوا كل وعر لتنفيذها ، لم يهادنوا ولم ينافقوا ولم يتوانوا. التهديد طالهم ، والوعيد  كان في أسِّرتهم  والضرب والركل والحبس كان جزاءهم، ومع ذلك مضوا في طريقهم  لا يلتفتون إلا لمن كان في جعبته أمل من أجل حلول تُرضي الشعب السوداني قبلهم.
نعم إزدان ميز أطباء الخرطوم بوجوه نيرة تقدمهم أستاذ الأجيال وصاحب القلم الذهبي الأستاذ محجوب محمد صالح، وكان في معيته فطاحلة وطنيون شرفاء أحسوا بالخطر المُحدق بالسودان فتنادوا سراعا من أجل  وضع الحلول ، كان بينهم بروف حسين أبوصالح  وبروف علي شموا وبروف عبد الله إدريس وبروف الطيب حاج عطية ، وفي الجانب الآخر كان النطاسي الإنسان د.عبد الله عبد الكريم جبريل وبجانبه د.مامون محمد حسين  وثلة من  رسل الإنسانية من الجنسين إصطف معهم أخواتهم وإخوتهم حاملي مشعل السلطة الرابعة ليسجلوا ويخلدوا تاريخ هذا الايوم العظيم .
إمتلأت باحة ميز أطباء الخرطوم حتي  ضاقت بالحضور   وكان الصوت يُحدثك عن فرح سيعم الأرجاء بمقدم عروس في ليلة زفافها، تحدث الكثيرون فأفاضوا ، كانت د.ناهد محمد الحسن حاضرة لبقة  بكلمات  ومداخلات أدمت الأكف بالتصفيق كيف لا وهي  الطبيبة حاملة لواء تخصص الطب النفسي ، تحدث د. الهادي بخيت ود.أحمد عبد الله  ليزيل ما إحتقن من ألم ومسغبة وظلم  ليس تخديرا ولكن حقائق مجردة ود. والي الدين حديث العارفين ، وتحدث حادي الركب وقائد سفينة النواب د. الأبوابي الذي يُدرك نفسية الجميع تحليلا وتشخيصا وعلاجا ناجعا، فكان ختامها مسك ومن حيث أُعلن عن قيام إضراب أطباء السودان من داخل ميز الخرطوم ، أُعلن فك الإضراب من داخل ميز الخرطوم كرمزية لقلعة النضال والصمود والتمرد المدني السلمي  ، ولكن أعلن د. الأبوابي أن رفع الإضراب لايعني الإستكانة ولا التلاعب بمكتسبات الأطباء والمرضي ، بل إنهم قادرون علي إعلانه من نفس المكان إذا رأوا أن هنالك تقاعسا أو تهاونا أو مُطاولة في تنفيذ ما أُتُفِق عليه بضمانة  أهل السودان وعلي رأسهم الأستاذ محجوب محمد صالح،
قد كانت لحظات عصيبة شهدتها ساحة ميز أطباء الخرطوم عصر الأمس ، جموع هادرة   وجوههم نيرة  وسيمائهم وطنية وتجرد ونكران ذات، هم ملائكة الإنسانية في أبهي حللها ، لا يمكن التشكيك في وطنيتهم وصدق قولهم وإيمانهم بما يقولون ، بل وإصرارهم علي تنفيذ ما يُقررون.
كان ختامُها نشيد العلم تحية للوطن الشامخ  بعزة أطباء السودان الخُلص الميامين وفي حضرة أساتذتهم.
دعونا نقف إجلالا وتقديرا وإحتراما لمقاماتكم السامية كلكم جميعا ، آبائنا الأفاضل الأجلاء وهم يطأون الجمر من أجل الوطن وعزته وكرامته، زملائنا الأطباء وهم القابضون علي الجمر في تلك الظروف.)
هذا ماخطه يراعنا في تلك اللحظات الحاسمة برفع الإضراب لبداية عهد جديد وعلاقة متكافئة بين  قبيلة الأطباء وقيادة الصحة في فترة  شهر عسل لم يستمر كثيرا لإسباب نقول أن  الوفاء بالعهود والمواثيق لم يكن جزءا من عقلية قادتها لحظتئذ ، فتدهورت حالة الصحة في كل السودان  من تعليم وتدريب وخدمة  وبسبب ذلك فقد الوطن عشرات الآلاف من الأطباء  هروبا من جحيم بيئة ومناخ العمل إلي جنة  يُكرم فيها الطبيب لأنه بني آدم ولأنه كفاءة ومقدرة وخبرات فشل  قادة الصحة في إستبقائها بل   صرحوا بأنهم يصدرون النبق والدكاترة وآخرون  يقولون أن الهجرة غير مُقلقة ولاتزعجهم وخليهم يهاجرو بجي غيرم!! نتعجب من عقلية تدير الصحة بهكذا فهم حتي وصلنا الدرك الأسفل من تدهورها ، بل وتدهور طريقة تعامل المريض والمرافق مع  رسول الإنسانية ملاك الرحمة الذي كان يُعرف إلي وقت قريب بأنه الحكيم، كيف لا وهو يري أن القائمين علي امر الصحة لايهمهم منها  أي شيء وهي تهوي إلي القاع وليس من أولوياتهم صحة المواطن وأبلغ دليل ما يُخصص لها من ميزانية تُعتبر ملاليم مُقارنة بمؤسسات أخري!! نعم المواطن يري أن الدولة لاتهتم بالطبيب  ولا تُلبي متطلباته من بيئة ومناخ عمل، بل تجعله كبش فداء لفشلها الذي لا تتناطح حوله عنزتان، بل المواطن يري  فشل كل المشاريع الصحية في كل الوطن وخاصة بعد كارثة الأيلولة وإعادة التأهيل والإفتتاحات التي صارت خصما علي ماض تليد للخدمات الصحية في السودان، وأبلغ دليل تقرير المراجع القومي عن صحة ولاية الخرطوم.
الأطباء  هم رسل إنسانية وملائكة رحمة  وإحساسا منهم بمسئوليتهم تجاه المريض رفعوا المذكرات وأقاموا الوقفات ووصلوا مرحلة الإضرابات ، ولكن هل إلتفت المسئول لذلك؟
أخيرا كان إضراب أطباء  ودمدني والذي إستمر  زهاء التسعة أيام  ماعدا الحوادث ونهاية المطاف تحقق جزء من مطالبهم  والتي تتحدث عن بيئة ومناخ العمل    وحقوق المرضي وتوفير الإمكانيات وأخيرا حقوق الطبيب لأنه بشر وإنسان عليه مسئوليات أسرية ومجتمعية وأخلاقية. رفع أطباء ودمدني الإضراب علي أمل أن تتحقق كل مطالبهم وهذا لايعني أن   سلاحه لن يعود مرة أخري، بل  سيعود أقوي  لإقتلاع الحقوق إن نكص المسئول عن وعده، فهذه حقوق مرضي ووطن وأمة وشعب وليست حقوقا شخصية إن كان المسئول يدرك ذلك؟؟
أما حراك  اللجنة المركزية لإطباء السودان وعبر  لجنة أمدرمان  بعد كارثة  البلاغ تحت المادة 130 القتل العمد وما  تلاه من مخاطبات وتوقف عن العمل جزئيا ومن ثم سحب  العدل لملف البلاغ ، إضافة إلي ماحدث لكثير من الطبيبات والأطباء من كفيت وتحرش لفظي وضرب وصل حد إطلاق الرصاص علي الأطباء أثناء ممارستهم لرسالتهم في العنبر وماحدث لطبيبة أحمد قاسم وماحدث بمستشفي سوبا الجامعي وغيرها من المستشفيات في العاصمة وخارجها، فإن السيل قد بلغ الزبي والحقوق تؤخذ ولا تُعطي وعلي جهات الإختصاص أن تتحمل مسئوليتها كاملة  بدءا من الجمعية الطبية السودانية وعلي قمتها جمعية الجراحين وإختصاصيي التخدير والنساء والتوليد وبقية العقد الفريد ثم المجلس الطبي وهو المعني  بأحوال المستشفيات وبيئتها  إضافة إلي إتحاد أطباء السودان الذي نتمني أن يتحمل مسئوليته كاملة ويكون هو المدافع عن الأطباء وعن رسالتهم وعن المرضي وحقوقهم، نعلم أنه إتحاد مهني  وقبيلة الأطباء  لا تعترف به، ولكن هؤلاء الأطباء تحت البالطو الأبيض يتساوون في الحقوق والواجبات وخارجه كل يغني ليلاه، ولهذا فعلي الإتحاد تبني مذكرة الأطباء والمضي بها قدما لإعلي سلم  القيادة في الدولة من أجل إحقاق الحق ، وكذلك مسئولية البرلمان تجاه الصحة وأحد نوابه قال أن هذه المستشفيات لاتنفع مربطا للأغنام أو الماشية .
نعلم أنه سيكون هنالك إجتماع بدار  نقابة أطباء السودان اليوم ونتمني أن تكون محاور النقاش موضوعية ومختصرة بالمفيد لمصلحة المريض والطبيب ورسالته، لانحتاج لخطب  وتنظير ، بل البيان بالعمل وإحتقان الأطباء لن تزيله الوعود ، بل قرارات   ثورية صارمة تضع كل شيء في نصابه وتعطي كل ذي حق حقه وتحاسب كل من قصر  وأساء وتحرش وأطلق الرصاص أو كفيت أو ضرب مهما كانت درجته  أو  غير ذلك.
إن تحقيق مطالب الأطباء لا تحتاج لكثير عناء فكلها تصب في مصلحة حقوق المريض وخدمته وأمن الوطن الصحي  الإستراتيجي، الأطباء ليسوا طابور خامس وليسو عبر نظرية المؤامرة وليس لهم أهداف سياسية ، فالسياسة لها منابرها ودورها وهم يعلمونها جيدا، أما وهم تحت البالطو الأبيض يدافعون عن حقوقهم ومرضاهم من أجل بيئة ومناخ صالح للعمل، هل يعقل أن لايجد المريض سرير عناية مكثفة والطبيب ينظر دون أن يحرك ساكنا؟ هل يموت المريض أمام الطبيب ولا يجد  عربة إسعاف لترحيله؟ هل يفشل الطبيب في مساعدة المريض وهو حالة طارئة لعدم وجود الإمكانيات؟  الطبيب هو في خط المواجهة الأول مع المريض ومرافقيه فلماذا لايوفر المسئول  كل الإمكانيات  من أجل خدمات صحية متميزة ومثالية.
قبيلة الأطباء  فوق الشبهات والتصنيفات السياسية والأيدولوجية، ولهذا علي المسئول أن ينزل من برجه العاجي ليجلس ويسمع ويتحاور ويكون صدره  واسعا رحبا  من أجل الرأي والرأي الآخر، فكلنا شركاء في هذا الوطن ونحن فوق ذلك رسل إنسانية وملائكة رحمة نتعرض للسباب والشتائم من المرضي ومرافقيهم ومع ذلك  يبتسم الطبيب لانه حكيم،   نحن لسنا أولياء ولكن  أجزم وأقسم  أن جُلنا من الأنقياء الأصفياء  فُطمنا علي قيم ومثل  سودانية وترعرعنا علي أخلاق إنسانية، وعلي قسم أبقراط نمارس رسالتنا، فهل يسمع المسئول ندائنا وصرختنا وإستغاثتنا؟ إن ظلم الأطباء سيقود إلي تسونامي فهل من سبيل إلي علاج جذري؟؟ اللهم أستر فقرنا بما تبقي من عافيتنا


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.