قبيل إنطلاق المؤتمر العاشر لحركة "النهضة" الإسلامية في تونس، صرح راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة قائلاً: "سنخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المُسلمة"، وأضاف: "نريد أن يكون النشاط الديني مستقلا تماماً عن النشاط السياسي، هذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلا متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية، وهو جيد أيضا للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفاً من قبل السياسيين"، وخلال مؤتمرها العاشر ، الذي انعقد في الفترة ما بين 20/5/2016 إلى 23/5/2016 ، قررت حركة النهضة "الفصل بين الدعوي والسياسي" والتحول لحزب "مدني" والظهور بصورة حزب حداثي بهدف التحضير للعودة للحكم بطريقة سلمية ديمقراطية، وصوت أكثر من 80 بالمئة من المؤتمرين لصالح الفصل التام بين الدعوي والسياسي ولصالح تحول النهضة لحزب "مدني" وقال الغنوشي في افتتاح المؤتمر "إن التخصص الوظيفي بين السياسي وبقية المجالات المجتمعية (ومنها الدعوة)، ليس قرارا مسقطاً او رضوخاً لاكراهات ظرفية٬ بل هو تتويج لمسار تاريخي"، وأفاد الغنوشي "إننا حريصون على النأي بالدين عن المعارك السياسية٬ وندعو للتحييد الكامل للمساجد عن خصومات السياسة وعن التوظيف الحزبي٬ حتى تكون المساجد مجمعة لا مفرقة، وفي الوقت نفسه نستغرب اصرار البعض على اقصاء الدين من الحياة العامة" وأشار الغنوشي الى "التمايز الواضح بين المسلمين الديمقراطيين الذين هم نحن وبين تيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها ظلما وزوراً للاسلام".
شكك معارضو حزب النهضة في هذه الخطوة وقالت اسبوعية الشارع المغاربي " تبدو اليوم مقولة فصل الدعوي عن السياسي مقولة تسويقية أكثر منها جدية، خاصة وأن النهضة ستوكل النشاط الدعوي للجمعيات ذات الطابع الاسلامي التي تحوم في فلكها" وتحدثت يومية الصباح عن "استمرار الشكوك إزاء المرحلة القادمة تحسباً لتوجه حركة النهضة للسيطرة على الجمعيات الخيرية واعتمادها سلاحاً جديداً للهيمنة على العقول لا سيما في المناطق المعزولة والمهمشة حيث يمكن للاموال والمساعدات ان تُعتمد بديلأً للاستقطاب السياسي الديني".
في اعتقادي أن مراجعة حزب النهضة التونسي لسياساته ، عبر إعلان التحول لحزب مدني وإعلان الفصل التام بين النشاط الدعوى والنشاط السياسي مع تشديده في ذات الوقت على رفض محاولة إقصاء الدين من الحياة العامة، تعتبر أهم مراجعة تاريخية لحركات الاسلام السياسي المعاصرة وهي خطوة شجاعة وهامة وفي الاتجاه الصحيح، فلكي تعمل الاحزاب ذات التوجهات الاسلامية في دولة مدنية يسود فيها مبدأ الفصل بين السلطات وتخضع لحكم القانون يجب أن تنص دساتيرها على رفض العنف السياسي والعمل الانقلابي كوسيلة للتغيير ويجب أن لا تحتفظ بميليشات مسلحة أو قابلة للتسليح ، ويجب عليها عدم استغلال الجمعيات الدينية الخيرية كسلاح اقتصادي وسياسي ضد خصومها السياسيين، كما يجب عليها أن تنأى بنفسها عن سياسة التمكين ومحاباة أعضائها في تولي الوظائف العامة وتهميش أعضاء المكونات السياسية الأخرى عند وصولها للحكم لأن ذلك ينطوي على مخاطر سياسية كبرى منها زعزعة الاستقرار الداخلي في الدولة وفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية السافرة التي ترفع شعارات حقوقية وإنسانية عامة مثلما يحدث حالياً في سوريا وليبيا ولكنها تسعى في الخفاء إلى تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية الأجنبية على حساب المصالح السياسية والاقتصادية المحلية!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.