يقول مراقبون إن بعض البلاد العربية والاسلامية تنعدم فيها ثقافة الحوار الايجابي القائم على المنطق والعدالة ومراعاة المصلحة العامة كما تنعدم فيها ثقافة احترام الرأي الآخر ولهذا يخيم عليها ظلام الحروب الأهلية والطائفية ويتساقط القتلى والجرحى كل يوم في ظروف حياتية بالغة التعقيد رغم أن الاسلام في أبسط مبادئه ، التي يعرفها كل من هبّ ودبّ من المسلمين ، يدعو لتوحيد الله الواحد الأحد القوي المتين والايمان بكل الأنبياء والمرسلين ويحرم قتل البني آدميين ويدعو للسلام بين المسلمين وغير المسلمين ويحض المسلمين على طلب العلم الدنيوي ولو في الصين فلماذا يتقاتل بعض المسلمين ويعتقدون أنهم سيدخلون الجنة إذا قتلوا بعضهم بعضاً علماً بأن كل المسلمين يؤمنون بأنه إذا تقاتل المسلمان فالقاتل والمقتول في النار؟!

وسط ظلام الاقتتال المخيم على بعض الدول العربية والاسلامية ، لمعت نجمة تونسية متألقة عندما أعلنت لجنة نوبل فوز اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس بجائزة نوبل للسلام لعام 2015 علماً بأن تونس كانت أول بلد من بلدان الربيع العربي اندلعت فيه ثورة شعبية والتي عُرفت بثورة الياسمين، لقد فازت اللجنة الرباعية للحوار الوطني التونسي بجائزة نوبل للسلام لدورها البارز في دعم عملية التحول الديمقراطي في تونس بعد أن كادت الخلافات السياسية أن تدخل تونس في جحيم الحرب الأهلية .

لقد تغلبت اللجنة الرباعية للحوار التونسي على جميع منافسيها الذين بلغ عددهم 272 اسماً عالمياً بارزاً من بينهم البابا فرنسيس والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل علماً بأن اللجنة تتألف من أربع منظمات هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، ونقابة المحامين التونسيين ، وعند إعلان الفوز بالجائزة، قالت رئيسة لجنة نوبل كاسي كولمان: (إن اللجنة قدمت مساهمة كبيرة في بناء ديمقراطية تعددية بعد ثورة 2011 وتشكلت اللجنة عام 2013 عندما كانت العملية الديمقراطية تواجه خطر الانهيار بسبب الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والاغتيالات ، وكونت اللجنة مساراً سياسياً سلمياً بديلاً عندما كانت البلاد على شفا حرب أهلية وكان دورها فعالاً في تمكين تونس خلال بضعة سنوات من إقامة نظام دستوري للحكومة يضمن الحقوق الأساسية لجميع السكان، بغض النظر عن الجنس أو المعتقد السياسي أو المعتقد الديني، أخيراً ، نأمل أن تساهم جائزة نوبل للسلام في حماية الديمقراطية في تونس وتكون مصدر إلهام لجميع الذين يسعون لتعزيز السلام والديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وسائر أنحاء العالم).

من المهم جداً أن نحتفل مع تونس بهذا الفوز التاريخي بجائزة نوبل للسلام ونتعلم من تجربتها الديمقراطية الناجحة ونفهم دور المجتمع المدني الفاعل في صنع السلام عبر الحوار الايجابي وأن نعلم أطفالنا مخاطر الحوار السلبي الذي يؤدي للحرب المكلفة مادياً ومعنوياً بضرب أبسط الأمثلة ، فمثلاً إذا حدث نزاع بين جارين في حي واحد فيجب أن نقول لهم : لا يُعقل أن يقرر أحد الجارين عقد الحوار في بيته ويحدد زمن الحوار وموضوع الحوار ويحدد سبب الخلاف ويسمى أشخاص آخرين لحله ويترأس الحوار ، ثم يدعو جاره بعد ذلك للحوار ويهدده بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا رفض الحوار ، هذا ليس حواراً فالحوار يجب أن يكون إيجابياً يقوم على العدل والمنطق والحياد والنزاهة والتنازلات المتبادلة حتى يصل الفرقاء ، سواء كانوا صغاراً أم كباراً، لحل عادل لخلافاتهم السياسية أو الشخصية ويتفادوا مخاطر المواجهات المدمرة.

لعل أي مراقب سياسي محايد يقارن بين الحوار التونسي والحوار السوداني سيكتشف بسرعة الاجابة على السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وهو : لماذا فاز الحوار التونسي بجائزة نوبل للسلام وظل الحوار السوداني محلك سر؟!