تم نشر هذا المقال في جريدة الشرق القطرية .

في أول أيام عيد الأضحى لعام 2015م ، قُتل أكثر من 700 حاج وجرح عدد كبير من الحجاج المسلمين بسبب التدافع بمنطقة منى خلال رمي الجمرات، وقد تناقضت التصريحات حول أسباب الحادثة بشدة فقد ورد بعدة صحف أن السبب هو عدم احترام أغلبية الحجاج لثقافة الصف (متلازمة التدافع العنيف) ، زعم شاهد عيان مصري لقناة بي بي سي البريطانية أن عمالقة سود أقوياء (يقصد أفارقة) هم من تسببوا بوقوع الحادثة لكن السلطات السعودية نفت هذا الزعم، زعمت صحيفة الاندبيندنت البريطانية أن الحادث وقع بسبب قفل الشارع رقم 204 للسماح بمرور موكب من الشخصيات الهامة جداً، بعض المسؤولين الايرانيين زعموا أن سوء إدارة الحج من قبل السعوديين هو السبب الرئيسي لوقوع الحادثة، المؤكد أن المسارعة إلى توزيع الاتهامات أو المبررات قبل صدور نتائج التحقيقات الرسمية هو أمر غير مقبول منطقياً وإجرائياً وعلى الجميع انتظار نتائج التحقيقات الشاملة بشأن الحادثة التي أمر بإجرائها خادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بعد وقوع الحادثة!   

يزعم البعض أن تجمع ملايين الحجاج في مكان واحد وزمان واحد لاداء نفس الشعيرة يشكل امتحاناً عسيراً للحجيج وللسلطات السعودية وأنه من المستحيل عملياً منع وفيات الحجاج ، وخصوصاً كبار السن ، بسبب التدافع ، وعلى المسلمين التعايش مع هذه المأساة التي تتكرر سنوياً ، المؤكد أن الدعوة للتعايش مع الموت بسبب التدافع مرفوضة جملة وتفصيلا فلا يجوز عقلاً أن يتحول عيد الأضحى لعيد تضحية بالحجاج المسلمين ومن الممكن إيجاد حلول عملية كثيرة لمشكلة التدافع منها تقليل عدد الحجاج القادمين من كل دولة ، توسيع مشعر منى ، تركيب سير متحرك أمام مشعر منى لمنع الوقوف أمامه، بناء مسارات متوازية مؤدية إلى منى محمية بجدران ولا تتقاطع معها أي مسارات فرعية ، ويُمكن إصدار فتوى جديدة وتطبيقها بشكل الزامي تقضي بتكليف نواب محدودي العدد ليرموا الجمرات نيابة عن حجيج كل دولة ، ويُمكن إصدار فتوى بإطالة زمن رمي الجمرات لأن حماية أرواح حجاج بيت الله الحرام مقدمة على كل الاعتبارات الأخرى!

قام حجاج كثيرون من جنسيات مختلفة بتقديم المساعدة للمسعفين السعوديين في عمليات نقل الجرحى وإسعاف المصابين من الحجاج ولكن موقف الحجاج السودانيين كان هو الابرز حيث أشادت به عدة جهات سعودية مختصة ، وهذا الموقف قد يكون غير عادي في نظر الجنسيات الأخرى لكنه عادي جداً في نظر السودانيين الذين اعتاد معظمهم على التصرف بشهامة في مثل هذه المواقف العصيبة!

اعتبر كثير من المسلمين أن ضحايا التدافع بمنى هم شهداء ودعوا بأن يتقبلهم ربهم قبولاً حسناً لكن بعض الملاحدة والمتشككين اعتبروا أن الضحايا قد ارتكبوا جناية ضد أنفسهم وقصدوا الانتحار والموت في الأراضي المقدسة لاعتقادهم بأن الموت بالتدافع في الحج ، والذي أصبح أمراً راجحاً ، هو أسرع طريق للوصول للجنة، المؤكد أن إدانة الضحايا الأبرياء هو مسلك غير انساني وينم عن تحامل مكشوف ضد فريضة الحج نفسها وضد كل من يؤمن بها أو يمارسها!

طالب مسؤولون إيرانيون وعدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بوضع الأراضي المقدسة في السعودية تحت إدارة دولية بحجة سوء إدارة الحج من قبل السعودية ، المؤكد أن هذه المطالبة هي مجرد مزايدة سياسية وتصفية حسابات من قبل المعارضين لسياسة السعودية في اليمن وسوريا وهي مطالبة وُلدت ميتة ولن تتحقق مطلقاً لأنها تتعارض مع مباديء القانون الدولي التي تمنح المملكة العربية السعودية سيادة مطلقة على كل الأراضي السعودية كما أنها تتعارض مع الحقائق الماثلة على الأرض والتي تثبت أن السعودية قد انفقت مليارات الدولارات على مشروعات توسعة الحرمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتحسين شبكة المواصلات والبنية التحتية بالقدر الذي يضمن الاستيعاب السلس والآمن لحركة هذا الكم الهائل من البشر الذي يقصد المملكة على مدار العام لأداء الحج والعمرة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.