عندما كنا صغاراً في حي النصر بمدينة كوستى ، كنا نخرج من منازل اهلنا بعد تناول الغداء مباشرةً لنلعب كرة القدم في الميدان القابع في وسط الحي ، كنا نقسم أنفسنا إلى فريقين متساويين ، هلال ومريخ ومن ثم تبدأ المباراة منذ العصر الباكر وحتى مغيب الشمس ، وكان قون المغربية هو اهم قون فبعده مباشرةً تنتهي المباراة ولا عبرة بعدد الاهداف التي احرزها هذا الفريق أو ذاك أثناء المباراة، بل العبرة بقون المغربية البساوي مية والذي كنا نصرخ عند احرازه باصواتنا الحادة التي كانت تجعل الديكة تتطاير في اقفاصها من شدة الفزع!! أنا شخصياً وبطوعي واختياري وبحالتي المعتبرة شرعاً وقانوناً أقر ، وأنا على اليمين ، بأنني كنت أكبر خرخار في الكورة وكنت اكيش لاعب على الاطلاق،  فقد لعبت في جميع الخانات رغم انف الجميع لكنني لم اصد هدفاً كحارس مرمى ولم احرز هدفاً كمهاجم ولم اصد أي هجمة كمدافع، أي أنني كنت متصلبت ساي في كرة القدم ومع ذلك فقد كنت أقول هم رجال ونحن رجال ، وكنت أقوم من وقت لآخر بممارسة هواية عجيبة جداً تثير غضب كل أفراد فريقي وهي أنني كنت انقلب فوراً على فريقي والعب مع الفريق الآخر ضد فريقي ولا أبالي بصرخات الاحتجاج من زملائي إذا قام أي لاعب من فريقي بممارسة الانانية ورفض تمرير الكرة لي عمداً وكنت أقوم بتلك الخطوة الانقلابية المفاجئة تطبيقاً للمقولة العسكرية السودانية الشهيرة (الخير يخص والشر يعم!) وكم تحولت بصورة مفاجئة من لاعب هلالابي إلى لاعب مريخابي وبالعكس دون المرور بأي مرحلة انتقالية! لقد اعتاد أولاد الحلة على سلوكي الانقلابي في اللعب حتى صار ذلك السلوك لا يثير الدهشة لدى الولد العادي في الحلة، ذات يوم سكن في حلتنا ولد جديد ، ولم يكن لديه أي خلفية عن انقلاباتي الكروية المفاجئة، شارك الولد الجديد في أول مباراة له في الحلة فرمته القرعة كلاعب زميل لي في فريق الهلال، أغضبني سلوك زميلي الولد الجديد حينما رفض تمرير الكرة لي رغم صرخاتي العالية باص ، باص ، باص! عندها انقلبت إلى لاعب مريخابي مجنون وهجمت على الولد الجديد واقتلعت منه الكرة بعنف وقمت بشن هجوم مضاد ضد فريقي ، فريق الهلال ، وكدت أن أحرز أول وآخر هدف في حياتي لصالح المريخ في شباك فريقي لولا رعونتي الزائدة التي اطارت الكرة إلى عنان السماء في اتجاه الاوت وعندها صاح الولد الجديد بدهشة كبرى: يا جماعة الزول دا شايت على وين؟!!!
عندما انقلب العميد عمر البشير وجماعته على حكومة السيد/الصادق المهدي الديمقراطية في الثلاثين من يونيو ألف وتسعمائة وتسعة وثمانون ، برر الانقلابيون انقلابهم بسببين أساسيين هما الحفاظ على وحدة البلاد ومنع الوضع الاقتصادي من التدهور عبر منع سعر الدولار الامريكي الواحد ، الذي كان يبلغ إثنا جنيهاً سودانياً ، من بلوغ سعر عشرين جنيهاً سودانياً وبعد مرور ربع قرن من حكم الجماعة إياها بلغ السعر الرسمي للدولار الأمريكي الواحد ما يقارب ستة ألف جنيه سوداني وبلغ سعر الدولار الواحد في السوق الاسود اكثر من تسعة ألف جنيه سوداني وارتفع الدين الخارجي للسودان من ثلاثة عشر مليار دولار إلى أكثر من ثلاثة وأربعين مليار دولار وانفصل الجنوب واشتعلت ثلاث حروب في دارفور، كردفان والنيل الازرق، ومازال الرئيس البشير وجماعته يصرون على البقاء في الحكم الأمر الذي جعل الشعب السوداني يتساءل : يا اخوانا الجماعة ديل شايتين على وين؟! مؤخراً قامت حكومة جنوب افريقيا بمنح حصانة رئاسية للرئيس البشير أثناء زيارته الأخيرة لجنوب أفريقيا لكن المحكمة الجنوب افريقية انقلبت على الحصانة الرئاسية وكادت أن تلقى القبض على الرئيس البشير المطلوب دولياً لدى محكمة الجنايات الدولية ، عندها أيد زعماء المعارضة السودانية اعتقال الرئيس البشير بشدة سراً وعلانيةً، ولكن اكبر زعماء المعارضة السودانية السيد/الصادق المهدي ، الذي انقلب البشير على حكومته الديمقراطية وانتزع منه الحكم بقوة السلاح، فاجأ الجميع ووقف ضد اعتقال الرئيس البشير بقوة، وعندها صاح المعارضين السودانيين وصاح معهم الرئيس البشير ذاتو: يا اخوانا الزول دا شايت على وين؟!! عندما انقلب الرئيس البشير بوصفه رئيساً للسودان السني على الدول العربية السنية وتحالف مع دولة ايران الشيعية وأقام معها علاقات اقتصادية وعسكرية قوية، طارت عقالات زعماء الدول العربية السنية من شدة الدهشة والغضب، وصاحوا بصوت واحد : يا جماعة الخير، الزول دا شايت على وين؟! وعندما انقلب رئيس السودان السني على إيران الشيعية وتحالف مع الدول العربية السنية في حرب اليمن، طارت عمائم ملالي إيران الشيعية وصاحوا بأعلى صوتهم : الحقنا يا علي يا ولي الزول دا شايت على وين؟!
من المؤكد أن سلوكي القديم في الانقلاب المفاجيء على فريقي كان مبرراً من جانبي آنذاك رغم أنه كان لا يقوم على أي أساس منطقي أو عقلاني لكن ولدهشتي الكبرى اكتشفت أنه لا جديد تحت الشمس في عالم الانقلابات غير المنطقية فالانقلاب المفاجيء في عالم السياسة الآن لا يختلف عن انقلابي المفاجيء في عالم الدافوري أيام زمان، ففي كلا الحالتين الانقلابيتين ، لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل توجد انقلابات غير منطقية دائمة تثير السخط والغضب هنا وتثير الارتياح والرضا هناك!!

مذكرات زول ساي
فيصل الدابي/المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////