في عام 1983 م ، وفي كلية القانون بجامعة الخرطوم ، كنت اعتبر نفسي مجرد عامل ساي وليس طالب بأي حال من الأحوال بسبب أكوام الرفديات القديمة وهجر المدارس النظامية والعمل في الخلاء العشوائي لمدة طويلة ولهذا كنت ادك المحاضرات بالاسابيع والشهور وأدمن الجلوس في قهوة النشاط بكلية القانون التي كانت تُسمى آنذاك الزير هاوس واتحاوم في المين رود بقصد التفرج على اولاد وبنات العز وانام مفتوح العينين كالتمساح في داخلية عطبرة (أ) ومن وقت لآخر كنت أساعد طلحة، صاحب كشك ليمون بكلية القانون، في جمع الكبابي تنفيذاً لفكرة خالي العزيز حسن ، ولم يتم رفدي من كلية القانون بسبب الغياب ربما بسبب شهرتي كشاعر حلمنتيشي وقيامي بتحرير جريدة الشاكوش الهزلية الساخرة وربما بسبب تفوقي الاكاديمي ففي آخر كل عام وقبل أيام قلائل من بدء الامتحانات كنت اعمل سبوتنج وانجح في جميع الامتحانات واتحصل على جوائز الكلية للمتفوقين بفضل قوة ذاكرتي فقد كنت اقرأ كل مادة مرة واحدة فقط ولا اراجعها أبداً وكنت ادخل سينما النيل الازرق عشية كل امتحان بقصد الاسترخاء وإراحة الاعصاب وكان هذا السلوك يشطب راس صديقي العزيز توتو الذي كان يساهر للصباح عشية كل امتحان حتى يتورم وجهه!
بعد تخرجي بدرجة الشرف من جامعة الخرطوم ، عملت عامل يومية (تخصص مسك ملطم) في كسلا مع أخي مرضي الذي رفد نفسه من عمل الاستوديو وتحول إلى مقاول مباني وعندما حضر صديقي العزيز الصافي بشير الصافي لابلاغي بخبر نجاحي في امتحان المعادلة ، وجدني أقوم بتقليب الخرسانة والرملة والاسمنت بالكوريك في منزل تحت التشييد يقع في الميدان الكائن بين حي العمال وحي السكة حديد، بعد استلامي شهادة المعادلة قررت العمل في القضائية وقدمت شهاداتي لأحد مكاتب الهيئة القضائية وعملت وجع وش للموظف المسؤول في القضائية فقد كنت احضر كل يومين تلاتة وأساله عن موعد المعاينات، كان ذلك في ابريل 1989، بعد سماعي بخبر الانقلاب العسكري في يونيو 1989 وإدراكي بأن الجهاز القضائي قد أصبح خاضعاً تماماً للرئيس العسكري الذي يملك سلطة تعيين ورفد القضاة، قررت أن اتغدى بنفسي قبل أن يتعشى بي النظام العسكري ولذلك رفدت نفسي حتى قبل أن يتم تعييني في القضائية، فحضرت للموظف المسؤول وطلبت استرجاع شهاداتي فوراً، نظر إلىّ الموظف المسؤول بدهشة بالغة وقال لي: ياخي انتا كل يوم عامل لينا وجع وش وفلقة دماغ، المعاينات متين ، المعاينات متين !! هسه لما المعاينات جات تجي تقول لينا : (ادوني شهاداتي) يا زول انتا مجنون واللا شنو؟!
بعد حصولي على ترخيص المحاماة ، قررت العمل بالمحاماة ، لم يكن لدى أي استطاعة مالية لفتح مكتب مستقل فاشتغلت مع عدة محامين في كسلا ، حلفا، القضارف ، القولد ، وفي كل مرة ، كنت اضيق ذرعاً بالعمل مع الغير وينتهي الأمر إما برفدي من جانبهم أو قيامي برفد نفسي والمغادرة المفاجئة دون وداع، وأخيراً قررت العمل لحسابي الخاص ، فسافرت إلى أرقو حيث كان يعمل المحامي القدير دفع الله الخطاب (أبو الدفاع) فساعدني مشكوراً في فتح مكتب في الحفير ومكتب آخر في أرقو ، فأصبحت صاحب مكتبين بدل واحد، كانت لافتات مكاتب المحامين في ارقو تحمل على متنها العبارات الاتية : (المحامي فلان الفلاني ـ محام لدى محاكم دنقلا ـ أرقو ـ البرقيق) ، لاحظ ذلك محامي قادم من مدينة دنقلا فقال لنا بسخرية : ياخي انتو محامين واللا بصات سفرية!
في عام 1997م ، رفدت نفسي للصالح الخاص وتركت العمل بمكتبيّ الحفير وأرقو وسلمت كل القضايا (على قلتها) للشريك والمحامي القدير انس دليل ولم أعد للشمالية مرة أخرى ، فتحت مكتب محاماة متواضع بحى أم بده بمدينة أمدرمان وتلقيت الكثير من المساعدات المادية والمعنوية القيمة من المحاميين القديرين عثمان الرشيد مضوي وأدريس النور شالو وهما قد كانا من أعز أصدقائي بكلية القانون بجامعة الخرطوم، في عام 1998م حصلت على التوثيق بمكتب أم بده ثم انتقلت للعمل بالسوق المحلي الخرطوم لمدة سنتين تزوجت خلالها من إحدى المحاميات الخرتوميات ثم سافرت للسعودية في عام 2000م بعد أن أرسل لي المحامي القدير والصديق العزيز المرحوم /صلاح النو عقد عمل، عملت في السعودية بمكتب محاماة سعودي في الرياض لمدة أربع سنوات برفقة المرحوم المحامي القدير صلاح النو والمحامي القدير أحمد سيكا ثم حانت لحظة الرفدية، فقد وجدت فرصة ذهبية للعمل كشريك ومدير في مكتب محاماة آخر مع محامي أمريكي ومحامي سعودي لكن مكتب المحاماة الذي استقدمني من السودان رفض نقل كفالتي رفضاً باتاً، فرفدت نفسي من السعودية وغادرت مع زوجتي وابني سامي إلى دولة الامارات العربية المتحدة، في الامارات ، عرفني محامي سوداني ظريف يُدعى أزهري على محامي إماراتي فعملت في مكتب المحامي الاماراتي لمدة ثلاثة أيام كنت احضر خلالها يومياً بالتاكسي من مدينة الشارقة إلى مدينة دبى ، في اليوم الرابع ذهبت لمكتب المحامي الاماراتي وواجهته بتحفظي على العمل بالورقة والقلم وطلبت منه تزويد مكتبي بجهاز كمبيوتر ، قال لي المحامي الاماراتي إن نظام عمله بالمكتب هو بالورقة والقلم فقط وممنوع دخول الكمبيوتر وعندما سألته بدهشة عن السبب قال لي إن أحد السودانيين كان يعمل معه في السابق وقد سرق منه عملائه عن طريق الكمبيوتر ، رفدت نفسي فوراً فقد اعتبرت تلك الجملة بمثابة إهانة شخصية لي كسوداني وغادرت الامارات متجهاً إلى قطر ، في عام 2004م ، تم قبولي للعمل بأحد مكاتب المحاماة في الدوحة القطرية، قدم لي المحامي القطري صاحب المكتب عقد عمل ولاحظت وجود نص استفزازي في العقد يقول : يحق لصاحب العمل فصل الموظف (وهو أنا) في أي وقت دون إبداء أي أسباب ! أغضبني ذلك النص بشدة، فحضرت لمكتب المحامي القطري وقلت له: أنا أرفض عقد العمل الخاص بكم دون إبداء أي أسباب! وهكذا دخلت إلى مكتب المحامي القطري مرشحاً للعمل (في نظره) وخرجت منه مرفوداً بسرعة البرق، وربما كانت تلك الرفدية أسرع رفدية في التاريخ البشري! بعد ذلك وبمساعدة معتبرة من المحامي القدير على سند التحقت بالعمل بالبنك التجاري القطري في أواخر عام 2004م وأعمل حالياً كمدير قانوني بالبنك المذكور، لقد اكتشفت مؤخراً أنني ظللت أعمل بالبنك التجاري لمدة عشر سنوات متواصلة، وهي بالتأكيد أطول فترة في حياتي قضيتها في مكان واحد، ولهذا بدأت تجول في ذهني  ملامح رفدية جديدة قد تحصل في أي وقت علماً بأن فكرة قيامي بالعمل في كشك ليمون وبيع البارد والتي اقتنع بها خالي العزيز حسن وخصاني بها ما زالت تراودني من وقت لآخر فقد كرهت الأعمال المكتبية الرتيبة التي تُكسب الانسان الجمود والخمول واشتقت للأعمال اليدوية الميدانية التي تجعل الانسان يضج بالحركة والنشاط!  

مذكرات زول ساي
فيصل الدابي/المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.