لعل كل من عاش في دارفور أو ارتشف من مناهل ثقافتها يعرف مفهوم الجودية الذي يُعتبر من أنبل المفاهيم السودانية على الإطلاق، فالجودية تعني الجود بحل السلام لمشكلة الحرب ، ومن المؤكد أن الجود بحفظ النفوس من الهلاك يسمو على الجود بالفلوس لأن الفلوس قد تذهب وتعود ولكن النفوس إذا ذهبت فلن تعود ، الجودية هي ثقافة المصالحة السودانية التي تتدخل حينما يدلهم الخطب ويشتبك الاخوة الأعداء في حرب ضروس لأي سبب من الأسباب، عندها وحتى لا تقضي الفتنة على الأخضر واليابس، يتنادى حكماء القبائل ويدعون المتقاتلين إلى وضع أسلحتهم جانباً والجلوس على الأرض ومناقشة جذور المشكلة بموضوعية والوصول إلى حلول توفيقية ترضي كافة المتخاصمين وتستل من دواخلهم مشاعر البغضاء بعد تحقيق سلام اللاغالب واللامغلوب!

ولعل الفنان السوداني تاور قد جسد الدعوة إلى السلام بصورة تحرك الوجدان في أغنية الجودية ، فوسط مشاعر الغضب المتصاعد وفوران الدماء الساخنة وتجريد الأسلحة الفتاكة وحشد الخيول المتدافعة، يأتي صوت تاور ليدعو المتقاتلين للجلوس على الأرض والتفاوض ويقول لهم بهدوء وحنو:

بالجودية تحت شجرايا أو راكوبة  تعالو نقعد ما دام دارفور بقت منكوبة

ختو سلاحـكم جيبو الـشاى  نسمع قولكـم من جـاى و جاى

 مافى أخـير من قولة راى من شيخ أو شرتاى أو مواطن ساى

اهلـنا دِماهم راحـت ساى!

إنها الجودية السودانية التي تدعو المتقاتلين إلى الاحتكام لصوت العقل وتستهدف حقن الدماء بالحكمة السودانية البسيطة في إجراءاتها ، العميقة في مدلولاتها، فإذا عز على الفرقاء السودانيين أن يجدوا مكاناً صغيراً في أرض السودان الشاسعة ليجلسوا عليه ويتفاوضوا على السلام ، فمرحباً بالجودية القطرية المدعومة إفريقياً ودولياً، وليأت الفرقاء السودانيون ويجلسوا في ظلال الدوحة الوارفة ويتفاوضوا من أجل إنهاء الحرب ، وغني عن القول إنه لكي تقلع طائرة الجودية القطرية بارتياح وتجتاز مطبات نزاع دارفور بأمان وتهبط على مدرج سلام دارفور بنجاح ، يجب على كافة الفرقاء السودانيين بذل أقصى جهودهم لتحقيق الحل الشامل لمشكلة دارفور التي تعقدت وتطاول أمدها بسبب الاستقواء بشيطان الاختلاف ونبذ مفهوم الجودية الذي يدعو للحياة في خضم الموت ويدعو للأمل عند استحكام اليأس، فهلا تحركت الإرادات السودانية الخيرة لتحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي النبيل المتمثل في منع الدماء السودانية الغالية من أن تروح "ساي" أي أن تذهب سدىً وذلك عبر وقف الحرب في دارفور وتحقيق السلام العادل الذي يتمثل في إعادة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم الأصلية ورفع الظلامات عن طريق التعويضات الجابرة للأضرار المادية والمعنوية والاتفاق مع سكان الأقليم على قسمة الثروة والسلطة بشكل منصف فلا فائدة في السلام غير العادل لأنه لا يعني سوى الاستعداد لجولة جديدة من الحرب! 

 فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.