في زحمة الحياة وفي سياق الإنشغال اليومي بهموم كسب العيش ومغالبة مصاعب الحياة المتصاعدة، ينقض الموت على حين غرة ويخطف أحب الأحباء وأعز الأعزاء وعندها يجتاحنا حزن صاعق ففقدان الأمهات أو الآباء أو الأخوان أو ألأقرباء أو الأصدقاء هو فقدان موجع لأقصى درجة لأنه فقدان لا يعوض ورحيل ما بعده عودة وانقطاع أبدي لحنان أو مودة كانا ينهمران علينا بلا منّ أو أذى ، ورغم عنف الصدمة الأولية التي ينطوي عليها خبر الوفاة وقسوة الحزن الذي يعصف بالنفوس الموجوعة وحرقة الألم التي تدمي القلوب المكلومة ، إلا أن إرادة الحياة ما تلبث أن تتغلب ويتمالك المفجوعون أنفسهم بعون من الله وسند من الناس ويعودون إلى حياتهم الطبيعية رويداً رويداً رغم أنه هناك وفي قاع الذاكرة يندفن تذكار قوي يظل يذكرنا من وقتٍ لآخر بأن طبيعتنا الفانية تحتم علينا وعلى جميع الأحباب والأعزاء مغادرة مطار الدنيا بلا عودة في أي وقت ودون سابق إنذار بمجرد اكتمال إجراءات تأشيرة الخروج من الحياة.

ولعل المفجوعين يجدون في الإيمان الراسخ بتكامل مفهومي الحياة والموت عزاءاً فلسفياً يريح النفوس القلقة ويهديء العقول الحائرة ، فالحياة والموت قانونان إلهيان طبيعيان يعملان بتناسق عجيب ويتداخلان إلى درجة تصيب عقل الإنسان بالعجز عن الفهم ، فأغلب المخلوقات والكائنات تأتي إلى الحياة بلا ارادتها وترحل عنها بلا ارداتها ولكنها رغم ذلك تؤدي رسالة الحياة قبل رحيلها على أكمل وجه!

البذور التي تسقط من الأشجار وتندفن في الأرض تشكل بموتها وانطمارهاً مولداً لجيل جديد من الأشجار الفتية ، الأوراق التي تصفر وتسقط على الأرض تشكل مادة الحياة لكل المخلوقات القادمة إلى الحياة عبر طريق الموت والفراشات الرقيقة الملونة التي لا يتجاوز عمرها أسبوعين تؤدي رسالتها الجميلة في الحياة ثم تغادر بهدوء بعد أن تترك وراءها يرقات تدب فيها إرادة الحياة وشرنقات تتأهب لممارسة الطيران الأنيق في أجواء الحياة ثم ما تلبث أن تحلق ذريتها الجميلة في نهاية المطاف لتعيد رسم لوحة الحياة والموت المفرحة المحزنة ببراعة طبيعية مدهشة تدعو لتمجيد الخالق العظيم!

بالمثل فحينما تصعد أرواح أصولنا إلى بارئها العظيم تبقى جيناتهم الطيبة حية في أعماقنا نتوكأ عليها في دروب الحياة ونستمد منها أنبل القيم مما يؤكد أن فلسفة الحياة والموت أعمق بكثير مما نتصور وأكبر بمراحل مما نعتقد، ولعل أكبر عزاء لنا حينما تعصف بنا أنواء المنون أن نحتضن بإعزاز ذكرى أحبائنا الراحلين ونخلدها عبر عيش قيمهم ونشر عطرهم المعنوي وأريجهم الوجداني على الآخرين ونقل رسالتهم النبيلة إلى ذريتنا وألا نغفل في ذات الوقت من أن نكون على استعداد دائم للمغادرة النهائية في أي وقت رغم حبنا الشديد للحياة التي لا تخلو أبداً من كبد.

فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.