لنقم بزيارة سريعة إلى الأسواق الكبرى في قلب كل عاصمة عربية، لنطف بين صفوف الأجهزة والأدوات الكهربائية ، السلع المعدنية ، الملبوسات ، الأواني المنزلية ، الأحذية ، لُعب الأطفال ، علب الكبريت ، المناديل الورقية وطوفان هائل من السلع الأخرى، ستصطدم أعيننا حيثما نظرنا بعبارة "صُنع في الصين" وهي ملصقة على كل شيء مصحوبة بسعر رخيص يدفعك إلى شرائها بلا تردد، بل أن الصينيين قد تخصصوا في صناعة أزيائنا القومية فهم يصنعون الجلاليب الخليجية والموريتانية والمغربية والسودانية بل أصبحوا يصنعون حتى السبح وفوانيس رمضان وهلمجرا إلى درجة أن كثير من التجار المصريين قد ضاقوا ذرعاً بالوجود الكثيف والنشط للتجار الصينيين في قلب الأسواق المصرية وتمكنهم من اجتذاب المستهلكين المصريين عبر بيع السلع الجيدة والرخيصة المصنعة بالأيدي الصينية ؟!

فما هو سر هذا الغزو السلعي الصيني الواسع النطاق الذي لم تعد حكومات وشعوب العالم الثالث قادرة على مقاومة عروضه الرخيصة؟! لعل مفتاح السر يكمن في كم ونوع العمالة الصينية ، فالمعروف أن الصين هي أكثر دول العالم سكاناً إذ تجاوز سكانها المليار ومائتين نسمة ، هذه الميزة توفر العمالة الصينية الضخمة الرخيصة ، ومن ناحية أخرى ، نجد أن المدرسة الصينية النموذجية تركز على المنهج المدرسي المرتبط بالاحتياجات الاجتماعية الأساسية، فالمدرسة تعلم الطلبة الصينيين التاريخ ، الجغرافيا ، اللغة ، الفيزياء، الكيمياء ، الأحياء، الحدادة، النجارة، الميكانيكا ، الكهرباء، الكمبيوتر ، الموسيقى، الرياضة ، الرقص ، قيادة السيارات والدراجات البخارية والهوائية ، كما يقوم الطلبة بالعمل كل يوم لمدة معينة في مصنع صغير يقع داخل المدرسة ومن عائدات انتاجهم الخاص يعولون أنفسهم ويسدون احتياجاتهم من المأكل والمشرب والملبس دون أي مساعدات مالية من الأهل أو الحكومة ، والمغزى واضح وهو أن يتعلم الطالب الصيني شيء من العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية وشيء من المهارات الاجتماعية الأساسية ثم يتعلم الكثير من النزعة إلى التصنيع والاعتماد على المجهود الذاتي تطبيقاُ للحكمة الصينية القديمة القائلة " لا تعطني سمكة كل يوم بل علمني كيف اصطاد السمك" ، كل ذلك التنوع الأكاديمي والمهني والمهاري يفرز عمالة صينية نوعية قادرة على عمل كل شيء وباستطاعتها العمل في أصعب الأجواء!

من المؤكد أننا لا نرغب أبداً في التفرج على الصينيين وهم يكتسحون أسواقنا المحلية ويمارسون هواية إغراقنا بالصادرات الصفراء الرخيصة على حساب منتجاتنا المحلية وصناعاتنا الوطنية ، ولا شك أننا نتطلع إلى رؤية علاماتنا التجارية الوطنية ملصقة على كل السلع الحيوية ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو إذا كان ديننا يأمرنا بطلب العلم ولو في الصين فلماذا لا نتعلم شيئاً من التجربة الصينية التي لم تنتظرنا حتى نذهب إليها في الصين بل جاءت إلينا بنفسها واستوطنت في عقر دارنا؟!

 

 

فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.