منذ نعومة أظفاري كنت أحلم دوماً بالفوز بالأوسمة والميداليات والنياشين ، تلك الأشياء الصغيرة اللامعة التي لا تُمنح عادةً إلا للأبطال العظماء ذوي الانجازات الخارقة مثل أبطال الحروب ونجوم الاوسكارات السينمائية ونجوم جوائز نوبل في السلام والأدب والاقتصاد والطب والكيمياء والفيزياء!

 

لكنني للأسف لم استطع مطلقاً الحصول على أي نيشان ولو من الدرجة العاشرة لأسباب كثيرة يمكن إيرادها على النحو الآتي:

 

أولاً: إنني لم أشارك في أي حرب محلية أو عالمية بل أنني فقدت الأمل نهائياً في الحصول على نيشان الشجاعة من الدرجة الأولى لأنني كنت وما زالت أؤمن بأن معظم الحروب التي يخوضها البشر هي من أكبر الحماقات البشرية على الإطلاق وأن الأبطال القوميين في نظر شعب ما هم مجرمو حرب بالنسبة لشعب آخر لأن الأسباب الحقيقية لمعظم الحروب تنحصر في الجشع القومي فليس هناك بطولات مقنعة وليس هناك مبرر منطقي لمنح أي ميداليات حينما تستثار غريزة المقاتلة بشكل أهوج بإسم الوطن وينساق الفرد بعقلية القطيع ليقتل أشخاصاً آخرين ليس بينه وبينهم أي عداوات شخصية!

 

ثانياً: إنني لا أصلح لأن أكون كومبارس في أي فيلم سينمائي ناهيك عن أكون بطلاً له لأنني افتقد مقومات البطولة المطلقة فلست وسيماً مثل براد بيت ولست خفيف الظل مثل مستر بين ولذلك فإن تطلعي للفوز بأي أوسكار أو حتى سعفة ذهبية في أي مهرجان سينمائي قد أصبح مجرد حلم يقظة فقط لا غير!

 

ثالثاً: إن فهمي في المسائل العلمية والأدبية والسياسية يبدو ضئيلاً أو معدوماً إلى الدرجة التي أقنعتني بأن التفكير في الحصول على أوسمة نوبلية هو ضرب من الجنون الدائم أو الجنون المتقطع أو العاهة العقلية!

 أخيراً ونظراً لتواضع ملكاتي الشخصية في كل المجالات فقد أقلعت نهائياً عن التفكير في الحصول على الأوسمة والنياشين والميداليات بعد أن قمت بتصنيفها في عداد المستحيلات لكنني مع ذلك كنت أشعر بالغبن الفاحش كلما سمعت بأن فلان أو علان قد فاز بهذه الميدالية أو تلك!

تدافعت كل هذه الأفكار والتصورات السلبية في ذهني في ذلك الصباح وأنا أقود سيارتي متجهاً إلى مكان عملي، حينما وصلت إلى وجهتي المنشودة وترجلت من السيارة ألقيت نظرة خاطفة على الحقيبة السوداء التي كنت أحملها وعندها شعرت بدهشة كبرى حينما رأيت شيئاً صغيراً لامعاً يتألق في طرف الحقيبة ، راودني شعور ما بأنه ربما قامت إبنتي ذات الخمسة أعوام بإلصاق استيكر على ركن حقيبتي لسبب ما ، اتصلت بصغيرتي مستفسراً فسمعت صوتها عبر الهاتف يقول لي بشقاوة طفولية محببة: لقد منحتك استيكر يا أبي لأنك ساعدتني أمس في حل واجباتي المدرسية دون أن تصيح في وجهي، ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة وانطلقت مني ضحكة جزلة خفت أن يسمعها أحد المارة فيظن بعقلي الظنون ثم دخلت إلى مكان عملي مبتهجاً على غير العادة وأنا أدندن بلحن طروب وأهمهم في فرح: لقد حصلت أخيراً على أعظم نيشان في حياتي!

  

فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.