فيصل علي سليمان الدابي

 

كانت هناك مجموعة من المغتربين المنتمين إلى إحدى الدول الفقيرة وقد جمعتهم ظروف السكن في شقة متهالكة تقع في ضاحية عاصمة إحدى الدول الخليجية. كان معظمهم قد قدم إلى تلك الدولة بتأشيرات عمل لا علاقة لها بالمهن التي كانوا يباشرونها في بلادهم بدليل أن آخر دفعة من الوافدين الجدد كانت تتكون من محام بتأشيرة راع، طبيب بتأشيرة ميكانيكي ومهندس بتأشيرة مندوب مبيعات!

 

كان الوافدون الجدد يشتركون في قصة واحدة، فقد قاموا بتصفية أعمالهم وبيع أدوات عملهم بغرض شراء الفيزا ودفع تذاكر السفر ثم تركوا أسرهم في رعاية الله وغادروا بلادهم تراودهم أحلام الثراء السريع في بلاد الريالات الخضراء! بعد يوم واحد من وصولهم ، شرع الوافدون الجدد في البحث بحماس عن أعمال في مجال اختصاصاتهم أو حتى بالقرب منها ، مرت الأيام ، الأسابيع والشهور وتكررت محاولاتهم  المتلاحقة في الحصول على العمل المنشود لكن دون جدوى! فحسب القوانين السارية ، لم يكن من الممكن قانوناً تغيير مهنهم، وليس بالإمكان الحصول على عمل مناسب، وكانوا مطالبين في ذات الوقت بأن يساهموا في دفع  أجرة الشقة ونفقات الطعام وأن يدفعوا مبلغاً معتبراً للكفيل في آخر العام ، كما كانوا مطالبين بإرسال مصاريف إلى عائلاتهم المترقبة وحتى إذا يئسوا من تحقيق أحلامهم وقرروا العودة إلى وطنهم بخفي حنين فسوف تطالبهم حكومة بلدهم بدفع ضرائب باهظـة رغم أنها لا تعرف عنهم شيئاً ولا تساعدهم في فعل أي شيء!

 

حينما بلغ بهم اليأس مبلغاً عظيماً ، قرر الوافدون الجدد تخفيض سقف تطلعاتهم إلى أدني درجة ، بدأوا في البحـث عن أي أعمال أياً كان نوعها ، ومرة أخرى فشلوا في العثور على أي عمل وكأنما الأرض قد انشقت ثم ابتلعت ما يٌسمى بالعمل!

 

لاحظ الوافدون الجدد أن من بين نزلاء الشقة عدد آخر من الشباب والكهول من ذوي المؤهلات المختلفة والمستويات الثقافية المتباينة بالإضافة إلى رجل متـقدم في السن كان متفرغاً بشكل كامل لطهي الطعام وتنظيف الشقة ويبدو من مظهـره، حركته، أسلوب كلامه ومستوى تفكيره أنه لا علاقة له لا من قريب أو بعيد بمهنة الطهي! كان بعض نزلاء الشقة ينهمكون كل مساء في لعب الورق بينما يتصفح الآخرون عدداً من الصحف المحلية وعيونهم تبحث بصورة محمومة عن شئ واحد فقط هو إعلانات العمل!

 

ذات ليلة أخذ بعض نزلاء الشقة يتسامرون، تطرق عدد منهم لبعض المواقف الصعبة والطريفة التي تعرضوا لها أثناء البحث الدؤوب عما يُسمى بالعمل ثم بدأ بعض قدامى المغتربين يتحدثون عن سطوة بعض الكفلاء وتعسفهم وقد أكد أحد المتحدثين أنه قد أصيب بالكفالافوبيا وعندما سأله أحدهم بدهشة: ما هي الكفالافوبيا؟! رد قائلاً: إنها خوف مرضي رهيب يصيب المكفول من سماع سيرة الكفالة  وتتسم أعراضه بالقلق المزمن والجنون المتقطع ، وهـذا المرض، أجاركم الله، يصيب بعض المغتربين التعساء الذين يقعون في قبضة بعض الكفلاء الذين لا يعرفون الرحمة!

 

 

ذات صباح وبينما كان الطبيب الميكانيكي يتأهب للخروج من الشقة بحثاً عن العمل المستحيل خطر بباله سؤالان ملحان، فتوقف عن الحركة، حدق في وجه الطباخ العجوز ثم سأله: يا شيخ هل لي أن أسالك سؤالين ؟

 

رد الطباخ بهدوء بالغ: هات السؤال الأول

 

الطبيب الميكانيكي بفضول مكشوف: ما هي مهنتك الأصلية؟

 

الطباخ: كابتن طيران، هات السؤال الثاني

 

الطبيب الميكانيكي: كم عدد الحاصلين على عمل من نزلاء هذه الشقة؟

 

رد الطيار الطباخ ببرود شديد: على حد علمي، فإن الوحيد الذي يعمل في هذه الشقة هو هذا المكيف القديم!

 

فيصل علي سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.