تقول الاسطورة اليونانية إن بروكرست كان حداداً يونانياً طويل القامة وأنه كان يحتفظ في بيته الجبلي بمنشار حديدي وسريرين أحدهما طويل والآخر قصير، كان بروكرست يقوم بقطع الطريق ويستدرج أي مسافر منفرد ويستضيفه في بيته ويكرمه ثم يباغته بضربة قاتلة ويقيده على أحد السريرين، فإذا كان الضيف طويلاً يقيده على السرير القصير ويقطع رجليه أو رأسه بالمنشار حتى يتساوى جسده مع السرير القصير، وإذا كان الضيف قصيراً يقيده على السرير الطويل ويقوم بمط جسده وتطويل عظامه وتكسيرها حتى يتساوى جسمه مع السرير الطويل، استمر بروكرست في ارتكاب جرائم القتل البشعة عبر تطويل وتقصير البشر حتى قام البطل اليوناني ثيسيوس بالقبض عليه وقيده على السرير القصير ثم قطع راسه ورجليه بالمنشار حتى يتساوى جسمه مع السرير القصير!

من المؤكد أن أخطر سلوك في المجتمع البشري هو القولبة الجبرية أو البروكرستية والتي تعني النزعة المرضية الإجرامية التي تسعى إلى صب جميع الاشخاص المختلفين أو الأفكار المختلفة في قالب واحد معد سلفاً لكي تتناسب قسراً مع خطة ذهنية مسبقة!
من الملاحظ أن أسباب هذا الانحراف الاستبدادي الخطير الذي يشكل أعلى درجات الغباء البشري وأعلى درجات التبلد الشعوري تنبع من تصور ذهني مختل مفاده أن الإنسان المتفرعن، الذي يقول لسان حاله للآخرين على الطريقة الفرعونية: لا أريكم إلا ما أرى، يتوهم أنه يمتلك الحقيقة المطلقة والقدرة المطلقة وأن من حقه فرض رأيه الشخصي ومصادرة الرأي الآخر المخالف وقتل صاحبه مع سبق الإصرار والترصد! ومن المؤكد أن القبض على هذا الفرعون المصاب بجنون الاستبداد مطلوب بشدة لأن وجوده طليقاً يشكل خطراً جسيماً على كل المجتمع!
يلاحظ أيضاً أن مخاطر البروكرستية تُوجد في كافة مجالات الحياة، فهناك أشخاص عاديون أو رجال دين أو مهنيون أو زعماء أو رؤساء يحملون مناشيرهم الخفية ويقومون بنشر شخصيات الناس المعارضين أو نشر الأفكار المخالفة حتى تتناسب أطوالها مع قوالبهم الذهنية الشخصية، الأمر الذي يؤدي في جميع الأحوال إلى مصادرة حق الحرية أو مصادرة حق الحياة ونشر ثقافة الكراهية والانتقام ومن ثم ينهمك الجميع في الدوران في الحلقات المفرغة للجريمة المنشارية المتسلسلة التي تبدأ بنشر المنشورين وتنتهي بنشر الناشرين!
من المؤكد أن التخلص من مخاطر البروكرستية يتطلب قيام جميع البشر بالتخلص من مناشيرهم الخفية والتزامهم بممارسة حرياتهم الشخصية دون المساس بحريات الآخرين ويستوجب اقتناع الجميع بأن القانون العام للحياة يستلزم اختلاف المصالح واختلاف الأراء ولولا ذلك الاختلاف الحميد لبارت كل السلع!
أخيراً يجب التأكيد على أن خلاصة الذكاء البشري الميداني المستمد من عصارة التجارب الانسانية السابقة والمعاصرة تقول لأي متفرعن: يجب عليك أن تفهم الآن أن ممارسة الأسلوب البروكرستي يشكل خطراً عاجلاً على الآخرين ويمثل خطراً آجلاً عليك ولو لم تتخلص من منشارك الآن فإنك سوف تدرك بعد فوات الأوان أن ردود الأفعال المتأخرة مثل صيحة (لقد فهمتكم) على الطريقة الزين عابدينية أو دهشة (من أنتم) على الطريقة القذافية سوف لن تجدي نفعاً في لحظات الانتقام المنشاري الرهيب فلماذا لا تسترد انسانيتك بالتخلص من منشارك؟! لماذا لا يتخلص كل صاحب منشار من منشاره الاستبدادي ليتفادى انتقام ذوي الضحايا المنشورين؟! لماذا لا يقتنع أصحاب مناشير الحديد ومناشير العظام وقاتلي المتظاهرين العزل بالرصاص بأن القوالب الاستبدادية الفرعونية هي العدو اللدود للحياة الحرة الكريمة؟! لماذا لا يقتنعون بأن الله سبحانه وتعالى وحده هو صاحب العلم الكلي والقدرة الكلية وأن الإنسان المتفرعن سيصبح الخاسر الأكبر في نهاية المطاف وأنه حتى لو استطاع الافلات من عدالة الأرض فهو لن يستطيع أن يفلت أبداً من عدالة السماء؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////