تمهيد

يقول أبو العتاهية: "تَأْتِي الْمَكَارِهُ حِينَ تَأْتِي جُمْلَةً *** وَأَرَى السُّرُورَ يَجِيءُ فِي الْفَلَتَاتِ"، ينطبق هذا البيت علينا اليوم، قبل يوارى الثرى جثمان البروفيسور السيد الأنور عبد الماجد عثمان بمدينة بيرقن بالنرويج، نعنى الناعي خبر وفاة الإداري المخضرم حامد علي شاش، في يوم الاثنين الموافق 6 مارس 2017م. وبهذه المناسبة أعيد نشر هذا المقال، والذي سبق أن نشرته في الجزء الرابع من سلسلة السودان السلطة التراث، أمدرمان: مركز عبد الكريم ميرغني، 2012، ص: 197-210، آملاً أن يعيد إلى ذائقة القراء طرفاً من محاسن هذا الرجل.

مقدمة
الإداري حامد علي شاش رجل متفرد منذ نعومة أظفاره؛ لأنه ماز نفسه عن أترابه وأبناء جيله من الهدندوة، عندما وضع لبنات حياته الأولى على هدي الحرف المكتوب، فشق طريقه من مدرسة سنكات الأولية إلى مدرسة بورتسودان الوسطى، ومنها إلى كلية غردون الجامعية. وبعد تخرجه عام 1947م بدأ حياته العملية نائب مأمور في مركز رشاد والجبال الشرقية (1949-1954م) بمديرية كردفان، ثم ترقي بانتظام في مراقي السُلم الإداري، وتنقل بين بقاع السودان المختلفة، فكانت آخر محطاته الإدارية بمدينة كسلا، حيث تقلد منصب حاكم الإقليم الشرقي في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري (1969-1985م). إلا أن تواضعه الجم أقعده عن تدوين مذكراته الإدارية وخبراته الواسعة، لذلك نخشى أن يكون حاله أشبه بحال المتواضعين من أمثاله، الذين وصفهم الأديب الطيب صالح (ت.2009م) بقوله: "أسهموا مساهمات عظيمة في بناء المجتمع، كلهم رحلوا دون أن يتركوا سجلاً لتجاربهم، [بل] حملوها معهم إلى مراقدهم، فخسر الناس بذلك خسارة لا تعوض." فقبل أن يضاعف كيل الخسائر الفادحة بفضل ثقافة المشافهة وآفة الاحجام عن التوثيق، فنطلق النداء صريحاً في آذان الباحثين والحادبين على جمع تراث أهل السودان السياسي والإداري والاجتماعي والثقافي أن يوثقوا لتجارب الإداري حامد علي شاش، وذكرياته الممتعة والمؤنسة في رشاد، وسنكات، ومروي، وجوبا، وغيرها من محطات عمله التي كانت منتشرة على طول السودان وعرضه؛ لأن الرجل موظف خدمة مدنية من الطراز الأول، ويتملك ذاكرة فوتوغرافية مدهشة، تكتنز الكثير، والمثير، والنادر من المعلومات القيمة، التي لا توجد في صفحات الكتب المنشورة، أو إصدارات الأكاديميين المتداولة في الدوريات العلمية.
وتعضيداً لما ذهبنا إليه دعونا نقف عند بعض الشواهد التي تبرز طرفاً من سيرة الرجل وذكرياته، ونذراً من تجاربه الحافلة بالعطاء والإبداع، حتى لا تكون دعوتنا إلى توثيق سيرته دعوة جوفاء ومنبتة الصلة بالواقع، ولا يسندها منطق سوي، بل نحسبها على خلاف ذلك؛ لأنها تستمد شرعيتها من خبرات السيِّد شاش المنداحة بين البوادي والحضر، وذكرياته المنبسطة على ضفاف مؤسسات الحكم المحلي، وإسهاماته الفاعلة في مراكز صناعة القرارات الإدارية والقضائية والسياسية التي كانت تصدر في بيئات محلية متنوعة، تجمع بين رشاد وسنكات من طرف، وبين مروي وجوبا من طرف آخر.

ضاحية كافوري والكنز المفقود
شرفتنا سوانح الأيام بزيارة خاصة إلى دار الإداري حامد علي شاش بضاحيَّة كافوري بالخرطوم بحري، في مساء الأربعاء الموافق الأول من ديسمبر 2010م، وكانت تلك الزيارة بصحبة الأخ الصديق الدكتور مصطفى أحمد علي، وفي حضرة المهندس حامد، والأستاذ محمد حامد علي شاش. وتبادلنا خلالها فناجيل قهوة الشرق المعتقة، ذات الطعم والرائحة المميزين، وصحبنا مذاقها الحادق بثمرات من قنديل نخيل أهل الشمال، ثم توَّجنا تلك الضيافة بحوار ممتع ومؤنس مع مضيفنا شاش، الذي قطفنا شذرات من سيرته العطرة، وبعض مواقفه الإدارية والسياسة المهمة بشأن بعض القضايا الراسخة في تاريخ السودان الحديث والمعاصر. وفي الفقرات القادمة سأحاول جاهداً أن أوطن لتلك الشذرات وتلك القضايا في إطار واقعها التاريخي وسياقاتها الاجتماعية والسياسية، ثم أبرز من خلالها دور المترجم له، مستأنساً في ذلك بمضابط الجلسة الحوارية التي اجريناه معه. ولا أحسب أن تلك الجلسة كانت كافية لتغطى الجوانب المتفردة من إسهامات الرجل الممتدة عبر الزمان والمكان، بل أرجح الظن بأنها ستشحذ همم الباحثين لينقبوا في تاريخ ذلك الكنز المفقود في ضاحية كافوري.

حامد علي شاش من سنكات إلى كلية غردون
ينتمي حامد علي شاش إلى قبيلة الهدندوة التي يتمركز أفرادها حول سنكات ومنطقة جنوب دلتا القاشا، وأن معظمهم أهل بادية، يحترفون رعي الإبل والأغنام في كسبهم المعيشي، ويحافظون على لغتهم التبداوية (البجاوية) في تواصلهم المحلي، ويعتقدون في الإسلام ديناً والختمية طريقةً، ويهتمون بعاداتهم وتقاليدهم الموروثة، لدرجة تجعلتهم يتوجسون في التعامل مع الآخر أياً كان شكله ومضمونه. فلا شك أن هذا الواقع البدوي النافر من مدخلات الحداثة جعلهم أكثر نفوراً من التعليم المدني، كما يرى الدكتور محمد سعيد القدال، ولم يتم التغلب على هذه المشكلة نسبياً في منطقة سنكات إلا بعد تأسيس مدرستها الأولية في العقد الثاني من القرن العشرين، وتعيين الأستاذ عثمان بلية السواكني ناظراً لها، مع مجموعة من المعلمين السواكنية، الذين كانوا يجيدون التحدث باللغة التبداوية، ويعتبرون أنفسهم أصحاب مدنية أرقي من الواقع المحيط بهم، بينما يَعُدَّهم الهدندوة أناس مترفعين. ونتيجة لذلك النفور الحضاري بين السواكنية والهدندوة لم تكن تجربة الاستاذ عثمان بلية تجربة ناجحة، ولم يتبدل الحال إلا بعد تعيين الأستاذ سعيد القدال ناظراً لمدرسة سنكات الأولية، حيث بدأ القدال حياته العملية في سنكات بتعلم اللغة التبداوية، ثم التعرف على شخصياتها ذات الوزن الاجتماعي، أمثال: الإداري علي عبد الله أبوسن مأمور سنكات، ومحمد بك عبود، والشيخ حسن البدري، وحسن جيلاني، والشيخ الشريف المليك، ومحمد نور طاهر، وماقيت موسى، وبفضل دعم هؤلاء تمكن الأستاذ القدال من تأسيس صندوق البجة، ليكوين نواة للتعليم المدني في مدينة سنكات. ولا شك في أن هذه المبادرة، حسب الدكتور محمد سعيد القدال: قد أثمرت "في تعليم معظم أبناء بالبجة الذين التحقوا بالتعليم العالي، وأصبح لهم فيما بعد مركز مرقوق في البلاد، مثل حامد علي شاش وعلي أونور...".
ويذكر السيِّد حامد علي شاش في الحوار الذي أجريناه معه بضاحية كافوري أنه دخل مدرسة سنكات الأولية في عهد الناظر سعيد القدال، وكان عمره عندئد سبع سنوات فقط، وعندما جلس لامتحان الشهادة الأولية أحرز المركز الأول في الدفعة، وكانت رغبته الأولى أن يلتحق بمعهد بخت الرضا، ليتخرج معلماً، إلا أن طلبه رُفض لصغر سنه، في وقت تمَّ اختيار زميله عوض عثمان مكي الذي أحرز المركز الثاني في الدفعة. ومن ثم آثر الطالب حامد علي شاش أن يعيد السنة الدراسية، ليكون مؤهلاً من الناحية العمرية؛ إلا أن مفتش مركز سنكات عندما علم بذلك التصرف أوصى بإرساله إلى مدرسة بورتسودان الوسطى، حيث قضى فيها أربع سنوات، وبعدها شد رحاله إلى كلية غردون التذكارية بالخرطوم، القسم الثانوي، ومن القسم الثانوي انتقل إلى كلية الآداب الجامعية، حيث حصل على دبلوم الآداب عام 1947م.
وإلى جانب تفوقه الأكاديمي في كلية غردون يبدو أن الطالب حامد علي شاش كان ناشطاً رياضياً، حيث أحزر المركز الأول في مهرجان سباق الموانع الذي نظمه مؤتمر الخريجين عام 1943م. ويبدو أن هذا التفوق الأكاديمي والرياضي قد كان محل أعجاب الإداريين البريطانيين، الذين مثلهم السير دوقلاس نيوبولد، السكرتير الإداري آنذاك، بإرسال خطاب إلى الطالب شاش، ويقرأ نصه حسب رواية المرسل إليه: "عزيزي حامد، باعتباري مفتشاً سابقاً لمركز البجة، فقد سررت بفوزك في سباق الموانع، وأمل أن تفوز في امتحاناتك بالسهولة نفسها." فلا عجب أن هذا الخطاب كان له وقع حسن في نفس المرسل إليه، بدليل أنه ظل يحفظه عن ظهر قلب بالرغم من تقادم الزمان عليه، ويعتبره ضرباً من ضروب وفاء الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وإن اختلف رأي الحركة الوطنية حول مواقف صاحب الخطاب ذات السحنة السياسية. ولكن الأمر الجدير بالاهتمام أن الخطاب كان له أثراً حافزاً في تفوق السيِّد شاش أكاديمياً وإدارياً، فضلاً عن أنه شكل له حضوراً طيباً في ذاكرة القادة البريطانيين الذين اختاروه للعمل في وظيفة نائب مأمور مع أحد عشر خريجاً آخر، أضحوا يمثلون نواة الضباط الإداريين الجامعيين الذين تم تأهليهم للعمل في مؤسسات الحكم المحلي في السودان.
ويذكر السيِّد حامد علي شاش من أفراد تلك الدفعة النواة المرحوم حسن دفع الله الذي أشرف على تهجير أهالي حلفا القديمة إلى موطنهم الجديد بخشم القربة عام 1958م، وذلك قبل اكتمال بناء السد العالي في جنوب مصر. ووثق ذلك الإداري الفذ قصة تهجيرهم في كتابه الموسوم بـ"هجرة النوبيين" الذي صدرت طبعته الإنجليزية الأولى عام 1975م عن مطابع شركة هرست البريطانية في لندن. ولا جدال أن كتاب السيِّد حسن دفع الله يعكس صورة حية من صور الأداء الإداري المتفرد في السودان آنذاك، والذي جعل السيِّد حامد علي شاش يثمن أداء الخدمة المدنية في السودان، ويحسبه أداءً فريداً إذا قيس بمعايير ذلك الزمان، لأنه من وجهة نظره الإدارية كان أداءً مسلحاً بالتدريب المهني الحاذق، ونائياً بنفسه عن التسييس وتقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، الأمر الذي ابتدعته الأنظمة الشمولية اللاحقة، وبذلك أفسدت الخدمة المدنية في السودان، وأقعدتها عن أداء الدور الوظيفي المناط بها.

حامد علي شاش والحكم المحلي
كما ذكرنا في صدر هذا المقال فإن السيِّد حامد علي شاش بدأ حياته العملية نائب مأمور بمركز رشاد والجبال الشرقية بمديرية كردفان، حيث قضى فيه خمس سنوات (1949-1954م) من العمل الميداني والديواني في بيئة غريبة عليه من ناحية العادات والتقاليد والأعراف، ولكنه ظل يحسبها من أخصب سنوات خدمته في الحكومة المحلية، لأنه تعلم فيها مفردات العمل الإداري تحت أشراف مفتشين بريطانيين أكفاء، وتواصل مع رجال عركتهم التجربة، أمثال العمدة زين الدين في اللخم، وفكي توينجه في الليري، والمك آدم في العباسية تقلي، في حل قضايا المنطقة، وذلك عملاً بوصية جيمس روبتسون، السكرتير الإداري، الذي أرشد حامداً وزملاءه، وهم في مرحلة التدريب، بأن يتسلحوا بالقوانين والأعراف، ويستأنسوا بأراء الأجاويد وقيادات المجتمعات المحلية، ويؤدوا علمهم بصفتهم "خدام لا حكام". وبهذه الخلفية الإدارية الواعية تمَّ نقل السيِّد حامد علي شاش مفتشاً مترقياً لمركز البجة في سنكات، حيث سَوْدَن الوظيفة، وقضى سنتين (1955-1957م) في خدمة أهله وعشيرته بمنطقة البحر الأحمر، وكانت سلطاته في ذلك الوقت تمتد شمالاً إلى حلايب وشلاتين وجنوباً إلى حدود نهر القاش. وفي ديسمبر 1957م انتقل السيِّد حامد علي شاش مفتشاً لمركز مروي، خلفاً السيِّد حسين محمد أحمد شرفي، الذي وثق ذلك الحدث في كتابه الموسوم بـــــــــ"صور من الأداء الإداري في السودان"، بقوله: ودعت "مروي العزيزة الحبيبة بعد كتابة مذكرات تسليم وتسلم ضافية وشاملة لخلفي وزميلي السيِّد حامد علي شاش أطال الله عمره". وعن ذكرياته في هذه المناطق الثلاث، حدثنا السيِّد شاش عن طبيعة المشكلات والقضايا التي كانت تواجههم كإداريين، مثل قضايا الأراضي في منطقة مروي، ونزاعات المرعى في منطقة النوبة والحوازمة، والصراعات القبلية في منطقة البحر الأحمر، وكيف كانوا يضعون الحلول المناسبة لها، دون أن يحدثوا أي شرخ في نسيج تلك المجتمعات المحلية، وأمنها العام. وأشار أيضاً إلى أهمية الاستمرارية في العمل الإداري، وذلك بفضل الإعداد الحاذق لمذكرات التسليم والتسلم، وقراءاتها الفاحصة، والمعضدة برأي العاملين الذين كانوا يمثلون خزانات معلومات تلك المراكز غير المكتوبة، أمثال الشاويش أحمد بمركز مروي، والذي كان يحفظ قرارات المركز، وتواريخها، وحيثياتها عن ظهر قلب.

من مروي إلى حلايب وسيطاً لحل المشكلة
عندما كانت الحكومة الائتلافية السودانية منهمكة في الإعداد للانتخابات البرلمانية تلقَّت مذكرة من الحكومة المصرية مؤرخة في 29 يناير 1958م، تعارض إدخال المنطقة الواقعة شمال وادي حلفا، ومنطقة حلايب الواقعة على سواحل البحر الأحمر ضمن الدوائر الانتخابية السودانية، تذرعاً بأن ذلك الإجراء يناقض اتفاقية 19 يناير 1899م، ويشكل خرقاً للسيادة المصرية، زعماً بأن المناطق المشار إليها تقع داخل حدود الدولة المصرية. لا يهمنا في هذا المقام أن نتحدث عن الجانب القانوني لمشكلة حلايب، بل المهم أن تلك المذكرة المصرية قد أحدثت ارتباكاً في الوسط السياسي السوداني، وأدخلت الحكومة الائتلافية في حرج سياسي، لأنها كانت متنازعة بين تعاطف حزب الشعب الديمقراطي مع الحكومة المصرية، وكراهية حزب الأمة لتلك الحكومة التي آزرت الاتحاديين عليه في انتخابات عام 1953م. ويبدو أن حزب الأمة قد حاول أن يستثمر تلك المذكرة في حملته الانتخابية ضد الاتحاديين، لأن مجلس الوزراء أذاع بياناً في 17 فبراير 1958م، بعنوان "تدخل الحكومة المصرية في الحدود السودانية"، وعزى ذلك التدخل إلى أهمية حلايب الاقتصادية، وعضدت صحيفة الأمة ذلك التوجه بعنوانها الرئيس الصادر في اليوم نفسه: "جيش عبد الناصر يغزو السودان". أما الصحف الاتحادية فقد اتخذت موقفاً ناقداً لتصعيد حزب الأمة، وباحثاً عن بعض المبررات السياسية للفعلة المصرية في حلايب، وذلك بالنظر إليها في إطار المطامع الإمبريالية المحيطة بالمنطقة. ومن ثم جاءت افتتاحية صحيفة التلغراف الصادرة في 19 فبراير 1958م:
لا حديث للناس إلا المشكلة التي نشبت بين حكومتي السودان ومصر بخصوص المنطقة الواقعة شمال خط 22، وقد نشرت كل من الحكومتين رأيها، ومن المؤسف أن المكاتبات التي كانت دائرة في سرية تامة قد أذيعت في وقت غير مناسب لكلا الشعبين، فالشعب السوداني مشغول في انتخاباته، ويعيش هذه الأيام على حساب أعصابه، والشعب المصري مشغول بتقوية نفسه ضد المؤامرات الاستعمارية، وضد عدوة العرب إسرائيل. وكان يهم كل عاقل أن تتم التسوية بين الحكومتين في جو من الهدوء، وضبط النفس، وعلى مستوى عال لا يتطرق إلى درجة استخدام استفزاز الجماهير، مما قد يؤدي إلى تخريب العلاقة بين شعبين عاشا خلال أحقاب من التاريخ في مودة وإخاء.

وعلى النسق ذاته جاءت افتتاحية الصراحة الصادرة في 20 فبراير 1958م، حيث أنها انتقدت سياسة التصعيد التي تبناها حزب الأمة، ودعت إلى حل تفاوضي سليم لمشكلة حلايب في عباراتها الآتية:

لا بد أن نرجو للمحادثات التي تجري في القاهرة بصدد حدودنا الشمالية التوفيق، لا نعتقد أن قعقعة السلاح التي يحاولها حزب الأمة الآن مع ضرب طبول الحرب تلزم لتسوية أمر بين السودان ومصر [...] إن النـزاع على عظمته وخطورة الظروف التي نبع منها ندرك منها حقيقة هامة، وهي ألا نسمح أبداً للدوائر الاستعمارية الأمريكية، والفرنسية، والبريطانية، والأعداء التقليديين المحليين الذين يسعون على الدوام لتحطيم العلاقات الطيبة بيننا وبين مصر، من أن يستغلوا الموقف لتوسيع شقة الخلاف، أو لدفعنا نحو الاستعمار.

ويبدو أن "الصراحة" قد تأثرت في تناولها للقضية بمناخ الانتخابات العام وبحيثيات المؤتمر الذي نظمته الأحزاب والنقابات في التاسع عشر من فبراير بالخرطوم لمناقشة أزمة الحدود بين مصر والسودان، وفي ذلك المؤتمر هاجم أحمد سليمان المحامي، ممثل الجبهة المعادية للاستعمار، حزب الأمة لمناداته بالتعبئة والاستعداد لمواجهة مصر، ووصف أعضاءه بـ "الدساسين أذناب الاستعمار، الذين ينقادون لأوامره ونواهيه، وتتحد مصالحهم وأهواؤهم الشريرة مع أهوائه وأطماعه الخبيثة في السودان، يعملون جهدهم لتشويه هذه الحقيقة، وإثارة الشعب السوداني ضد شقيقه المحب الوفي الشعب المصري." وواضح من هذه العبارات الاستفزازية أن المحامي أحمد سليمان كان يتحدث من واقع أجنده حزبية معارضة لأطروحة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، التي ظهرت طلائعها في حلف بغداد، ومشروع أيزينهاور، والمعونة الأمريكية. وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن تلك المشروعات الأمريكية كانت محل قبول عند قيادات حزب الأمة؛ إلا أن الجبهة المعادية للاستعمار والأحزاب ذات الخلفية الاتحادية كانت تعارضها بضراوة، وتنظر إليها من واقع الحملة الانتخابية، ومن واقع تلك الأطروحات الأمريكية التي تهدف إلى تحجيم النفوذ الشيوعي في الشرق الأوسط، وتقويض شعار الوحدة العربية الذي تبناه الرئيس المصري جمال عبد الناصر وآزرته بعض الدول العربية.
وبهذه الكيفية تم استثمار قضية حلايب في الحملة الانتخابية، حيث حاول حزب الأمة من خلال مواقفه المتشددة أن يشوه صورة الحكومة المصرية والأحزاب المناصرة في مخيلة الناخب السوداني، وفي الوقت ذاته حاولت الأحزاب المعارضة لحزب الأمة أن تصنفه في دائرة العمالة الأمريكية، بحجة أن الحكومة المصرية تحركت لقطع الطريق أمام الحكومة الأمريكية التي كانت تسعى، حسب رأي الاتحاديين، لتأهيل ميناء حلايب بدلاً من قنال السويس الذي تم تأميمه عام 1956م.
وفي ظل هذا الظرف السياسي الشائك استدعت وزارة الداخلية السيِّد حامد علي شاش من مركز مروي إلى الخرطوم، وأوصته بالذهاب إلى منطقة حلايب، لتقييم الوضع السياسي والعسكري على أرض الواقع، ثم إفادة الحكومة بالأجراء الأمثل الذي يمكن أن تتخذه. وصل السيِّد شاش إلى حلايب بصحبة الصحافي محجوب عثمان، ووجد في استقباله الضابط العسكري زين العابدين حسن الطيب، ثم بعد ذلك شرع في مفاوضات مباشرة مع مقدم القوات المصرية المرابطة على حدود حلايب، وأبلغه بموقف حكومة الخرطوم الصارم، وطلب منه أن يخطر الحكومة المصرية في القاهرة بأن تحل المشكلة سلمياً، وبخلاف ذلك سيكون البديل الحرب بين مصر والسودان. وبعد الاتصال بالقاهرة أقسم له المفاوض المصري "بشرفه العسكري" بأن المشكلة ستُحل سلمياً، ثم وعده بسحب قواته التي كانت مرابطة في منطقة حلايب. ويعتقد السيِّد حامد علي شاش أن الرسالة التي نقلها من حكومة الخرطوم إلى الطرف المصري كانت واحدة من العوامل التي أفضت إلى صدور قرار الحكومة المصرية في 21 فبراير 1958م، والذي يقضي بتجميد النـزاع حول الحدود المصرية السودانية؛ إلا أن الاتهامات السياسية ظلت متبادلة بين طرفي الصراع في السودان (الأمة والاتحاديين)، واستمرت طيلة فترة الحملة الانتخابية، وبعد تكوين الحكومة الائتلافية الثانية من حزبي الأمة والشعب الديمقراطي. وأكد السيِّد حامد علي شاش في الحوار الذي أجريناه معه بأن حلايب سودانية دون أدنى شك، لأنها كانت خاضعت للإدارة السودانية منذ بداية عهد الحكومة الثنائية وقبله، وأن سكانها خليط في القبائل البشارية السودانية، ثم أشار في الوقت نفسه إلى موقف الرأي المصري تجاه وحدة السودان وقضية حلايب من خلال قراءته لبعض مقاطع قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي، التي تغنت بها الفنانة أم كلثوم في أربعينات القرن الماضي، والتي تقول:


ولن نرتضي أن تقد القناة ويبتر من مصر سودانها
وحجتنا فيهما كالصباح ليس بمعييك تبيانها
فمصر الرياض وسودانها عيون الرياض وخلجانها
وما هو ماء ولكنه وريد الحياة وشريانها
تتمم مصر ينابيعه كما تمم العين انسانها
وأهلوه منذ جرى ماؤه عشيرة مصر وجيرانها
وكم من أتاك بمجموعة من الباطل الحق عنوانها
ودعوى القوي كدعوى السباع من الناب والظفر برهانها ****

خاتمة
في خاتمة هذا المقال يمكننا القول بأن هذه السياحة لا تغطي إلا نذراً يسيراً عن حياة السيِّد حامد علي شاش العامرة بالعطاء والانجاز، ولكنها في الوقت نفسه تعطي القارئ الكريم بعض الإشارات المتفرقة عن سيرة الرجل وخبراته المتراكمة على امتداد السودان طولاً وعرضاً، وبعض القضايا المحورية التي ينظر إليها من مناظير ثاقبة، مثل قضية التعليم، وعلاقة الشمال والجنوب، والخدمة المدنية ودورها في تنمية المجتمع، ويضاف إلى قائمة ذلك الإرث الإداري المواقف الطريفة التي واجهته في مسارات حياته العملية المتنوعة، والتي تعكس طرفاً في ثقافة أهل السودان ومعالم الشخصية السودانية. وبهذا العرض نصل إلى محصلة مفادها أن سيرة السيِّد حامد علي شاش جديرة بالتوثيق والاقتداء، لأنها تذخر بإسهامات إدارية ناضجة، تحمل بين ثناياها ثلة من العظات والعبر لتثقيف الأجيال الإدارية الصاعدة في السودان، والتي يعتقد بعض أفرادها في أهمية تسييس الخدمة المدنية، وجعلها أداة طيعة تدور في فلك الأطروحات السياسية الرخوة، دون أن يدرك هؤلاء أن مثل هذا التسييس هو الذي أفرغ الخدمة المدنية من مضامينها المهنية في السودان، وجعل الأستاذ علي عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية، يصفها بقلة المهنية وضعف الأداء، بعد أن رفض أهل السياسة الانصياع لمثل هذا النصح بمنعرج اللوي، وأمسوا ينادون به بعد أن أتى عليهم ضحى الغد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.