ساتي ماجد محمد سوار الدهب

شيخ الإسلام في أمريكا الشمالية (1904-1929م)

 

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ترجع صلتي بآثار الشيخ ساتي ماجد محمد سوار الدهب في الولاية المتحدة الأمريكية إلى خريف عام 1993م، عندما نشرتُ مقالاً بعنوان: "الشيخ ساتي ماجد محمد القاضي الذي أصبح شيخاً للإسلام في أمريكا الشمالية"، بمجلة الملتقي التي كانت تصدر في الخرطوم آنذاك، واعتمدتُ في ذلك المقال على وثائق الشيخ ساتي ماجد المودعة بدار الوثائق القومية (الخرطوم)، وكتاب الدكتور عبد الحميد محمد أحمد الموسوم بـ شياخة الإسلام في أمريكا: ساتي ماجد محمد القاضي (1904-1929م) ، فضلاً عن الاستئناس بمقال المؤرخ محمد عبد الرحيم الوارد في كتابه المشهور بـ النداء في دفع الافتراء. وفي العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين ظهرت مجموعة من الأبحاث التي اهتمت بتأثير الشيخ ساتي ماجد على الداعية الإسلامي مالكولم إكس، وبعطائه الدعوي الذي شكل طرفاً من معالم العلاقة التي نشأت بين الشرق والغرب آنذاك، وبدراسة ذلك العطاء في إطار تاريخ الجالية السودانية في أمريكا الشمالية. ونستشهد لتلك الأبحاث بمقال الدكتور محمد وقيع الله، "أربعة مؤثرات سودانية في فكر ومسيرة مالكولم إكس" ، والورقة التي قدمها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم في مؤتمر الغرب بعيون عربية ، وكتاب الدكتورة رقيَّة مصطفى أبوشرف الذي نشرته جامعة كورنيل الأمريكية عام 2002م ، وعرض البروفيسور بدرين حامد الهاشمي طرفاً منه تحت عنوان "ساتي ماجد: أول المهاجرين السودانيين لأمريكا (1904-1929م)"  ، في صحيفة الأحداث، وبعض الوسائط الصحافية الإلكترونية. لا جدال أن كل هذه الأبحاث قد اعتمدت في جوهرها على المعلومات الواردة بين دفتي كتاب الدكتور عبد الحميد محمد أحمد، ثم حاولت أن توطِّن لإسهامات الشيخ ساتي ماجد من زوايا مختلفة، وأن تضيف إليها تحليلات ثاقبة في منظومة الموضوعات البحثية التي أخططتها لنفسها؛ إلا أنها لم تخط خطوة إلى الإمام تجاه توسيع الوعاء المعرفي لسيرة الشيخ ساتي ماجد، الذي تشكل طرفاً منه الوثائق التي عثر عليها الدكتور عبد الحميد محمد أحمد في قرية الغدار عام 1973م، ثم أودعها بدار الوثائق القومية- الخرطوم، وأضحى الطرف الآخر غائباً في أرشيف صحيفة نيويورك تايمز (New York Times)، وملفات القنصلية البريطانية بنيويورك، وأضابير الجمعيات التي أسسها الشيخ ساتي ماجد في الولايات المتحدة الأمريكية في الثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، وأرشيف الجامع الأزهر. ومن ثم آمل أن تكون إعادة نشر هذا المقال في ثوب جديد، حافزاً آخر للمهتمين بإسهامات السودانيين خارج أرض الوطن، ليفيدونا بالطرف الغائب من سيرة هذا الرجل العصامي العَلَم، الذي بنى لنفسه اسماً في بلاد العم سام، وذلك بفضل مشاركته الفاعلة في إرساء قواعد الدعوة الإسلامية في وسط الجالية المسلمة، التي كانت تزاوج بين مبادئ الإسلام العامة وموروثاتها المحلية، القائمة على تراث الاسترقاق والاضطهاد العنصري، والمتأثرة بعادات المهاجرين وموروثات البيئات الدينية التي قدموا منها، ورهنوا طرفاً من وعيهم الديني لمشكلاتها المحلية.  

 

المولد والنشأة

وُلِد ساتي ماجد محمد سوار الدهب بقرية الغدار بالولاية الشمالية عام 1883م،  تلك القرية التي تَبُعد بضعة أميال من مدينة دنقلا العجوز، التي كانت تمثل أحد مراكز التنصير المسيحي في المنطقة، وأولى المناطق التي آمنت الإسلام، حيث توجد بها آثار أول مسجد شُيد في السودان، ومن ثم أضحت موطناً للصالحين والفقهاء العابدين، فقبابها التسعة والتسعين تقف شاهداً على ذلك الإرث التاريخي.  وُلِد ساتي ماجد في هذه البيئة الدينية، لأبوين من أسرة الزياداب التي ترفع نسبها إلى ساتي محمد سوار الدهب بن الشيخ عيسى بن صالح البديري، المشهور بـ "جد الميَّة"، و"أبو العشرة"؛ لأنه قد أنجب عشرة أبناء صالحين، وكل واحد منهم أنجب عدداً مماثلاً من الفقهاء، وبذلك بلغ مجموع أحفاده المائة حفيد.  ولَقَبُ ساتي المضاف إلى اسم الشيخ محمد سوار الدهب، هو لقب مُنحوت من اللغة النوبية (الدنقلاوية)، ويعني الفقير، أو مقرئي القرآن الموهوب لله تعالى، وبعد ذلك أصبح علماً شائعاً في منطقة دنقلا، ولقباً تشريفياً يوازي السيِّد، أو الشيخ.  وحسب رواية صاحب الطبقات، فإن الشيخ عيسى بن صالح البديري كان من جملة أربعين طالباً، بلغوا مرتبة القطبانية في العلم والصلاح عند الشيخ عبد الرحمن بن جابر. وبعد وفاة الشيخ عيسى خلفه ابنه محمد سوار الدهب، الذي أخذ علم العقائد وعلوم القرآن على والده، ثم الشيخ محمد المصري، وحصل بعد ذلك على إجازة الشيخ التلمساني المغربي، ومن ثم أضحى علماً جامعاً بين علوم الظاهر والباطن، ورمزاً دينياً يُشار إليه بالبنان في المنطقة، حيث أخذ العلم عليه نخبة من الفقهاء والصالحين المشهورين في السودان، نذكر منهم: الشيخ عبد الله الأغبش، والفقيه عبد الرحمن ود أبو ملاح والد الشيخ خوجلي أبوجاز، والشيخ عووضة ود شكال القارح، والفقيه حمد ود أبو حليمة. وبفضل هذا العطاء السابل أضحت خلوة آل سوار الدهب من الخلاوى التي تشد إليها الرحال في منطقة دنقلا، حيث ظلت تقابة علمها متقدة بفضل الأجيال التي تناسلت عن الجد المؤسس محمد سوار الدهب، الذي يرفع الشيخ ساتي ماجد محمد القاضي نسبه إليه.

في هذه البيئة المعتقة بتراتيل القرآن، وقراءات مختصر الخليل، ورسالة أبي زيد القيرواني، ومصونة بإرث الأسرة القضائي في المنطقة، وُلِد الصبي ساتي ماجد محمد سوار الدهب، وبدأ مسيرته التعليمية حُواراً في خلوة الشيخ عوض بالغدار، ثم أكمل مشواره في حفظ للقرآن ودراسة مبادئ الفقه بمسيد (مسجد) الشيخ أحمد وديدي بقرية رومي، التي تقع على الضفة اليسرى للنيل، وتبعد بضعة أميال من الغدار.  وبعد أن أكمل معارفه القرآنية والأساسيات في العلوم الفقهية هاجر ساتي ماجد إلى مصر المحروسة، لمزيد من العلم والتعلم بالأزهر الشريف، كعادة أترابه في ذلك العهد. ويبدو أن هجرته إلى الأزهر الشريف تمت في عهد الدولة المهدية (1881-1898م)، التي لم تكن على وفاق مع الحكومة الخديوية، ومع أهالي منطقة دنقلا الذين تعاونوا مع التركية السابقة ضد الثورة المهدية، لذا فإن الخليفة عبد الله أطلق على إمارات منطقة دنقلا التي خضعت للحكومة المهدية لاحقاً إمارات "العفو والإحسان". فضلاً عن ذلك، لم تكن الدولة المهدية مناصرة لطلب العلم خارج حدودها الجغرافية؛ لأن الأولوية أُعطيت لجهاد "الكفرة" الذين رفضوا الإيمان بدعوتها، والمتخاذلين الذين تقاعسوا عن نصرتها. وفي مثل هذا الظرف العصيب هاجر الصبي ساتي ماجد إلى القاهرة، ومكث في رحاب الأزهر الشريف فترة قصيرة، لم تؤهله للحصول على الشهادة العالمية؛ لأنه آثر الهجرة إلى بريطانيا، ولا ندري ما الباعث الحقيقي وراء تلك الهجرة شمالاً، بدلاً من العودة إلى الجذور جنوباً، ومن ثم الإسهام في مواصلة مسيرة أولاد سوار الدهب التعليمية في المنطقة.

وتفيدنا الروايات المكتوبة أن ساتي ماجد وصل إلى بريطانيا في مطلع القرن العشرين، وفور وصوله أقام علاقات وثيقة مع اثنين من المهاجرين، أحدهما سوداني نوبي (كنزي) والآخر يماني. وبعد فترة وجيزة أسس ثلاثتهم جمعية للتبشير بالإسلام في إنجلترا. فكان ساتي ماجد خطيب الجمعية، والمتحدث باسمها، وأمَّا زميلاه الآخران فقد كان يقومان بالترجمة إلى اللغة الإنجليزية.  وعلى حد قول المؤرخ محمد عبد الرحيم فإن أنشطة الجمعية قد جذبت فضول الإنجليز الذين علموا بأمرها؛ إلا أنها لم تؤثر تأثيراً واضحاً في عقيدتهم المسيحية؛ لأن نظرتهم للدين الإسلامي قد تدثرت في ذلك الوقت بالدونيَّة والحذر في آن واحد، فضلاً عن أن الترجمة، كما يرى الدكتور عبد الحميد، قد أضعفت فاعلية التواصل بين صاحب الرسالة وجمهور المخاطبين. 

ويرى المؤرخ محمد عبد الرحيم أن الهجرة إلى بريطانيا كانت بمثابة خطوة تمهيدية، للإعداد إلى لرحلة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ذاع خبر الشُّبهات التي كانت تبثها صحيفة نيويورك تايمز ضد الإسلام والمسلمين، زاعمة بأن الإسلام "دين يبيح أكل لحوم البشر، واستعباد المرأة، واعتبارها رقيقاً يصح بيعها وشراؤها".  ويعني ما ذهب إليه محمد عبد الرحيم، أن ساتي ماجد قد سمع بدعاية القساوسة الكاثوليك والبروتستانت المعادية للإسلام في أمريكا قبل هجرته إلى الجزر البريطانية، إلا أن هذا الزعم يبدو محل نظر، ولا يسنده أي مرجع، ولا تؤيده قرائن. لذا فإننا نرجَّح الظن أن ساتي ماجد قد سمع بهذه الدعاية بعد أن حط رحاله بالأراضي البريطانية التي هيأت له فرصة تعليم اللغة الإنجليزية والتخاطب به في مجال الدعوة الإسلامية.

 

ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة الأمريكية (1904-1929م)

هناك روايتان عن أسباب هجرة الشيخ ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فمصدر إحداهما صاحب الترجمة نفسه الذي ذكر في أشتات وثائقه المودعة بدار الوثائق القومية بالخرطوم أن الهدف الأساس من هجرته إلى الولايات المتحدة هو الرد على الشُّبهات التي درج أحد القساوسة الإيطاليين على نشرها في صحيفة نيويورك تايمز ضد الإسلام.  وبهذه الكيفية حاول الشيخ ساتي ماجد أن ينصب نفسه حامياً لحمي الإسلام، ومدافعاً عنه في بلاد الحرية والعدالة، أو بلاد العم سام كما كان يفضل أن يطلق عليها. أما الرواية الثانية فتفترض أن جمعية التبشير بالدين الإسلامي البريطانية هي التي قررت رفده إلى الولايات المتحدة الأمريكية للرد على الشُّبهات المثارة في صحيفة نيويورك تايمز ضد الإسلام والمسلمين. 

وإن صحت هذه الرواية، أو تلك، فإن الشيخ ساتي ماجد قد وصل إلى ميناء نيوأورليناز الأمريكية على متن باخرة فرنسية قادمة من إنجلترا عام 1904م، وفي تلك الفترة كان عُمْرَه قد تجاوز العقدين ونيف من الزمان. وعند وصوله إلى الولايات المتحدة كان الوجود الإسلامي الرسمي في نيويورك يتمثل في خمسة من رجالات الدولة العثمانية، وهم: السفير أحمد رستم بك، والقنصل العام جلال بك، وإمام جامع السفارة الشيخ محمد علي، فضلاً من مترجمي السفارة والقنصلية. ويقال إن نشاط أولئك الدعاة قد جذب عدداً من السوريين إلى الولايات المتحدة، مثل الشيخ سليمان بدور الدُّرزي الذي أسس جريدة البيان العربية في نيويورك عام 1910م، فضلاً عن مجموعة من بعلبك وتبنين اللبنانيتين، كانت تضم الشيخين خاطر يوسف الديراني، وأحمد حمزة فؤاد. 

        ويعلق ساتي ماجد على واقع حال الدعوة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الأثناء بقوله:

لم تكن لنا في أمريكا حتى عام 1908م هيئة إسلامية منظمة، تقوم بنشر الدعوة الإسلامية، وإنما كنا نعمل نحن المسلمين [...] أفراداً في هذا الميدان، حتى قامت الثورة ضد السلطان عبد الحميد، وأُعلن الدستور العثماني، وتولى عرش الخلافة السلطان محمد رشاد الخامس. ونشأت بين رعايا الدولة العثمانية فكرة العمل لتقوية أسطولها البحري بجمع الاكتتابات. فوصلت إلينا الفكرة في أمريكا، فقبلناها بدافع الرغبة في تقوية الخلافة الإسلامية. وألفنا أول لجنة لجمع التبرعات. وقد انضم إلينا كثير من اللبنانيين، والسوريين المسيحيين، الذين كانوا قد وفدوا قبل ذلك على أمريكا، وتفرقوا في مختلف بلدانها طلباً للعيش، وجمعاً للثروة. وأذكر أننا قد جمعنا مبلغاً وافراً لحساب المدرعة رشادية، التي كانت الدولة العثمانية تبنيها وقتئذ في إنجلترا، ثم استولت عليها الحكومة البريطانية حين إعلان الحرب العالمية.

ولتوطين نشاطه الدعوي بصورة مؤسسية في الولايات المتحدة، لجأ الداعية ساتي ماجد إلى تكوين عدد من الجمعيات الخيرية الإسلامية، مثل: جمعية الاتحاد الإسلامي، والجمعية التبشيرية الإسلامية، وجمعية الهلال الأحمر، والجمعية الخيرية الإفريقية الإسلامية. ويوثق لذلك العمل الرائد بقوله:

إني هاجرتُ إلى بلاد الحرية والعدالة في مدة تزيد على خمس وعشرين سنة، وكنتُ انظر إلى أناس من مهاجري الشرق يتكلمون عن الديانة الإسلامية بوعر الكلام، ولما نظرتُ إلى هذه التعديات قمت ضد المقاومين، وكنتُ أرد عليهم في الجرائد الحرة، ولما وجدت أن النشرات في الجرائد لا تجدي نفعاً، بدأت أعالج الأمر بنشر الدين الطاهر. وكنتُ أجد عنتاً كبيراً من المقاومين، ولكن بفضل الله، وفضل عدالة حكومة العم سام، لم يكونوا يقدرون على عمل شيء فيما كانوا يقاومون به ضد هذا الدين الطاهر. ولما نظرتُ إلى كثرة الذين اعتنقوا الديانة الإسلامية، نظرتُ أن الواجب الديني يلزم له القيام بما فرض الله عليهم من إقامة الصلاة، وصوم شهر رمضان المبارك. ولا يتم هذا العمل الشريف إلا بجمع الكلمة والاتحاد إتباعاً لقوله تعالى: فتمسكوا بحبل الله [كذا]. ونظرنا أن لا قدرة حالية لهذا العمل، إلا أننا أسسنا لهم جمعيات باسم الخير الإسلامية، وبهذا تحصل القوة المالية الكافية لأجل القيام في بنيان جوامع لإتمامها [...]، ومدارس لتعليم أبنائهم. وقد طلبنا التسريح [يقصد التصريح، أو التصديق] لهذا العمل من حكومة أمريكا، فأجابتنا، وأعطتنا جميع مطالبنا.

فجمعية الهلال الأحمر، مثلاً، تمَّ تأسيسها استجابة إلى نداء من الجمعية الإسلامية ببرلين (ألمانيا)، يقضي بحث المسلمين على نصرة الليبيين ضد الغزو الإيطالي عام 1911م، وبموجب ذلك النداء تكونت الجمعية، وجمعت مبلغاً من المال أرسلته إلى الحكومة العثمانية، لتحرير الليبيين من طغيان الإيطاليين الغزاة. واشتركت جمعية الهلال الأحمر والجمعيات المماثلة أيضاً في مؤازرة ثورة 1919م المصرية ضد الاحتلال البريطاني، وتبادلت الرسائل مع بعض سفراء الدولة الغربية لرفع الغبن وشظف العيش الذي كان يعاني منهما بعض المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية. ومعظم تلك الدعوات والنداءات كانت ممهرةً بتوقيع الشيخ ساتي ماجد محمد، بحجة أنه مرشد المسلمين العام، والمتحدث باسمهم في بلاد الحرية والعدالة. ونستشهد في هذا المضمار بالرسالة التي بعثها إلى القنصل البريطاني العام بالقنصلية البريطانية بنيويورك، في 4 أغسطس 1921م، بشأن توظيف البحارة العدنيين الذين فقدوا وظائفهم بالسفن البريطانية بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها.

أنا [ساتي] ماجد محمد مرشد المسلمين في مدينة نيويورك، أرجو احاطة سيادتكم علماً، بأن في مدينة نيويورك عدداً كبيراً من البحارة العدنيين في الجزيرة العربية الواقعة تحت الإدارة البريطانية، وقد عمل هؤلاء خلال الحرب العالمية كملاحين في السفن البريطانية، وقد أبيد عدد هائل منهم أثناء الحرب، أما بواسطة غواصات ألمانيا، وأما بواسطة وسائل الدمار الأخرى التي يتملكها أعداؤكم.

هؤلاء المشار إليهم، عملوا في البحر بتعيين من ضباط إنجليز في عدن، وجاءت خدمتهم لبريطانيا بصدق وإخلاص، وهم اليوم بلا عمل، ويعانون الكثير من الآلام والفقر، وقد علمتُ أن الذين من شأنهم تشغيل الملاحين، أعطوا الولاية لنفر قاموا محلهم بمأموريات.

وأزيد سيادتكم إيضاحاً، بأني بعثتُ برسالة نيابة عن الملاحين المذكورين لمستر جون روكلفر راجياً له بتواضعٍ تخديمهم، وجاءني رده بعدم وجود عمل الآن يناسبهم. وفي الوقت، نجد هؤلاء الملاحين، لا يجدون ما يسد رمقهم فقط، إذ إن الشيخ يحيى- الذي نفد ماله في سبيلهم- كان يمدهم بحاجاتهم المالية. فباسم الإنسانية، وعدالة الإنجليز المألوفة أرجو منكم أخذ الأمر المطروح بالاهتمام، والعناية، والعطف، مساعدة ورحمة لمن يستحقها، وبذلك تكونوا قد أرضيتم الله، وخدمتم الإنسانية.

وجاء رد القنصل البريطاني العام بعد يومين من تاريخ الخطاب المشار إليه أعلاه، وبصورة مُعبِّرة لطبيعة الاحترام المتبادل بين الطرفين، إذ يبتدره قوله:

سيدي:

أخطر سيادتكم، بأني تسلمت خطابكم في الرابع من شهرنا الجاري، والذي تلفتون فيه انتباهي إلى أن هناك عدداً كبيراً من البحارة من مدينة عدن، يعانون ضيق الحياة وشظف العيش هنا.  

رداً على ذلك، أحب أن أؤكد لكم أن حالة محنة كثير من البحارة، وجدت بالغ اهتمامي، وقد تدخلت بصفة خاصة للنجدة في كل حالة تسمح لي اللوائح بها، وبرغم هذا، فإنه لأمر مؤسف إذ لا أستطيع مد يد المساعدة لبحارة لم يتقدموا بطلب نجدة وإعانة في مدى ثلاثة أشهر بعد مغادرتهم سفينة بريطانية. وأخشى أن يكون أولئك البحارة الذين أشرت إليهم بقولك لا يدخلون ضمن تلك المجموعة التي فوضت سلطة تشغيلهم إليَّ، وأنا سأعمل ما يمكنني عمله من أجل إلحاقهم بالعمل في البحر، ولكن الفرص للقيام بذلك لا تتوفر بسهولة في الوقت الحاضر، وكثير من البحارة ممن هم في حالة معاناة الآن، تركوا العمل في السفن البريطانية في وقت إنهم اعتقدوا أنه يمكنهم الحصول على عمل في الميناء، أو أي مكان آخر في ظروف أكثر ملاءمة. والآن، وقد توقف العمل نسبة للازمة التجارية، فإنه لا يبدو لي معقول بالنسبة لهم أن يتوقعوا أن تساعدهم الحكومة البريطانية في موقف أتى نتيجة اختيارهم.

أود أن أطمئنك – على كل حال- فمتي سمحت اللوائح فأني سأعمل كل ما يمكن عمله لهؤلاء الرجال. أما في الوقت [الحاضر]، فإني اقترح أن يتقدموا بطلبات للمنظمات الخيرية.  

وبعد هذا الخطاب الدبلوماسي غير الملزم تواصلت المكاتبات بين الشيخ ساتي ماجد والقنصلية البريطانية في نيويورك والسفارة في واشنطن بشأن البحارة اليمنيين؛ إلا أنها لم تأت بنتائج مثمرة، وذلك من واقع الرسالة التي بعثتها السفارة البريطانية في بواشنطن إلى الشيخ ساتي ماجد في 15 سبتمبر 1921م، والتي تُقْرَأ هكذا: "سيدي، رجوعاً إلى خطابكم إلينا بتاريخ 7 سبتمبر، وبتوجيه كريم من سعادة سفير ملك بريطانيا، أنه يؤسفني أن أقول لكم أنه في موقع لا يسمح له بإيجاد عمل لهؤلاء الرجال."  والمهم في الأمر أن قضية البحارة اليمنيين تعكس مدى اهتمام الشيخ ساتي ماجد بقضايا المسلمين ومشكلاتهم في الولايات المتحدة، وتقدم نموذجاً من القضايا التي كانت يعالجها مع جهات الاختصاص، وبحكم وضعه ممثلاً لشريحة من أبناء الجالية المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية. 

وإلى جانب اهتمامه بقضايا المسلمين ومشكلاتهم، كرَّس الشيخ ساتي ماجد جهده في عقد المحاضرات العامة التي كانت تناقش الشأن الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسعى إلى تثقف العقل المسلم بشأن التحديات التي تواجهه في ذلك الوقت. ونستشهد في هذا المضمار بالمحاضرة القيِّمة التي قدمها بمدينة نيويورك عن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقال إنها قد وجدت استحساناً بالغاً من الرأي العام المسلم، وغير المسلم. وذلك فضلاً عن مناظراته المشهودة ضد خصومة من القساوسة النصارى الذين درجوا على إثارة الشُبُهات حول الإسلام والطعن في شرعية رسالته الخاتمة. ونذكر من تلك المناظرات، المناظرة التي أجراها مع القسِّ الإيطالي الذي فَجَر في ذم الشرق والشرقيين، وطعن في تعاليم الإسلام، "ونسب كل ما يرى من البلاء والغلاء إلى الإسلام والمسلمين."  وعندما جاء دور الشيخ ساتي ماجد في المناظرة، حسب رواية محمد عبد الرحيم، طرح على القس الإيطالي جملة الأسئلة المُفْحِمَة التي تقدح فيما ذهب إليه، وفي مقدمتها سؤاله الذي يقضي بأن السيد المسيح عيسى بن مريم، الذي يعبده النصارى جاء من الشرق، إذاً كيف يجوز للنصارى أن يحطوا من كرامة الشرق الذي أنجب إلههم، وإله آبائهم؟ وبفضل هذا السؤال والأسئلة المماثلة، وعجز القسيس عن الإجابة عنها، أثبت الحضور أن كفة ساتي ماجد كانت هي الراجحة في النقاش. ويبدو أن هذا الانتصار قد دفع أحد المهووسين إلى الاعتداء عليه، وطعنه بآله حادة في صدره، "فسقط على الأرض يتضرج في دمه، فأوقف البوليس الناس، وصار يفتشهم لكي يجد الآلة التي طعن بها ساتي ماجد، وأخذ الأطباء في إسعافه بالعلاج." وأثناء الإسعاف قال المُجنى عليه لهم: "إن وجدتم الجاني، فإني عفوت عنه."  وبذلك قدم الداعية ساتي ماجد نموذجاً رائعاً للتسامح الإسلامي، أفضى بدوره إلى رفعة مكانته الاجتماعية بين الناس، وإلى زيادة عدد المسلمين المناصرين له، ودخول آخرين في دين الإسلام، الذي أطلقوا عليه لقب شيخ الإسلام في أمريكا. أما الحدث الثاني الذي أثاره حفيظة الداعية ساتي فهو ادعاء نوبل درو علي بأنه نبي مرسل، وصاحب رسالة خاتمة، والذي سنتطرق إليه في الفقرات اللاحقة. 

 

نوبل درو علي (1886-1929م) وادعاء النبوة

وُلُد تيماني درو لأبوين من السود في ولاية نورث كارولينا عام 1886م، ولكنه عندما كبر أدعى أن والده مغاربي من شمال إفريقيا، وأمه شيروكية من الهنود الحمر، وفي السادس عشر من عمره انضم إلى فرقة النور التي هيأت له عملية التنقل داخل الولايات الأمريكية، والسياحة في البلدان الإسلامية، ومن ضمنها مصر، والسعودية، والمغرب العربي. ويقال إنه في مصر التقى بأحد العلماء المسلمين الذي قدم له نسخة من القرآن الشريف، وفي بريطانيا منحته الملكة لقب نوبل، وفي السعودية أطلق عليه السلطان عبد العزيز آل سعود اسم "علي"، ويعتقد أنصاره أن ملك المغرب قد كلفه بنشر الدعوة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية.  وبناءً على هذه المزاعم والادعاءات نصب نوبل درو علي نفسه نبياً مرسلاً لإنقاذ السود الأمريكان من الظلمات إلى النور. وبعد ذلك قام بدور مهم في تشكيل أول حلقات السود خارج تعاليم الإسلام المعروفة، وأسس معبداً في مدينة نوارك في ولاية نيوجرسي، أطلق عليه اسم المعبد العلمي الموريسكي (The Moorish Science Temple)، وبدأ فيه بتدريس الإسلام والمسيحية، والأديان والفلسفات الشرقية، مثل البوذية والهندوسية، مع تعاليم ماركوس جارفي.  وكانت خلاصة دعوته تتبلور في حث الأفارقة الأمريكيين على العودة إلى جذورهم، وتبين لهم أن الإسلام عنصرٌ أساسٌ لتحقيق الوحدة والتقدم بين السود، وأن البيض أعداء دائمون للسود، ورمز للشر الذي سيحطم عندما يحل عليهم العقاب الإلهي.  وبهذه الدعوة العنصرية وترهاتها المخالفة لمبادئ الإسلام كسب نوبل درو علي عدداً كبيراً من الأنصار السود في ولايات نيورجرسي، ومتشيغان، ونيويورك، وفلادلفيا، وفي عام 1925م انتقل إلى إلينويس بولاية شيكاغو. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المنسوبين إلى جماعة المعبد الموريسكي قد بلغ ثلاثين ألفَ عضوٍ عام 1928م.   

        ويرى الشيخ ساتي ماجد أن دعوة نوبل درو علي كانت مخططاً مدسوساً ضد الإسلام والمسلمين؛ لأن هدفها الأساس الحد من انتشار الدعوة الإسلامية التي حققت نجاحاً في أوساط السود، والجاليات المهاجرة من أطراف العالم الإسلامي. ويتجلى بُعدها الخفي في ادعاء نوبل درو علي بأنه نبي مكلف، وصاحب رسالة خاتمة، وقرآنٍ مقدسٍ لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. ويصور لنا الشيخ ساتي ماجد هذا الواقع في قوله:

 

ولما نظر بعض المتعصبين إلى انتشار الإسلام، هذا الدين الطاهر، قاومونا فعلاً، ولما عجزوا عن المقاومة بالقوة، قدموا واحداً من المتهوسين لأجل عرقلة مساعي حركتنا بمساعدة الناس الذين هم أمروه بارتكاب هذا الجرم، وفعلاً قام واتخذ اسماً مستعاراً، وكنى نفسه النبي نوبل درو علي، وأدعي بنفسه أنه نبي الإسلام، وصنف مجلداً سماه القرآن الشريف الذي نزل بمكة على نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولما انتشر أمره وقوي، عمل كل جهد في مسبة الدين الإسلامي الطاهر، ومسبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [...] ولما نظر بعض الذين لهم غيرة على الدين الإسلامي الطاهر، أحضروا ليَّ كتاباً كتبه، وأخبروني بما ادعاه هذا الرجل، أطلعت عليه، ولم أجد فيه آية واحدة من آيات القرآن، ولا حديثاً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم [...] كاتبته ونصحتُ له بأن يغير لقبه، ويعدل عن الادعاء بالنبوة، وأن يحرق كتابه الذي لفقه، وأن يسمي نفسه باسم من الأسماء الإسلامية، وأن لا يمس شرف القرآن، القرآن الذي في يدي ثلاثمائة وخمسين مسلماً [كذا]، وأن الله سبحانه وتعالى حافظه من التبديل، والتغيير لقوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون".  

وعندما عجز الشيخ ساتي ماجد عن إقناع مدعى النبوة عن طريق الرسائل المتبادلة والمناظرات، لجأ إلى الحكومة الأمريكية، وطلب منها أن تؤدب الرجل؛ لأنه "أهان الديانة الإسلامية، وأن توقفه عما يدعي من صفة النبوة". فكان رد الحكومة الأمريكية رداً تعجيزياً؛ إذ إنها طلبت منه أن يأتي بفتاوى موثقة من المؤسسات الإسلامية المعترف بها، تؤيد الأحكام التي خلص إليها بشأن نبوة نوبل درو علي. وبغية تحقيق هذا الهدف المنشود غادر الشيخ ساتي ماجد ميناء نيويورك في 31 يناير 1929م، وبعد رحلة بحرية طويلة مر خلالها بالمغرب وتركيا، حط رحاله بميناء الإسكندرية، ومنها اتجه إلى قاهرة المعز، التي اتخذها مقراً لمخاطبة عدد من المرجعيات الإسلامية بشأن نبوة نوبل درو علي، ونذكر منها: مفتي الديار المصرية، وشيخ الأزهر الشريف، وإمام المسجد الأقصى، والمعهد العلمي بالسودان، وعلماء الحرمين الشريفين. وفي خطابه إلى هذه المرجعيات الإسلامية تحدث عن نبوة نوبل درو علي، وكتابه الذي أطلق عليه القرآن الكريم. ونستوثق في هذا المقام بنص الخطاب الذي بعثه إلى الشيخ عبد المجيد سليم  ، مفتى الديار المصرية آنذاك:

حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الكبير مفتي الديار المصرية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.

أنا ساتي ماجد محمد، شيخ الإسلام بالولايات المتحدة بأمريكا، أقمت في هذه البلاد سبعة وعشرين عاماً، أدعو الناس فيها إلى الدين الإسلامي، حتى أثمر مجهودي، فأسلم عليّ خلق كثير. وقد ظهر في ولاية شيكاغو بأمريكا رجل يدعى نوبل درو علي، يدعي النبوة، أي أنه نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. وتبعه قوم من الأمريكان، أخشى أن يكثر عددهم. وقد وقفت في وجه دعوة هذا الكذاب، أرد عليه بالحجة في كل دعواه، فطلبت مني محكمة الولايات المتحدة فتوى من مشيخة إسلامية معترف بالإسلام فيها، فيممت الديار المصرية، لما لها من الشهرة الإسلامية في الولايات المتحدة. بذلك أطلب من فضيلتكم فتوى بأن لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وأن شرعه ناسخ لجميع الشرائع السابقة، وهو باق إلى فناء الدنيا، والسلام.

شيخ الإسلام بأمريكا

ماجد محمد

17/9/1931م 

        ولم تشر الوثائق التي بحوزتنا إلى أن الشيخ ساتي ماجد قد حصل على فتوى من مفتى الديار المصرية، لكن كل المرجعيات التي خاطبها أفتت بعدم شرعية نبوة نوبل درو علي، وحسبته كذاباً مفترياً على الإسلام. ونستشهد في هذا المنعطف برسالة شيخ الأزهر محمد بن إبراهيم الأحمدي الظواهري الشافعي ، والتي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية، ونصها العربي يُقرأ هكذا:-

حضرة الفاضل السيِّد ساتي ماجد.

السلام عليكم ورحمة الله، بعد.

فجوابا ًعلى سؤالكم المتعلق بأن رجلاً يدعي أنه النبي الموعود بمجيئه، وأنه هو الذي بشر به عيسى، وأن الإسلام الذي كان قبله ليس بإسلام صحيح. نفيد: إن كل من ادعى النبوة بعد سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فهو كاذب قطعاً، وكافر بنصِّ القرآن الكريم الذي وصف النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. ولا يسع مسلماً مهما كان مذهبه ونحلته إلا أن يحكم بكفر من يقول في الإسلام ليس بإسلام صحيح. كيف هذا، وقد رضيه الله لعباده ديناً في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾. وقامت البراهين القاطعة، وثبتت آياته الساطعة، وعجز العالمون جميعاً أن يجدوا فيه مطعناً مقبولاً. فمثل هذه الدعوة لا تصدر إلا عن كافر، أو مجنون، لا يستمع له إلا من شاركه في جنونه، فلا التفات لمثله، ولا اعتداد به. 

        إلا أن الشيء المحير في الأمر أن كل الفتاوى التي حصل عليها الشيخ ساتي ماجد صدرت بعد موت نوبل درو علي، ولا نجد تفسيراً موثقاً للُغز الكامن وراء إخفاء خبر وفاته التي حدثت في العشرين من يناير 1930م. وتدفعنا هذه الحيرة إلى عرض حزمة من الأسئلة الإجرائية: هل الشيخ ساتي ماجد لم يكن على علمٍ بوفاة نوبل درو علي؟ أم أنه أخفى الخبر ليسهل أمر سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم كان يريد أن يستخدم تلك الفتاوى ضد أنصار دَعِي النبوة، بحجة أن موته لم يؤثر في اعتقادات الطائفة الموريسكية التي أسسها؟ ولا شك مضابط الحوار الذي أجرته صحيفة البلاغ المصرية مع الشيخ ساتي ماجد عام 1935م تعطي بعض الإشارات الضمنية في هذا الشأن، وتحديداً إجابته عن السؤال: "هل تذكرون لنا بعض هذه المهام التي جئتم من أجلها إلى مصر؟"، فرد الشيخ ساتي ماجد على مراسل الصحيفة بقوله:

"إن طائفة القاديانيين ، تعمل الآن في أمريكا بكل قوة، وهي تزعم أنها تقوم بالدعوة للدين الإسلامي، والدين الإسلامي ينكر أعمالها، وقد استطاعت أن تؤثر في كثير من الناس استناداً إلى ما تورط في كتابته إليها بعض علماء الإسلام في مصر جهلاً بأن هذه الطائفة غير مسلمة. وليست طائفة القاديانية هي الطائفة الوحيدة التي تعمل اليوم ضد الإسلام، أو باسمه في أمريكا، ولكن هناك طائفتان غيرها، إحداهما البهائية،  والأخرى طائفة درو علي التي أدعى زعيمها النبوة، وقال إنه رسول الله للمسلمين. ولقد جئت إلى مصر لإفهام هيئاتها الإسلامية حقيقة هذه الطوائف، والحصول على فتوى شرعية رسمية بكفرها من شيوخ الأزهر، وعلماء المسلمين في البلاد العربية، وقد تحصلت على هذه الفتوى من فضيلة شيخ الأزهر السابق، ولكنه لم يشأ يعطيها الصيغة الرسمية، وإني اجتهد اليوم في الحصول على هذه الصيغة."

يوضح هذا الحوار ضمناً أن الشيخ ساتي ماجد كان على علم بنبأ وفاة نوبل درو علي؛ لأن في إجابته للصحيفة أعطى الأولوية إلى خطر الطائفة القاديانية، ثم البهائية، وتطرق في استحياء إلى طائفة معبد الموريسكي التي أسسها نوبل درو علي، علماً بأن رسالته الأولى إلى المرجعيات الإسلامية كانت تتمحور حول إشكالية نوبل درو علي الذي أدعى النبوة، وصنف مجلداً أطلق عليه القرآن الكريم. وتؤكد هذه الإجابة صحة الافتراض الذي ذهبنا إليه من قبل، أن الشيخ ساتي ماجد ربما أخفى خبر وفاة نوبل درو علي؛ لأنه كان يريد أن يستخدم الفتاوى التي حَصَل عليها من المرجعيات الإسلامية في محاربة الطائفة الموريسكية التي انقسمت بعد وفاة مؤسسها إلى عدة طوائف دينية، أوسع انتشارها طائفة "أمة الإسلام".

إذاً السؤال المصاحب للأسئلة السابقة، هو: ما العائق الذي حال دون عودة الشيخ ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة؟ من خلال قراءتنا لوثائق الشيخ ساتي ماجد يمكننا أن نحصر ذلك العائق في سببين. أحدهما كان مرهوناً بحصول الشيخ ساتي ماجد على ردّ رسمي من جهات الإفتاء المصرية (الأزهر الشريف ودار الإفتاء)، وقد ألمح الشيخ إلى هذه القضية في حواره مع صحيفة البلاغ، إذ يقول: "جئت إلى مصر لإفهام هيئاتها الإسلامية حقيقة هذه الطوائف [أي القاديانية والبهائية والمريسكية]، والحصول على فتوى شرعية رسمية بكفرها من شيوخ الأزهر، وعلماء والمسلمين في البلاد العربية، وقد تحصلت على هذه الفتوى من فضيلة شيخ الأزهر السابق، ولكنه لم يشأ أن يعطيها الصيغة الرسمية، وأني أجتهد اليوم في الحصول على هذه الصيغة."  ويبدو أن الصيغة كانت مرتبطة بقضية تفوضيه من قِبَل الأزهر الشريف للقيام بالدعوة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وعلى النقيض توجد وثيقة غير رسمية تشير إلى أن السلطات المصرية، أعني هنا مشيخة الأزهر ممثلة في الشيخ مصطفى المراغي ، قد رفضت الاستجابة لهذا الطلب، وتعللت بأن الشيخ ساتي ماجد "لا يملك المؤهلات العلمية لترشيحه للبعوث الدينية التي يوفدها الأزهر إلى الخارج". 

وأغلب الظن أن هذا السبب الأول، مقروناً بالسبب الثاني المتمثل في القدرة المالية، قد حالا دون عودة ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة، وفرضَا عليه إقامةً شبة جبرية بقاهرة المعز، التي اتخذها مقراً للتواصل مع تلاميذه، ومحبيه في الولايات المتحدة من طرف، ومع الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية من طرف ثانٍ. وفي خطاب بعثه من السودان إلى مولانا خان بها دور أحمد علاء الدين، يقول ساتي ماجد فيه: "لقد عشت في أمريكا ثلاثين عاماً، أدعو فيها للإسلام، وقد أسلم نحو 45 ألفاً من الأمريكيين على يدي، ووجدت آلاف الهنود والافغانستانيين أنشأوا جمعية المسلمين الأفارقة في أمريكا. [...] وهنا تجدني أطلب مساعدتكم المالية، التي تمكنني من الرجوع لأمريكا، إذ إنني تركت وكلائي هناك، وحقاً أنا في حاجة لنفقات السفر إلى أمريكا."     

وفي ضوء العوائق التي حالت دون عودة الشيخ ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نلحظ أن الدكتور عبد الحميد محمد أحمد يرجِّح كفة السبب الأول، ويعلل ذلك بقوله: "إن الجامع الأزهر كان يقف وراء منعه من الحصول على التأشيرة المانحة للخروج من مصر، وتلك التي تمنحه حق دخول الولايات المتحدة، والأخيرة هي المقصودة على وجه أقرب، ولعل الشجاعة كانت متوفرة في جانب من جوانب هذا المنع، حين قرأتُ أن السفارة الأمريكية بالقاهرة لم تشأ أن تمنحه تلك التأشيرة."   ويمضي الدكتور عبد الحميد في الاتجاه ذاته، ويعزى المنع إلى مؤامرة نسجت خيوطها السفارة الأمريكية بالقاهرة، واشترك الإيطاليون والبريطانيون في الترويج لها، إلا أن الأزهر الشريف كان ضحيتها؛ لأنه ماطل في إعطاء الصيغة الرسمية للفتوى التي أصدرها بشأنِ نُبوة نوبل درو علي في 10 نوفمبر 1931م.

 

قاهرة المعز وهموم الدعوة الإسلامية في أمريكا

كانت إقامة الشيخ ساتي ماجد العارضة بمصر المحروسة تجسد مرحلة انتقالية بين أحلام العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وشد الرحال إلى السودان. وخلال العشر سنوات ونيف التي قضاها الشيخ ساتي ماجد كان مهموماً بالنشاط الدعوي الذي تجلَّت خواتيمه في الفتاوى الداحضة لدعوة نوبل درو علي؛ والمفندةَ لمزاعم القاديانية والبهائية المخالفة لثوابت الإسلام، فضلاً عن اهتمامه الجامح بتقديم النصح والإرشاد إلى أبنائه المسلمين، الذين ترك لهم تسيير زمام الجمعية الإسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية. ونصطحب في هذا الشأن خطابه الآتي إلى أعضاء الجمعية الإسلامية:

 

أبنائي الأعزاء

لقد ذكرتم في خطابكم، أن الذي خلفني في الدعوة باسم المسلمين هو الأخ علي حسن القاضي. فهذا الرجل أعرفه جيداً، لذا أنصحكم بالاهتمام البالغ به حتى أعود بإذن الله، كما أرجو أن تكونوا معه كرماء، تبادلونه هذه الميزة، نسبة لأياديه البيضاء على الإسلام، وزيادة على ذلك، فإن لديه أعمالاً جليلة سالفة علينا. فقد خدم أكثر من ثلاثين سنةً كأحسن ما يكون العمل، حماية لأولئك الذين هاجروا من المسلمين هناك.

أما الذين دخلوا في الإسلام، فسوف أقدم أسماءهم لعلماء الأزهر الشريف، لكي يختاروا الأسماء الطيبة المقبولة لديهم وليباركوها بأنفسهم، بدءاً بهذا الاسم الكبير، الشيخ الحاج عبد الرحمن دياب الذي يظل يداوم على الدعاء إلى الله من أجل تقدمكم، وهناك أسماء تجدونها مرفقة مع هذه الرسالة، لذا أرجو إخطار المسجل المسؤول ليقوم بتسجيل أسمائهم في دفاتر الرابطة باللغتين العربية والإنجليزية، مع ذكر أسمائهم التي كانوا يحملونها قبل دخولهم الإسلام لمعرفة بعضهم بعضاً.

لقد قررنا – أخيراً – إنشاء جمعية تحت اسم رابطة الاتحاد الإسلامي أو رجال الإسلام، وقد تم فعلاً إنشاء الرابطة، وقد جعلنا القاهرة مقراً لرئاستها، وبالتحديد الجامع الأزهر. فهذا الجامع أكبر تجمع ديني، إذا فيه مختلف الأمم من كل جنس، كالصيني، والهندي، والياباني، العراقي، كذلك فيه من العرب والأفارقة الكثير، وفيه أيضاً الروس، والترك، والمغاربة، وكل هؤلاء يشهدون بوحدانية الله سبحانه وتعالى، مؤمنون برسوله الكريم، يفعلون ما أمر الله به في كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بيد يديه، ولا من خلفه.

يبدو- فيما اعتقد- أنكم كنتم جد موفقين في انتخابكم، واختياركم للشخصيات التي جاءت وفق المطلوب، جيدة ومقبولة. 

 

بقراءة فاحصة لهذا الخطاب المنتقى يمكن أن يقف القارئ عند ثلاثة جوانب مهمة أسهمت في تكوين شخصية الشيخ ساتي ماجد الدعويَّة. أولاً: اهتمامه بأبناء الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية، وتواصله المستمر معهم خلال فترة غيابه التي طالت بقاهرة المعز، وحالت ظروف الواقع السياسي والتآمري دون عودته إلى الأراضي الأمريكية. ثانياً: روح الديمقراطية التي أشاعها بين أعضاء الجمعية بشأن انتخاب ممثليهم دون أن يملي عليهم خياراته المفضلة، والشاهد في ذلك تثمينه لانتخاب الشيخ حسن علي القاضي خلفاً له، واختيار أعضاء للجنة التنفيذية للجمعية. ثالثاً: إن تأسيس رابطة الاتحاد الإسلامي، واختيار الأزهر مقراً لها، يبلور نظرته الأممية، وحرصه على جمع الشمل الأسمى بعيداً عن النـزعات الشعوبية. 

        ومن جانب آخر نلحظ أن الخبرة التي اكتسبها الشيخ ساتي في الولايات المتحدة الأمريكية أهلته أيضاً للمشاركة الفاعلة في توثيق الصلة بين أبناء وادي النيل مصر والسودان من طرف، وأبناء الجالية السودانية من طرف آخر. ونستوثق في هذا المضمار بقوله: ظللت بمصر "عشرة أعوام، فجاهدت فيها جهاداً حسناً في جمع شتات الكلمة، وخصوصاً ما بين مصر والسودان، وقد ألفت بها جمعيات، فبالجمعيات يكون التعارف واتحاد الكلمة." ويؤكد هذا الزعم الخطاب الصادر من أعضاء جمعية السودانيين الخيرية بالقاهرة إلى الشيخ ساتي ماجد، والذي يُقرأ نصّه:

 

إلى حضرة صاحب السماحة الأستاذ ساتي ماجد محمد سوار الدهب

السلام عليكم ورحمة الله بركاته، وبعد:

فأنه بناءً على القرار الصادر من هيئة أعضاء مجلس إدارة الجمعية المؤسسين لها في يوم الأحد 19 ديسمبر 1937م، 2 يناير 1938م، و16 يناير 1938م، المُدون في محضر جلسة الجمعية، وبناءً على ما أخذته على نفسك بقسمك يمين الإخلاص أمام هيئة الجمعية، بأن ترشدنا إلى تنظيم جمعيتنا التي أطلقنا عليها اسم جمعية السودانيين الخيرية، والنهضة بها إلى المستوى اللائق بين سائر الجمعيات المماثلة لها في البلاد، وحتى يكبر شأنها ويعظم أمرها، وذلك ما عهدناه فيكم من الجد والاجتهاد في سبيل إعلاء كلمة أبناء السودان، وإصلاح شؤونهم، واتحاد كلمتهم، بما سبق لك تأسيسه من الجمعيات القائمة بيننا الآن، والتي كان لسماحتكم [...] الفكرة الأولى في تأسيسها. فعلى ذلك، قررنا قبولكم رئيساً عملياً للجمعية، راجين أن تكون معنا، فنسعى متضافرين، متحدين، إلى بلوغ الغاية المنشودة من تأسيس هذه الجمعية خدمة للإنسانية.

 

        هكذا كانت حياة الشيخ ساتي ماجد محمد القاضي في مصر، عامرة بالعطاء في فضاءات مختلفة، قوامها الانتماء الأممي للدعوة الإسلامية، والسعي إلى رفع شأنها في الولايات المتحدة الأمريكية، وسداها توثيق عرى التواصل بين شطري وادي النيل (مصر والسودان)، ولحمتها تفعيل النشاط الخدمي والاجتماعي والثقافي بين أبناء الجالية السودانية في قاهرة المعز، وفي تلك الفترة الحرجة في تاريخ العلاقات السودانية-المصرية، وإرهاصات الحرب العالمية الثانية وتداعياتها في المنطقة. 

 

ساتي ماجد ومالكولم إكس

يرى الدكتور محمد وقيع الله أن هناك أربعة مؤثرات سودانية أسهمت في صياغة مالكولم إكس (1925-1965م) الفكرية، ودوره الفاعل في تحويل "مساق العلاقات العرقية في أمريكا إلى الاتجاه الذي تسير عليه الآن، بعد أن بعث في سود أمريكا الثقة بأنفسهم، والاعتداد بقدراتهم"، وشحذ "مسيرتهم في سبيل الانعِتاق، والنماء الذاتي، ونيل الحقوق، والإسهام في تطور المجتمع."  إذاً ما المؤثرات السودانية الأربعة في فكر مالكولم إكس ومسيرته الدعويَّة؟ وكيف يكون الشيخ ساتي ماجد في منظومة هذه المؤثرات إذا كنا نعلم سلفاً أنه قد غادر الولايات المتحدة الأمريكية بعد أربع سنوات من ميلاد مالكولم إكس (1920-1965م)، ولم يعد إليها مرة أخرى؟ توجد الإجابة عن هذه الأسئلة في متن القراءة الحصيفة التي قدمها الدكتور وقيع الله، علماً بأنه قد قَسَّم المؤثرات السودانية إلى مباشرة وغير مباشرة؟  وبذلك وضع الشيخ محمد علي دوس،  والشيخ ساتي ماجد في دائرة التأثير غير المباشر. وعلل تأثير دوس غير المباشر بقوله: إن أيرل لتيل، والد مالكولم إكس، تتلمذ على ماركوس جارفي الذي عمل في مجلة الأزمنة الإفريقية (African Times) التي أسسها الشيخ دوس محمد علي في لندن، والتي أسهمت في صياغة تكوينه الفكري، والقناة الثانية التي انتقل عنها الأثر غير المباشر يتجلى في دور ماركوس جارفي، في انتشال مالكولم إكس من عالم الجريمة والسجون، وإعداده للدور الرسالي الذي تصدى له في إطار نضال السود الأمريكيين.

أما فيما يخص التأثير غير المباشر للشيخ ساتي ماجد فقد اعتمد الدكتور وقيع الله على خطاب صادر من شخص يدعى أليجيا محمد ضمن وثائق ساتي ماجد الواردة في كتاب الدكتور عبد الحميد محمد أحمد، حيث ثمن فيه (إليجيا) إسهامات الشيخ ساتي ماجد الدعوية، وعلق عليها بقوله: "وإن أنسى فإني لا أنسى، أن أشكر لك كلماتك الحكيمة والمفيدة، التي استفدنا منها. وستظل زادنا في المستقبل."  لكن هناك اختلاف حول ماهية الشخص المذكور، هل هو أليجيا محمد مؤسسة أمة الإسلام، أما محمد إلياس الوارد اسمه في رسالة أخرى إلى ساتي ماجد، وتحمل تلك الرسالة العنوان نفسه الوارد في الرسالة السابقة، فضلاً عن أن عنوان أليجيا محمد في ذلك الوقت كان يوجد في حي قمترامك (Gamtrack) وليس حي نمك (Nimick)، كما هو وارد في الرسالة المنسوبة إليه.  فإذا صحت نسبة الرسالة أم لم تصح، فيظل أثر ساتي ماجد على مالكولم إكس أثراً غير مباشر، عبر مرشده الداعية أليجيا محمد، الذي لا ندري إن كان على تواصل مباشر مع ساتي ماجد؟ أم أنه تأثر بدعوته الإسلامية في إطار نهجها العام، ودورها في توسيع قاعدة  الأقلية المسلمة؟

أما عملية الانتقال من التأثير السوداني غير المباشر على مالكولم إكس إلى التأثير المباشر فقد تمت عن طريق الداعية السلفي الشيخ أحمد حسون ، الزعيم الأسبق لحركة أنصار السنة المحمدية في السودان، والذي بعثته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة إلى العمل مرشداً بالمسجد الإسلامي رقم (7)، الذي كانت قيد التأسيس بحي هارليم في نيويورك، وكان مالكولم إكس خطيباً لذلك المسجد. في تلك البقعة التقى الشيخ أحمد حسون بمالكولم إكس، وعمل مرشداً شرعياً له، أعانه في فهم ثوابت الإسلام، وتثقيف مسار دعوته الإسلامية في أوساط السود الأمريكيين. وظل يرافقه في محاضراته العامة وندواته الدينية. وحسب تعليقات إليكس هيلي على مذكرات مالكولم إكس أن الشيخ أحمد حسون هو الذي قام بغسل جثمان مالكولم إكس، وتكيفنه، ودفنه على الطريقة الإسلامية، وذلك خلافاً لعادات الدفن البدعية التي كانت سائدة في أوساط مسلمي أمريكا الشمالية آنذاك. 

وبناءً على الأساس الذي وضعه الشيخ أحمد حسون يأتي تأثير البروفيسور أحمد صديق عثمان شاهقاً وأشد وقعاً على مالكولم إكس وأطول قامة؛ لأنه دخل مع الرجل في حوارات طويلة وسجالات فكرية ناهضة، تطرق إليها الدكتور وقيع الله تفصيلاً؛ لأنها ارتبطت بقضايا محورية، ذات صلة ببعض المسائل العقدية التي كانت تتبناها نحلة المسلمين السود، مثل الاعتقاد بأن إليجيا محمد رسول مبعوث من قبل العناية الإلهية، ومفهوم التفريق بين الناس على أساس ألوانهم وأجناسهم بعيداً عن قيم المساواة التي أخطتها الإسلام.  ومن الشواهد المثبتة لهذا التأثير الخطاب الذي بعثه مالكوم إكس إلى البروفيسور أحمد صديق عثمان في 18 نوفمبر 1963م ، والذي يقول في إحدى فقراته:

 

إلى السيد أحمد عثمان

[...]

أخي العزيز

[...] خلال الشهرين الفارطين كنت في ترحال مستمر، لذا لم أجد أدنى فرصة لأكتب لك رداً على رسالتك إليِّ. وأود أن أحدثك الآن بأني قد استمتعت ملياً بقراءة الكتيبات التي بعثت لي بها في شرح الدعوة الإسلامية، وإني لأود أن أبث هذه الكتيبات وسط حشود الأخوة والأخوات هنا، وذلك بمجرد أن أجد الوسائل اللازمة لإعادة طبعها ونشرها. وأود أن أخبرك بأمر آخر، هو أن بحوزتي ترجمتين لمعاني القرآن الكريم، الأولى بقلم يوسف علي، والثانية بقلم محمد علي، وإني لأوثر الأولى بمزيد حبي وإعجابي. في رسالتك القادمة إليِّ أرجو أن تشرح لي معنى الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، والآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾". أسأل الله أن يوالي نعمه وهدايته عليك.

أخوك: مالكولم إكس 

 

وبهذه الشواهد نصل إلى أن السودان قد أسهم بمؤثرات أربعة في صياغة فكر مالكوم إكس ومسيرته الدعوية، كان أقلّها تأثيراً تأثير الشيخ ساتي ماجد غير المباشر، وأشدها وقعاً تأثير البروفيسور أحمد صديق عثمان، وذلك لما بذله من جهد "لإرشاد مالكولم إكس، وما ابتدره من مساعٍ وأعمال صالحة حميدة في سبيل تصفية [أفكاره] من رواسب القومية العنصرية التي كانت تستبد به."  

 

العودة إلى الجذور وسجادة آل سوار الدهب

عاد الشيخ ساتي ماجد إلى السودان عام 1940م على وجه التقريب، وهو يحمل في حقائب سفره الفتاوى والمكاتبات التي حصلها عليها في القاهرة، والتي تبادلها مع جهات مختلفة، فضلاً عن هموم الدعوة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تمثل شغله الشاغل، ويظهر ذلك الاهتمام في متن الرسالة التي بعثها إلى مولانا خان بها دور أحمد علاء الدين، إذ يقول في أحد مقاطعها: "أتيت للسودان لزيارة أهلي، وأحضرت معي مكتوبات في سنة 1929م، لإنشاء مسجد في أمريكا. وقد طُلب مني أن أصل لكل القناصل المسلمين، وصممت على زيارة حيدر أباد؛ لأن كل المسلمين يحبون شخصكم الكريم."  بَيْدَ أن زيارته إلى حيدر أباد لم تترجم على صعيد الواقع، ومثلها مثل أحلام العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد عودة الشيخ سادتي ماجد إلى السودان أعدَّ السيِّد عبد الرحمن المهدي له محفلاً جامعاً في الخرطوم، حضره أبناء دنقلا، ورهط من وجهاء العاصمة المثلثة، وفي ذلك المحفل جَرَد السيِّد عبد الرحمن إنجازات الشيخ ساتي ماجد، ومجاهداته في رفع راية الإسلام، ثم حثَّ الحضور على ضرورة إكرامه، وتثمين جهوده في نصرة الدعوة الإسلامية والمسلمين. ويبدو أن إقامة الشيخ ساتي ماجد لم تكن طويلة بالخرطوم، حيث آثر العودة إلى الغدار، وطنه الأول. وفي الغدار زاره المؤرخ محمد عبد الرحيم في شتاء عام 1941م، ووصفه بأنه "رجل طويل القامة، كثَّ اللحية، متناسق الأعضاء، وقوراً، كريماً، دمث الأخلاق، يرتدي الملابس الأفرنكية، وعلى رأسه قلنسوة سوداء، مما يلبسه العراقيون عادة. ولو كان السودانيون يقدرون الرجال، لأقاموا التماثيل، لأمثال أحمد محمد سوركتي، وساتي ماجد، ولكن التاريخ هو الحكم في أقدار الرجال، وأبقى لسمعتهم ما دامت الدهور، حتى ينفخ في الصور، ويبعث من في القبور."  ثم يوضح محمد عبد الرحيم أن أهل الغدار اختاروه رئيساً لسجادة أسرة سوار الدهب بدنقلا العجوز، وتؤكد هذا الزعم بطاقته الشخصية، التي تقرأ هكذا: 

وبهذه الكيفية انتقل الداعية ساتي ماجد محمد القاضي من الدور الأممي إلى الدور المحلي في الدعوة والإرشاد، انتقالاً يُشبه انتقال مصطفي سعيد في الشكل، ويختلف عنه في المضامين والغايات؛ لأن صاحبه ظل على عهد في الإرشاد الديني والإصلاح الاجتماعي إلى أن وفاته المنيَّة في الغدار عام 1963م.

 

خاتمة

يمثل اغتراب الشيخ ساتي ماجد محمد القاضي نموذجاً فريداً لاغتراب السودانيين خارج وطنهم الأم؛ لأن الاغتراب في ذلك الوقت لم يكن جزءاً من هموم أهل السودان الرئيسة، إذا استثنينا الهجرة في طلب العلم، سواء كانت إلى الأزهر المعمور أو الحرمين الشريفين، لأن سوادهم الأعظم كانوا أهل زرع وضرع، ولا يفضلون الحياة خارج أوطانهم التي ألفوها، ويكتفون بالحاجي في معاشهم دون التطلع إلى الكمالي. وفضلاً عن ذلك الواقع المألوف الذي تواضعوا عليه، نلحظ أن الدولة المهدية ضيقت فسحة الاغتراب ضيقاً على ما كانت عليه، عندما أعطت الأولوية لجهاد أعدائها في الداخل والخارج، وأغلقت رسمياً نوافذ الهجرة خارج السودان. وفي ذلك الظرف العصيب خرج ساتي ماجد من السودان ميمماً شرط الأزهر الشريف، لمواصلة تعليمه الديني، ولم تحدثنا المصادر التاريخية عن الزمن الذي خرج فيه، والكيفية التي تمَّت بها تلك الرحلة. ويبدو أن هجرته في شأن العلم كانت أشبه بهجرة الشيخين عبد الله بن حمدوه السناري، وأحمد محمد سوركتي، اللذين شدا رحالهما تباعاً إلى الأراضي المقدسة، ثم بعد ذلك انتقل الشيخ أحمد سوركتي إلى إندونيسيا، بينما آثر الشيخ حمدوه السناري الإقامة الدائمة في مكة المكرمة. ولكن الطريف في الأمر أن الداعية ساتي ماجد لم يكمل تعليمه في الأزهر الشريف، بل هاجر إلى ربوع لم يألفها أهل السودان، وفضل البقاء في بيئة غير إسلامية، والمسلمون فيها أقلية مضطهدة، ومثقلة بإسقاطات الواقع المحيط بها. وبذلك يشكل الشيخ ساتي ماجد نموذجاً فريداً للداعية المسلم، ويسجل بجهاده الدعوي فصلاً مهماً من فصول التواصل الثقافي بين الشرق والغرب. وفي الوقت نفسه نلحظ أن الظروف التي أحاطت بأمر رحلته إلى قاهرة المعز، وعدم السماح له بالعودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تجسدان ضرباً من ضروب التآمر ضد الدعوة الإسلامية والإسلام في بلاد العم سام. إذاً هذه التجربة الرائدة تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب، بحثاً ينبسط على مصادرها الأولية المحفوظة في السودان، ومصر، والولايات المتحدة الأمريكية، ويعتمد على آليات أكاديمية-منهجية توطَّن إلى ذلك النموذج الرائع في إطار الواقع الذي عاش بين ظهرانية. فالأمل معقود على باحث نجيب، يحمل قلمه ودواية حبره، ويتصدى لهذه المهمة التي وضع لبناتها الأولى الدكتور عبد الحميد محمد أحمد وآخرون.