الحلقة الخامسة

مدخل تمهيدي
تناولنا في الحلقة الرابعة علاقات سلاطين دارفور بالحرمين الشريفين، ونسعى في هذه الحلقة الخامسة والأخيرة إلى إلقاء الضوء على الدور الإحيائي الذي قام به السُّلطان علي دينار بن السُّلطان زكريا بشأن تجديد علائق أجداده سلاطين الفور بالحجاز في ظل نظام استعماري، له أجندته الخاصة في التعاطي مع الإسلام والمسلمين. وفي هذا السياق، نجيب عن الأسئلة التي طرحناها في الحلقة السابقة: هل حفر السُّلطان علي دينار آباراً لمياه الشرب في ميقات ذي الحليفة بالقرب من المدينة المنورة، كما يُشاع بين الناس؟ وهل كان السُّلطان علي دينار مواظباً على إرسال كسوة الكعبة إلى الأراضي المقدسة؟ وما طبيعة الصُرَّة التي درج على إرسالها إلى الحرمين الشريفين؟


السلطان علي دينار وإرث أجداده
وعندما أدرك الأمير علي دينار أن هزيمة الأنصار أصبحت قاب قوسين أو أدنى في معركة كرري، شدَّ رحاله إلى دارفور؛ لإعادة ملك أجداده السليب. وبعد رحلة مجاهدة طويلة حطَّ رحاله بالفاشر عام 1898م، حيث نصَّب نفسه سلطاناً على دارفور. وفي تلك الأثناء لم تكن الحكومة الثنائيَّة في الخرطوم راغبة في احتلال دارفور؛ لأنها كانت لا تملك مالاً، ولا رجالاً، ولا مواصلات تعينها على الغزو؛ فآثرت الإذعان إلى توصيات اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، الذي أرشدها على تأييد السُّلطان علي دينار، شريطة أن يعلن ولاءه التام إلى سيادة الحكومة برفع العلمين الإنجليزي والمصري على سرايا قصره بالفاشر، ويدفع جزية سنويَّة تقدر بخمسمائة جنيه أستراليتي، تعبيراً عن ولائه السياسي. ويبدو أن السُّلطان علي دينار قد قبل هذا العرض بوعي سياسي، يقضي بإبقاء "شعرة معاوية" موصولة مع الخرطوم إلى أن اندلعت الحرب العالميَّة الأولى.
وفي أثناء هذه الفترة المشوب بالحيطة والحذر (1317-1332هـ/1900-1914م) استقل السلطان علي دينار بحنكة سياسية إعلان حاكم السودان العام، ونجت باشا، في منشور أصدره لخاصة أهل السودان وعامتهم في 28 شوال 1317هـ/ 28 فبراير 1900م، وفي بعض مقاطعه يقول: "ولقد بدأتُ بتشييد مساجدكم، وإقامة شعائر دينكم المقدسة، وتسهيل طريق الحج إلى بيت الله الحرام، بعد أن حال بينكم وبينه أولئك الطغاة العصاة الذين استأصل الله شأفتهم." فلا جدال أن موقفه هذا تجاه فريضة الحج كان عبارة عن كلمة حق أُريد بها باطل، يمكن أن يشوه من خلاله صورة المهدية في أذهان الناس. بيد أن السلطان علي دينار استثمر هذا الموقف استثماراً سياسياً حاذقاً في سبيل تمكين قواعد سلطانه السياسي في دارفور، ومن ثم أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا مفش عام السودان يطلب منه البت في ثلاث قضايا مهمة، تتمثل في رسم حدود سلطنة دارفور، ومساعدته الجيش الحكومي مادياً، والسماح له بإرسال المحمل الشريف إلى مكة المكرمة كما كان يفعل أسلافه سنوياً. فرد عليه حاكم السودان العام، ونجت باشا، بخطاب صادر في 12 محرم 1319هـ/ 1 مايو 1901م، أقر فيه تعيين السلطان علي دينار حاكماً عاماً على دارفور، شريطة أن يلتزم بقرارات الحكومة وسيادتها المبسوطة على كل أنحاء السودان، وأن يدفع جزية سنوية تقدر بخمسمائة جنيه إسترليني، أما قضية المحمل فقد ترك له الخيرة من أمره، تعللاً بأن الطريق سيظل مفتوحاً بين السودان والحجاز، فعلي السلطان علي دينار أن يتصرف ويتدبر أمره بما يراه مناسباً في هذا الشأن. وفي ضوء هذه الترتيبات السياسية أرسل السلطان علي دينار إلى سلاطين باشا خطاباً مؤرخاً في 6 رجب 1321هـ/ 27 سبتمبر 1903م، يخاطبه فيه قائلاً:

أعلم مكارمكم أفندم أنني قد وجهت الأفكار بإرسال الوقف للحرمين الشريفين، وقد تجهز الآن قادماً لأرض الحجاز صحبة المعين من ملوكنا المكرم صالح علي، ومن معه من الرجال قادماً، فغاية الأمل حال وصوله أمدرمان لم يتأخر غير راحة يوم أو يومين، فحالاً تقوموا بواجبات سفره بكافة من معه، وتحرروا له الرواح لمديرون المحطاة [كذا] بربر، ولغاية سواكن، بسرعة قدومهم وشمول نظر سعادتكم نحوهم [...] وبعد عودتهم يفادونا بهم، وهما عل أثر جوابكم يأتونا، كما أملي في سعادتكم رجائي في علو همتكم أدام الله بقاكم.

ويبدو أن هذه الرحلة الحجازية قد كُللت بالنجاح، كما جاء في خطاب السلطان علي دينار المعنون لسلاطين باشا في 27 جمادى الآخر 1322هـ/ 7 سبتمبر 1904م، والذي تقرأ بعض مقاطعه: "... وزيادة سرورنا وحبورنا قيامكم في أمر المحمل النبوي الذي بُعث منطرفنا للحرمين الشريفين، مكة المشرفة والمدينة المنورة، وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ومقابلتكم بالإكرام والإجلال والراحة في كافة لوازم تسهيلاته، وسرعة سفريته على جانب أعتاب الحكومة العادلة في ذهابه وإيابه [...]. وقد تم وصول جمل المحمل ومن معه من المعينين بالسلامة."
فلا عجب أن نجاح هذه المهمة قد شجع السلطان على دينار على إرسال محمل ثان في عام 1321هـ/1904م، مزودٍ بصُرّة الحرمين الشريفين، إلا أن الصُرَّة قد نهبت في الطريق قبل أن تصل إلى مكة، الأمر الذي دفع سلاطين باشا إلى نصح السلطان علي دينار بعدم إرسال المحمل الشريف سنوياً إلى الأراضي المقدسة، وذلك تفادياً لمخاطر الطريق، ويقترح عليه بأن تكون رحلة المحمل الشريف مرة واحدة كل سنتين أو ثلاث سنوات، ويتجلى هذا المقترح في قوله:

جناب السلطان: إن الحكومة لن تدخر وسعاً في منح المساعدة للمحمل الشريف وسوف لن نتأخر على هذا حرصاً منها على احترام الدين والشعائر الإسلامية، وأنا متأسف لعدم وصول هديتكم ألمرسله لبيت الله الحرام. وطالما أن الطريق بعيد وفيه صعوبات فأري أنه لا يوجد موجب لإرسال هذا المحمل كل سنه، بل كل سنتين أو ثلاثة، لأن الثواب ليس بكثرة التردد والمواصلة، بل بحسن النية.

ويبدو أن هذا المقترح قد وجد قبولاً لدى السلطان علي دينار، لأن لم يرسل محملاً شريفاً إلى الأراضي المقدسة عام 1322هـ/1905م، بل استأنف ذلك عام 1324هـ/1906م، عندما أرسل خطاباً إلى سلاطين باشا، في 18 شعبان 1324هـ/ 3 ديسمبر 1906م، يوضح فيه أن المحمل الشريف قد توجه إلى الخرطوم تحت إمرة محمد الشيخ سيماوي الركابي، وفي صحبته ثلاثمائة حاج، ويفصِّل في ذات الخطاب محتويات صُرَّة الحرمين الشريفين التي تتكون من "1100 ونصف قنطار سن فيل، و17 مربوع ريش نعام، و30 رطل ريش نعام أسود، و34 رطل ريش ربده"، ثم يوصى ببيعها في أمدرمان إذا كانت الأسعار مجزية، وفي حالة العدم يتم عرضها في الحجاز، علماً بأن عائداتها ستوزع حسب مصارفها المعلومة لدي أمير الحج محمد الشيخ سيماوي.
وبعد ثلاثة أعوام بدأ التواصل بين السلطان علي دينار وسلاطين باشا، حيث حرر علي دينار خطاباً إلى سلاطين باشا، في 20 جمادى الآخر 1327هـ/ 8 يوليو 1909م، جاء فيه: "من بعد السلام اللطيف لذاك المقام المنيف نخبر جناب سعادتكم أفندم يكون معلوم إننا فيهذا العام عازمين على إرسال المحمل الشريف للحرمين الشريفين انشالله ومن الوجوب إعلامكم بذلك أفندم."
وفي 15 شوال 1331هـ/16 سبتمبر 1913م، أعلم السلطان علي دينار سلاطين باشا بتحرك المحمل الشريف من الفاشر إلي الخرطوم، ومنها إلى سواكن، ثم الأراضي المقدسة، دون أن يدرك أن ذلك المحمل سيكون آخر المحامل الدارفورية الشريفة وصُررها المباركة إلى الحرمين الشريفين، وفي هذا المضمار يقول:

نعرض لجناب دولتكم أفندم أن محملنا لله ورسوله مضت لنا في إرساله عدة أعوام ولم أرسلناه [كذا]، وفيهذا العام استصوبنا إرساله، وها هو قادماً للحرمين الشريفين بعون الله معية خدامنا محمد الشيخ سيماوي، والخدما المحافظين على المحمل الشريف، والحجاج الحاجين من الوطن، ومن حيث أنه من الواجب إعلام سعادتكم بما ذكر فلزم عرض هذا لجناب دولتكم وبه أرجوا من الحكومة تعديهم على جناح السرعة لموافات الحج بالراحة حسب المعهود في عدالتها وتفيدون بما يتم في أمرهم بعد التوجه ونكون ممنون ومتشكر أفندم.

في هذه الأثناء كان سلاطين باشا مقيماً في قاهرة المعز، فأرسل في 1شوال 1327هـ/16 أكتوبر 1913م، برقية لمفتش مركز مدينة النهود يطلب منه أخطار السلطان علي دينار في جبل الحلة بأن المحمل الشريف قد وصل سالماً آمناً إلى الخرطوم، ومنها في طريقه إلى الأراضي المقدسة. فكان هذا المحمل هو آخر محمل تودعه مدينة الفاشر أبوزكريا، وبعده أُسدل الستار على إرث سلاطين الفور وتقليدهم الإسلامي التليد، الذي أضحى أمانة في ذمة التاريخ والمؤرخين.
وتحدثنا المصادر التاريخية أن تحرك المحمل الشريف في الأعوام المشار إليها أعلاه كان له طعم ومذاق خاص في مدينة الفاشر، حيث تتقاطر جموع المودعين إلى ساحة قصر السلطان علي دينار، ليشهلوا موكب المحمل الشريف الذي يتقدمه أمير الحج، وإمام الصلوات الجامعة، وفلول الحجيج القادمة من مدن دارفور وضواحيها والتخوم المجاورة لها. وعندما يستقيم ميسم التجمع في ساحة القصر السلطاني، ويتعالى صوت القرع على نحاسات السلطان، وترفع أصوات المزامير، يخرج ممثل السلطان إلى الجموع ويخطرهم بأوامره القاضية بتحرك المحمل الشريف. وفي ضوء هذه الإشارة السلطانية يبدأ الموكب مشهلاً بآي الذكر الحكيم التي يتلوها طلاب الخلاوى وحفظة القرآن، زافين بها المحمل إلى مشارف مدينة الفاشر. وبعد ذلك يتوجه الموكب صوب الحاضرة الخرطوم، محروساً بجند من الفور يحملون حراباً مذوقة بريش النعام، وبعد راحة قصيرة في الخرطوم يتجدد المسير تجاه الأراضي المقدسة عبر ميناء سواكن ومن بعدها بورتسودان. ويقال أن الناس في جدة ومكة كانوا يخرجون زرافات ووحداناً لمشاهدة محمل دارفور وحراسه الذين درجوا على تقديم بعض العروض الفنية بحرابهم المذوقة بريش النعام وذلك في خفة ومهارة.

خدمات سلاطين دارفور في الحرمين الشريفين
سبق أن تطرقنا في صدر هذا البحث إلى صُرَّة سلاطين دارفور وإسهامها المادي والوظفي في ترقية خدمات الحرمين الشريفين في الحجاز، علماً بأن كل صُرَّة من هذه الصُرر كانت تُصحب برهط من الأغوات الذين اُختيروا للعمل في خدمة الحرمين الشريفين وصون مرافقها، وكانت أجورهم تدفع بصفة دورية، وتمثل جعلاً مهماً من صُرَّة دارفور. وحسب رأي الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر فإن لفظة "الأغوات" يبدو أنها لفظة مستحدثة، لأن المدونات القديمة تستخدم مصطلحات أخرى مثل "الخُدَّام"، و"السدنة"، و"الخصيان"، و"البررة"، وتتباين في تحديد تاريخ تأسيس عملهم الوظفي، وتحديد عددهم الذي بدأ يستقر بين أربعين وثمانين أغاً في أي من الحرمين الشريفين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة /التاسع عشر والعشرين للميلاد. وتدريجياً بدأ هؤلاء الأغوات يشغلون رتباً معينةً في خدمة الحرمين الشريف، مثل: شيخ الحرم، والنقيب، وأمين الخزينة (الخازندار)، والمستلم، والخُبزية، والبطالين. وكانوا يرتدون زياً رسمياً يميزهم عن عامة الناس، وتتجلى سمات هذا الزي في وصف الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت (ت. 1233هـ /1817م) لأغوات الحرم المكي بأنهم كانوا يلبسون عباءات إستانبولية، وأثواباً من أحسن أنواع الحرير الهندي واسعة مطرزة مشدوداً عليها حزام، ويضعون على أكتافهم شالات كشميرية، ويحملون عصي طويلة في أيديهم. أما أعمالهم الوظفية فكانت تشمل نظافة الحرمين الشريفين، وتنظيم حركة الناس بداخلهما، وحفظ الأمن والنظام العام، وبعض الأنشطة الأخرى المرتبطة بزيارة المسجد النبوي والروضة الشريفة. ويصف العياشي طرفاً من هذه الخدمات في الحرم المدني بقوله:

وساداتنا الأغوات، رضي الله عنهم وجازاهم خيراً، لا يغفلون طرفة عين عن حراسة الحرم الشريف، وتأديب من أساء فيه الأدب بلغط، أو رفع صوت، أو نوم، ولو في قائلة إلا في مؤخرة المسجد، ومن وجدوه مضطجعاً من دون نوم للاستراحة، فإن مدَّ رجليه ناحية إلى الحجرة زجروه، وإن استقبل القبلة بوجهه أو الحجرة من غير أن يكون مستدبراً لها تركوه. لا يغفلون عن حضور المسجد في ساعة ليل أو نهار، فإن خرجت طائفة جلست طائفة.

وفيما يخص دارفور فالمصادر التاريخية لا تفيدنا متى بدأ سلاطين الفور يرسلون الأغوات لخدمة الحرمين الشريفين، ويرجَّح الظن أن تاريخ أقدم وثيقة في هذا الشأن يرجع إلى عهد السلطان شاو دورشيت (844-849هـ/1440-1445م) الذي أوقف أرضاً لطائفة "البربرة" في المدينة المنورة، إلا أن هذه الوثيقة كانت مصدر جدل بين المؤرخين، لأنها نسبت شاو إلى السلطان رفاعة وليس دور شيت. وظل هذا الجدل قائماً إلى أن ظهرت وثيقة أخرى يرجع تاريخها إلى عام 1264هـ/1847م، وهي تشير إلى الأوقاف نفسها الواردة في وصية شاو، وتوثق لنـزاع نشب بين مستلم الحرم النبوي الشريف عبد السلام عبد الله أغا ونورين بن عمر الفوراوي ناظر أوقاف الفور في المدينة المنورة. والشريف عبد السلام عبد الله المشار إليه كان من ضمن الأغوات الذين أرسلهم السلطان عبد الرحمن الرشيد (1202-1217هـ/1787-1802م) لخدمة الحرم النبوي الشريف، وقد تدرج في سلك الخدمة الأغواتية إلى أن آلت إليه أمانه مفتاح الحجرة النبوية الشريفة، ونظارة أوقاف الفور في المدينة المنورة خلفاً لنورين بن عمر الفوراوي الذي تولى هذا المنصب قبله بخمسة عشر عاماً. وتبدو صورة أغوات دارفور أكثر وضوحاً في الخطاب الذي أرسله السلطان إبراهيم قرض إلى كبير الأغوات المدينة، حيث خصص فيه ألف ريال من صُرَّة دارفور لأغوات مكة كافة، وأربعمائة ريال لأغوات والده السلطان حسين بن السلطان محمد الفضل، وأربعمائة ريال لدخول أغوين اثنين في خدمة الحرم المكي، وخصص ألف ريال لكبير أغوات الحرم المدني، وألف ريال لأغوات مفتاح الحجرة الشريفة، وأربعمائة ريال لدخول أغوين اثنين في خدمة الحرم المدني.
واستأنفت هذه الخدمات سيرتها الأولى في عهد السلطان علي دينار الذي نشَّط عملية إرسال الصُرَّة وابتعاث الأغوات إلى الأراضي المقدسة، ومن أهم الذين تولوا مناصب قيادية في الحرم المدني الشريف في عهده هو مرجان أغا الذي خلف الشريف عبد السلام عبد الله على مشيخة الأغوات، والشريف نصر الدين أغا الذي شغل ذات المنصب بعد عبد السلام، وظل فيه حتى عام 1384هـ/1964م. ولم تكن هذه الخدمات قاصرة على الحرم المدني، بل شملت الحرم المكي الذي كان يقدر عدد الأغوات الدارفوريين العاملين فيه عام 1376هـ/ 1956م "بأكثر من خمسة وعشرين أغاً"، أشهرهم إسماعيل أغا، وسليم أغا، وجرقندي أغا".
وبعد سقوط سلطنة الفور بعقدين تقريباً حضرت مجموعة كبيرة من أهل دارفور، تقدر بمائة شخص، استقرت بمكة والمدينة، وعمل بعض أفرادها في خدمة الحرمين الشريفين، ونذكر منهم الشيخ عبد السلام جمعة أغا، الذي خلف الشريف نصر الدين أغا على مشيخة الأغوات عام 1384هـ/1964م، وظل في منصبه لمدة واحد وثلاثين عاماً، وفي تلك الفترة آلت إليه أيضاً نظارة أوقاف الفور في المدينة المنورة، وبجانب ذلك كان يشرف على توزيع الزكوات والصدقات على الفقراء والمساكين في المدينة، وكان له شبكة علاقات اجتماعية واسعة مع العلماء وأصحاب المقامات العليا في المملكة العربية السعودية، وزواره من أهل دارفور والسودان. هكذا ظل مقيماً بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحمل التابعية السعودية، إلى أن توفاه الله عام 1416هـ/1995م، وبرحيله طُويت صفحة من تاريخ أغوات دارفور في خدمة المسجد النبوي والحرم المكي، وأُسدل الستار على نهاية فصل من فصول الخدمة الأغواتية في الحرمين الشريفين.

خاتمـة
بهذا العرض نخلص إلى أن سلطنة دارفور كانت من أهم السلطنات الإسلامية في بلاد السودان، وتتجلى هذه النـزعة الإسلامية في ثلاثة أبعاد رئيسة. يتمثل بُعْدَها المحلي في احتفاء سلاطين الفور بالعلماء والأولياء والصالحين، واهتمامهم بالشعائر التعبدية، واستئناسهم بالشريعة الإسلامية في بعض الأحكام الجنائية والمدنية وقضايا الأسرة، ويظهر ذلك جلياً في ثنايا الخطاب الذي بعثه السلطان محمد الفضل (1193-1255هـ/1779-1839م) إلى محمد علي باشا (1220-1265هـ/1805-1848م): "الحمد لله نحن مسلمون [...] ندين بكتاب الله وسنة رسوله (صلعم)، ونؤدي الفرائض، ونترك المحرمات، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، والذي لم يصل نأمره بالصلاة، والذي لم يزك نأخذ الزكاة منه، ونضعها في بيت المال ولا ندخرها، ونرد الأمانات إلى أهلها، ونعطى كل ذي حق حقه، حتى دانت لنا القبائل العظام." ويتشكل بُعْدَها الإقليمي في تواصل سلاطين الفور مع الخلافة العثمانية في استانبول، تعللاً بأنها الممثل الشرعي لقيادة الأمة الإسلامية، ويظهر ذلك جلياً في الرسائل والهدايا التي كانت متبادلة بين استانبول والفاشر عبر حقب تاريخية مختلفة، وقد بلغ هذا التواصل ذروته في عهد السلطان علي دينار بن زكريا الذي رفض الانحياز إلى معسكر الحلفاء وآثر الانضمام إلى راية الخلافة العثمانية، بالرغم من أنه كان يتحسس عواقب انضمامه الوخيمة التي أفضت إلى زوال سلطانه وإزهاق روحه الزكية. ويتجلى بُعدها الثالث والأخير في إرسال الصُرَّة التي كانت تغطى جزءاً كبيراً من مصروفات الحرمين الشريفين والعاملين فيهما. وبموجب هذا التفرد السياسي-العقدي أضحت دارفور محط أنظار السياسيين والرحالة والعلماء والتجار، حيث زارها الرحالة البريطاني وليم جميس براون، وقضى فيها ثلاثة أعوام كاملة (1208-1211هـ/1793-1796م)، استطاع خلالها أن يجمع كماً من المعلومات القيمة عن نظام الحكم في دارفور، وطبقات الناس وعاداتهم، والتعليم، والتجارة. وبعد سبع سنوات أعقبه العالم التونسي محمد بن عمر، الذي زار دارفور في عهد السلطان محمد الفضل، ومكث في كنفه حوالي ثمان سنوات (1218-1226هـ/1803-1811م)، ألف خلالها كتابه الموسوم بـ تشحيذ الأذهان في سيرة بلاد العرب والسودان، والذي يُعدُّ من أغنى المدونات العربية عن تاريخ دارفور، ونظام الحكم والعادات فيها، وتراث أهلها، ولغاتهم وطبقاتهم. وفي عام 1188هـ/1874م زارها الرحالة الألماني جوستاف ناختيقال (ت. 1302هـ/ 188م) ، حيث قضى في الفاشر ستة أشهر في ضيافة السلطان إبراهيم قرض، آخر سلاطين الفور. وبالرغم من الاضطرابات السياسية التي صحبت فترة إقامته في دارفور، إلا أنه استطاع أن يجمع مادة غزيرة وثرة من الروايات الشفهية والمصادر المكتوبة التي تتناول تاريخ دارفور، وأنماط الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في ربوعها، وتوثق لآخر الحلقات المهمة من تاريخها السياسي الذي كان مثقلاً بتآمر خصماء الداخل وأعداء الخارج.
إلا أن هذا الإرث التاريخي قد أفل بريقه ولمعانه في ظل دولة السودان القُطرية الحديثة التي عجزت عن توفير أمن المواطن البسيط في فيافي دارفور القصيَّة والمهمشة، وبذلك أضحت دارفور عرضةً للنهب المسلح، والصراعات القبلية، وتداعيات الجفاف والتصحر، ومعسكرات المشردين، وجدلية تبادل المنافع السياسية العارضة بين متمرديها وحكومة الخرطوم، والقوى الخارجية الطامعة في ثرواتها الطبيعية من طرف ثالث. وبموجب هذه الانتكاسة أمست دارفور أرضاً خصبةً لمنظمات الإغاثة والعون الإنساني، والقوات العسكرية ذات القبُّعات الخضراء والزرقاء، والقنوات الفضائية التي تبث إلينا مأساة إنسانها البسيط عبر شاشاتها البلورية. فعودة الحياة إلى مجاريها في دارفور- التي تقدر مساحتها بخمس مساحة السودان- تحتاج إلى استقامة في قوام العمل السياسي في السودان، وشفافية في التنفيذ الإداري والمهني، وجدَّية في تفعيل العمل الرقابي والمحاسبي القائم على رؤية استراتيجية للإصلاح. فلا جدال أن هذه الأطر العامة تحتاج إلى تفصيل أدق ونقاش أعمق، إلا أن طبيعة هذا البحث لا تسمح بمناقشتها وترشيح آليات تطبيقها على صعيد الواقع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.