(الحلقة الثانية)
تمهيد
أوضحنا في الحلقة الأولى، أنَّ مؤلف كتاب "انفصال جنوب السُّودان"، الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، قد انطلق من فرضية، تَضعُ مسؤوليَّة انفصال جنوب السُّودان على عاتق القُوى السياسيَّة الشماليَّة. وشرحنا كيف عضَّدَ المؤلف فرضيته بثلاث قضايا رئيسة، تعكس ممارسات الساسة الشماليين غير الموفقة تجاه مطالب الجنوبيين، أو حقوقهم المشروعة في قسمة السُّلطة والثروة. وناقشنا في مقدمتها مطلب الدعوة إلى قيام نظام حكم فيدرالي في جنوب السُّودان، وكيف تعامل الساسة الشماليون في الخرطوم مع هذا المطلب، وما طبيعة ردود الأفعال التي حدثت في الجنوب، نتيجة لعدم الوفاء باستحقاق الفيدرالية حسب الالتزام السياسي الذي سبق إعلان استقلال السُّودان من داخل البرلمان عام 1955م، وإلى أي مدى أسهم عدم الوفاء بالالتزام السياسي في تصاعد الأزمة نحو الانفصال؟ وبناءً على هذه الخلفيَّة يتبلور موضوع هذه الحلقة الثانية في مناقشة تمثيل الجنوبيين في المؤسسات الدستوريَّة واللجان القوميَّة والخدمة العامَّة، وطبيعة المشكلات الدستوريَّة التي واجهت الحكومات الوطنية بشأن قضية الجنوب، وكيف تعاملت معها؟ وما ماهية الاتفاقيات التي أُبرمت بين الطرفين للتسوية السياسيَّة؟ وما الأسباب التي أفضت إلى نقضها؟ وأخيراً نتناول الإقرار بحق تقرير المصير، وكيف تمخضت خواتيمه في انفصال جنوب السُّودان؟

التمثيل في المؤسسات الدستورية واللجان القومية والخدمة العامة
ارتكز الضلع الثاني الساند لفرضية الدكتور سلمان إلى قسمة الجنوبيين الضيزى في الوظائف الدستورية، واللجان القومية، والخدمة العامة؛ محتجاً بأن هذه العملية قد بدأت منذ عهد الجمعية التشريعية (1948-1953م) التي كان من المفترض أن يكون للجنوبيين فيها خمسة عشر عضواً بدلاً عن ثلاثة عشر عضواً، وكذلك المجلس التنفيذي الذي كانت عضويته حكراً على الأعضاء الشماليين إلى جانب ممثلي الحكومة من البريطانيين. ولذلك أثار السيد بوث ديو هذه المسألة علناً، عندما طالب بتعيين وزير جنوبي في المجلس التنفيذي يكون مسئولاً عن شئون الجنوب، لكن لم يجد "هذا الطلب، رغم معقوليته، أذناً صاغية من أعضاء الجمعية التشريعة أو المجلس التنفيذي." وكذلك لجنة إعداد مسودة الدستور لعام 1951م التي شُكلت تحت رئاسة القاضي ستانلي بيكر، فقد كان تمثيل الجنوب فيها بعضو واحدٍ، وعضوين آخرين، يمكن دعوتهما عند مناقشة قواعد الانتخابات. ويرى المؤلف أن الأحزاب الشماليَّة أيضاً فشلت في ترغيب الجنوبيين في الوحدة عندما استثنتهم من محادثات القاهرة التي أفضت إلى توقيع اتفاقية 12 فبراير 1953م. وتعاظم التهميش بقرارات لجنة السودنة التي عينت "ستة فقط من أبناء الجنوب بين أكثر من 800 وظيفة تمَّ استيعاب الشماليين فيها، وبذلك شكلت تعيينات لجنة السودنة "مَعلماً بارزاً في ذهن الجنوبيين لعدم المساواة ونقض العهود"، كما يرى المؤلف (سلمان، ص: 55،625). وكذلك لم يكن تمثيل الجنوبيين منصفاً في اللجنة القومية للدستور التي شُكلت في سبتمبر 1956م من ثلاثة وأربعين عضواً شمالياً مقابل ثلاثة أعضاء جنوبيين. وقد علَّق على هذا الوضع المختل استانسلاوس بياساما، عضو اللجنة، عندما رفض اقتراح إجازة توصيات اللجنة بالأغلبية المطلقة، محتجاً بأن تمثيل الجنوبيين في اللجنة لم يكن عادلاً، كما أن للجنوبيين قضايا أساسية (الفيدرالية) يجب أن لا تجاز بالأغلبية الميكانيكية للجنة. وكانت تمثيلهم أيضاً في الوزارات القومية والسيادية التي أعقبت الاستقلال تمثيلاً هامشياً من حيث العدد وأهمية الوزارات التي خُصصت لهم. وتدفعنا هذه الشواهد المختارة للاتفاق مع سلمان بأن عملية توزيع الوظائف والتعيين في المؤسسات الدستورية واللجان القومية والخدمة المدنية لم تكن مصنفةً من الناحية الكمية والكيفية، لكن في آن واحد يجب أن لا نحمل وزر هذا الخطأ كاملاً للساسة الشماليين وحدهم؛ لأن عملية التأهيل والتعيين في الوظائف التي سبقت إعلان الاستقلال كانت من مسؤولية الإداريين البريطانية، الذين أعطوا الأولوية للمؤهل المهني والفني الذي حرم الجنوبيين من شغل كثير من الوظائف. ونلحظ أن وضع الجنوبيين في هذا الشأن كان أشبه بوضع رصفائهم في مديرتي دارفور وكسلا، حيث كان تمثيلهم ضعيفاً في المناصب السيادية واللجان القومية والخدمة العامة التي شغل معظم وظائفها أبناء المناطق النيلية في شمال السُّودان؛ لأنهم حظيوا بتعليم نظامي أفضل في رصفائهم في المديريات الأخرى. لكن هذه الاستدراكات لا تبرر الغبن الذي وقع على أبناء جنوب السُّودان، وفي الوقت نفسه لا تضع المسؤولية كاملة على عاتق الساسة الشماليين، بل يجب أن نراعي دور المستعمر، والإعداد المهني والفني لشاغلي بعض الوظائف، ويجب أن لا ننسى مقاطعة الأشقاء الاشتراك في المؤسسات الدرستورية واللجان القومية. وهذا يعني أن الشمال لم يكن كتلة صماء واحد تجاه التوظيف في المؤسسات الدستورية، ولم يكن صاحب قرار نافذ في التعيين في المؤسسات الدستورية واللجان القومية التي سبقت إعلان تقرير المصير. وتوجد في هذا الشأن أطروحتان مهمتان لنيل درجة الماجستير في التاريخ؛ الأولى منهما بعنوان: "إسهامات الأعضاء الجنوبيين في البرلمان واللجان والمجالس السُّودانية، 1948-1969، للطالبة نجلاء عبد الله محمد يوسف، جامعة الخرطوم، 2004م؛ والثانية بعنوان "النخبة السياسيَّة في السُّودان: دراسة سوسيولوجية لأعضاء الحكومة في الفترة من 1969-1985م"، للطالب محمد فيصل أحمد أوشيك، الجامعة الأردنية، 1997.

الإطار الدستوري ونقض المواثيق والعهود
تعضيداً لفرضيته القاضية بتحميل القُوى السياسيَّة الشماليَّة مسؤولية انفصال جنوب السُّودان، يرى سلمان أن مشروعات الدساتير التي أجيزت في فترات مختلفة لم تراع خصوصية الوضع في جنوب السُّودان، بل أسهمت في تعميق الخلاف بين الشمال والجنوب؛ لأنها عمدت إلى تشريع دساتير "إسلامية عربية للسودان"، ودولة مركز لا مكان فيها للفيدالية التي رُفضت بحجة أنها ستكون "أساساً لانفصال جزء من السُّودان عن بقية القطر"، كما وصفها محمد أحمد محجوب. وهذا التجاهل المتكرر الذي أشار إليه المؤلف في ثنايا كتابه، قد ظهر في العديد من المذكرات التي رفعها الجنوبيون لجهات الاختصاص، محتجين على تمثيلهم غير المنصف في المؤسسات الدستورية واللجان القومية. ويضاف إلى ذلك تجاهل مطالبهم المرتبطة بالفيدرالية، والدستور المدني الذي يجب أن لا يؤسس على قيم دينية. علماً بأن هذا التجاهل والاستخفاف بقضية الجنوب قد خلق واقعاً مأزوماً في معظم أرجاء القطر، مأججاً الصراعات المسلحة ضد حكومة الخرطوم، كما أسهمت بدورها في سقوط الديمقراطية الأولى، ثم اندلاع ثورة أكتوبر 1964م، ثم انقلاب مايو 1969م. ولذلك عندما جاءت حكومة مايو وضعت قضية الجنوب في قائمة أولوياتها، حيث أنها أعطت جنوب السُّودان حكماً ذاتياً إقليمياً بسلطات واسعة في إطار السُّودان الموحد، وعينت وزيراً جنوباً في الحكومة المركزية مسئولاً عن شئون الجنوب، ثم شرعت في إعداد برامج إعمار وتنمية في جنوب السُّودان. وتُوجت هذه الخطوة دستورياً وسياسياً باتفاقية أديس أبابا 1972م، التي يحسبها سلمان خطوة إيجابية تجاه تجسير الثقة بين الشمال والجنوب، وإقرار حق الجنوبيين في قسمة السلطة والثروة؛ إلا أن الرئيس الأسبق جعفر نميري، كما يرى المؤلف، فقد نقض المواثيق المبرمة مع الطرف الآخر، بتعديل الاتفاقية، وإصدار تشريعات سبتمبر 1983م التي رفضها الساسة الجنوبيون، واتخذها بعضهم ذريعة لإعلان الحرب ضد حكومة الخرطوم. بهذه الكيفية، كما يرى المؤلف، ويتفق معهم آخرون، أهدر الساسة الشماليون فرصاً ثمان، كان يمكن أن تستثمر في وحدة السُّودان وتطويره، ابتداء من مطلب الفيدرالية، ومروراً بمخرجات مؤتمر المائدة المستديرة، واتفاقية أديس أبابا، وإعلان كوكادام، وانتهاءً بسلام السُّودان الذي أخفقت حكومة السيد الصادق المهدي في استثماره سياسياً إلى تفاجأ الشعب السُّودان بانقلاب 30 يونيو 1989م، الذي عقد المشهد السياسي، وأصبغ على الصراع الشمالي-الجنوبي بعداً دينياً، جعل خيار تقرير المصير هو الخيار الأوفر حظاً لحل مشكلة جنوب السُّودان.

حق تقرير المصير ودور القُوى السياسيَّة الشماليَّة
كما ذكرنا من قبل أن هذا المحور يمثل بيت قصيد هذا الكتاب، لأن المؤلف عرض فيه إضاءات تاريخية ساطعة ومفيدة لفهم مسار المفاوضات بين الشمال والجنوب، ولتحديد دور كل القُوى السياسيَّة الشماليَّة في إقرار حق تقرير مصير جنوب السُّودان، الذي تجسَّد بصفة رسمية في إعلان فرانكفورت، ممهوراً بتوقيع الدكتور علي الحاج مُحمَّد عن حكومة السُّودان والدكتور لام أكول عن فصيل الناصر المنشق عن الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، وذلك في 25 يناير 1992م. وقد نصّت الفقرة الثالثة من الإعلان: "بعد نهاية الفترة الانتقالية يُجرى استفتاء عام في جنوب السُّودان لاستطلاع آراء المواطنين الجنوبيين حول نظام الحكم الذي يناسب تطلعاتهم السياسيَّة دون استبعاد أي خيار." وحسب تفسير المؤلف أنَّ هذه الفقرة لم تستعمل صراحة مصطلح "تقرير المصير"؛ لكنها أنها أشارت إلى المُقوِّم الأساس لهذا المبدأ، وهو الاستفتاء. ولذلك يرى سلمان أنَّ رفض حكومة السُّودان لمبادئ الإيقاد لسنة 1994م- بحجة أنها تضمنت بنداً يقضي بتقرير مصير جنوب السُّودان- رفضاً غير مبرر في سياق الأحداث التاريخية التي شكل قاعدتها إعلان فرانكفورت لسنة 1992م. ويعتقد المؤلف أن إثارة مقترح تقرير المصير تبلورت أولاً في وقائع الاجتماع الذي عقدته الحركة الشعبية لمكتبها السياسي بمدينة توريت في السادس من سبتمبر 1991م، وأصدرت بموجبه حزمة من القرارات، أهمها القرار رقم (3) الذي نصّت الفقرة الثانية منه على الآتي: "النظام المركزي للحكم في السُّودان، والذي يستند على دعائم العروبة والإسلام مع إتاحة الحق بإقامة نظمٍ لحكمٍ محليٍ ذاتي أو دولٍ فيدرالية في الجنوب (أو أي أقاليم أخرى) تمّت تجربته، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، لذلك تأرجح السُّودان بين الحرب والسلام منذ الاستقلال، وأخذت الحرب 25 من 36 عاماً من هذه الفترة. في أية مبادرةٍ للسلام مستقبلاً سيكون موقف الحركة الشعبية من نظام الحكم هو وقف الحرب باعتماد نظامٍ موحّدٍ وعلمانيٍ وديمقراطي، أو نظامٍ كونفيدرالي، أو تجمعٍ لدولٍ ذات سيادة، أو تقرير المصير."
يعتقد سلمان أنَّ هذا القرار كان يمثل نقطة تحول في شعار السُّودان الجديد الموحَّد الذي رفعته الحركة الشعبية لتحرير السُّودان منذ عام 1983م، وأنَّه كان قراراً استباقياً لإفراغ دعوة الفصائل الجنوبية المنشقة آنذاك من محتواها. وبذلك يدحض المؤلف فرضية الدكتور الواثق كمير، وبعض الشماليين في الحركة الشعبية، التي تزعم بأن تغيير موقف الحركة الشعبية من الوحدة إلى الانفصال ظهر على السطع بعد مقتل الدكتور جون قرنق في أواخر يوليو 2005م. لعلنا نتفق مع سلمان في هذا المنحى؛ لأن هذا الافتراض المتأخر فيه قراءة مغلوطة لتسلسل الوقائع التاريخية، بدليل أن الحركة الشعبية لتحرير السُّودان نشأت في أحضان نظام منقستو هايلي مريام الذي كان يرى في شعار السُّودان الجديد كرت ضغط على الخرطوم لمحاصرة الفصائل المناهضة لنظامه في إثيوبيا. لكن هذه الرؤية قد تبدلت بعد موت منقستو في مايو 1991م، حيث فقدت الحركة الشعبية أهم حليف لها في المحيط الإقليمي، وبذلك عمدت إلى تغيير أجندتها السياسيَّة؛ لتواكب المتغيرات السياسيَّة في الإقليم والسُّودان.
ولذلك يعتقد مؤلف كتاب "انفصال جنوب السُّودان" أن مبادرة الإيقاد لسنة 1994م أُسست في ضوء مخرجات مؤتمر توريت لسنة 1991م، وإعلان فرانكفورت لعام 1992م؛ ولذلك يرى أنَّ رفضها المبكرة في حكومة السُّودان لم يكن أكثر من مناورة سياسية ساذجة، بدليل أن الحكومة قبلت مبادئ إيقاد عام 1997م دون مسوغٍ موضوعي يشفع للرفض الذي تبنَّاه الذي الدكتور غازي صلاح الدين عام 1994م. وفي هذا السياق السياسي، يرى المؤلف أنَّ الحركة الشعبية الأم قد أفلحت في تبني مبادئ مبادرة الإيقاد، وسوقتها بدهاء سياسي في مفاوضاتها مع أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي؛ لانتزاع حق تقرير المصير من الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي وقع معها اتفاقية القاهرة في 13 يوليو 1994م، وحزب الأمة الذي وقع معها اتفاقية شقدوم في 12 ديسمبر 1994م، ثم قوى المعارضة السُّودانية الشماليَّة الرئيسة التي وقعت اتفاقاً مماثلاً في 27 ديسمبر 1994م. وحسب سردية المؤلف التاريخية أن هذه الاتفاقيات الثنائية مع الحركة قد مهدت الطريق لمؤتمر القضايا المصيرية الذي نظمته المعارضة الشماليَّة (التجمع الوطني الديمقراطي) في أسمرا في يوليو 1995م، ودعت الحركة الشعبية لتحرير السُّودان لحضوره. وتبلورت توصيات المؤتمر في الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم السياسي مع الشمال، اعتقاداً بأن هذا الاعتراف سيسهم في إنهاء الحرب الأهلية، ويعزز استعادة الديمقراطية في السُّودان، وكذلك يمهد الطريق لبناء سودان جديد قائم على العدالة والديمقراطية. وبعد فترة وجيزة من إعلان مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا وقَّعت حكومة السُّودان اتفاقية الخرطوم للسلام في إبريل 1997م، تتويجاً للمسار الذي بدأه نظام الإنقاذ في محادثات فرانكفورت لسنة 1992م. ثم أخذت تلك الاتفاقية بُعداً دستورياً عام 1998م، حيث ضُمنت في المادة 139 من دستور السُّودان لعام 1998م، والتي تقضي بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم. وفي هذه الأثناء حدثت المفاصلة في الخرطوم بين صقور النظام والدكتور حسن الترابي الذي خرج من النظام مغاضباً، فأسس حزب المؤتمر الشعبي. وفي 19 فبراير 2001م وقَّع أعضاء من المؤتمر الشعبي وممثلين من الحركة الشعبية "مذكرة تفاهم"، أكد بندها الرابع: "أنَّ حق تقرير المصير حق إنساني مشروع، وأن وحدة السُّودان يجب أن تقوم على إرادة أهله الطوعية، وقد أدان الطرفان محاولات النظام الأخيرة للتنصّل عن حق تقرير المصير بعد أن التزم به في المبادرات والاتفاقيات السابقة." (سلمان، ص 826).
في ضوء هذه الخلفية التاريخية لمسار المفاوضات طرح سلمان أسئلة جوهرية: "ما الذي حدث لخطاب غازي صلاح الدين، ومهمته التي أداها بكفاءةٍ في سبتمبر عام 1994م؟ بل ما الذي حدث لوعده وتصميمه أن يسلّم السُّودان كاملاً للأجيال القادمة؟ وماذا عن تأكيده أن حق تقرير المصير تحت أية مسميات قد تؤدي إلى الانفصال أمرٌ غير وارد، وأن الحكومة غير مستعدة للتباحث حوله؟" لاشك في الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف التناقض الفاضح في خطاب المفاوض السُّوداني، علماً بأن غازي نفسه قد عُين رئيساً لوفد الحكومة المفاوض في كينيا، والذي وقَّع الاتفاق الإطاري في ماشاكوس في 20 يوليو 2002م، وبموجبه مُنح حق تقرير المصير لجنوب السُّودان بعد مرحلة قدرها ست سنوات، وذلك عبر استفتاء يقضي بالوحدة أو الانفصال، ويتم إجراؤه تحت رقابة دولية. يصف سلمان تلك المرحلة من عمر المفاوضات بقوله: "تواصل التفاوض حول قضايا الثروة، و السُّلطة، والإجراءات الأمنية، والتي أصبحت، بعد موافقة الحكومة الرسمية على حق تقرير المصير، تفاصيل لا أكثر ولا أقل. وظلَّ غازي صلاح الدين رئيساً لوفد التفاوض حتى 29 نوفمبر عام 2003م، حيث حلّ محلَّه النائب الأول الأستاذ علي عثمان محمد طه، رئيساً لوفد التفاوض. وهذا يعني أنَّ غازي ترأس وفد السُّودان لمفاوضات السلام لمدة عامٍ ونصف (مايو 2002 حتى نوفمبر 2003م)، تمَّ خلالها اتخاذ أهم، وأخطر قرارٍ في تاريخ السُّودان." بهذه الملاحظة الفطنة يؤكد سلمان أنَّ مسؤولية اتفاقية نيفاشا لسنة 2005م يجب أن تُوضع على عاتق غازي صلاح الدين بدلاً عن علي عثمان محمد طه، الذي أصبح بمثابة كبش فداء لبعض الأخطاء التفاوضية التي وقعت فيها الحكومة السُّودانية.
بهذه المهنية رسم سلمان مساراً تاريخياً لحركة المفاوضات السُّودانية، وبرهن أنَّ القُوى السياسيَّة الشماليَّة والجنوبية على حدٍ سواء قد أقرَّتا حق تقرير المصير لجنوب السُّودان، وفق مسارات سياسية متعددة، عكست مهارة المفاوض الجنوبي الذي استطاع أن يستدرج القُوى السياسيَّة الشماليَّة منفردة للاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان. وكانت الحركة الشعبية تمثل المحور الثابت في المفاوضات مقابل القُوى السياسيَّة المبعثرة في الشمال، والتي لم تتفق على أجندة موحدة. ولذلك كان وضع الحكومة ضعيفاً في التفاوض، إلى جانب اعتمادها على مفاوضين لم تكن لأكثرهم الخبرة العملية أو الدُربة المهنية في مجال المفاوضات السياسيَّة طويلة الأمد، كما أن الرابط الوحيد الذي يجمع بينهم هو انتماءهم إلى المؤتمر الوطني الذي ضيَّق نطاق خياراتهم التفاوضية، وحدد مسارات حركتهم في الاستئناس بوجهات نظر الآخرين.
(نواصل: 2/3)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.