شغلت مشكلة جنوب السُّودان فضاءً واسعاً في أدبيات الدراسات السُّودانية، التي تناولتها من زاويا مختلفة، محللةً جذورها التاريخيَّة، وإفرازاتها السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة على السَّاحة السُّودانية، وكذلك الاتفاقيات التي أُبرمت بشأن تسويتها وأسباب الإخفاق التي وسَّعت رتقها. وبعد توقيع بروتوكول مشاكوس الذي استند إلى مبادئ الإيقاد في 20 يوليو 2002م، صدرت بعض الأدبيات الأكاديمية ذات الصبغة القانونية والسياسيَّة، مناقشةً مفهوم "حق تقرير المصير" الذي أقرَّه البروتوكول، والنتائج التي ترتبت عليه. وكانت معظم توقعات الباحثين تُرجِّح كفَّة انفصال جنوب السُّودان، وبالفعل حدث الانفصال، أو الاستقلال كما يسميه الجنوبيون، في التاسع من يوليو 2011م. لكن هذا لا يعني أنَّ الانفصال كان حدثاً عابراً، استمد شرعيته القانونية والسياسيَّة من بروتوكول مشاكوس المضُمَّن في اتفاقية نيفاشا لعام 2005م، بل أنَّ الانفصال كان نتاجاً طبيعياً للممارسات السياسيَّة والسلوكيات الاجتماعيَّة الخاطئة والمتراكمة، التي برهنت فشل النخب السياسيَّة السُّودانية في الارتقاء بالحوار السياسي من "فن الممكن" إلى "ما ينبغي أن يكون"؛ لإدارة التنوع الثقافي والديني والعرقي المفضي لصيانة وحدة السُّودان. الكتاب الذي بين أيدينا الآن (انفصال جنوب السُّودان: دور ومسئولية القُوى السياسيَّة الشماليَّة)، يناقش قضية انفصال جنوب السُّودان في ضوء الدور الذي قامت به القُوى السياسيَّة الشماليَّة، وطبيعة مسؤوليتها التاريخية والسياسيَّة والأخلاقية تجاه الانفصال. ولعمري أنه جهدٌ توثيقيٌ رصينٌ للعلاقة المضّطربة بين شمال السُّودان وجنوبه، منذ بداية العهد الوطنيّ الأول، وحتّى انفصال الجنوب عام 2011م. صدر الكتاب عام 2015م، من مركز أبحاث السُّودان الذى أسسه المؤلف في واشنطون، بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، مع عقيلته الراحلة فوزية عمر عبد الغني، التي وافتها المنية قبل أن يرى هذا الكتاب النور. يتكون الكتاب من 908 صفحة من القطع المتوسط، مُقسمة إلى فهرس للمحتويات، ومقدمة، وستة عشر فصلاً، وسبعة وعشرين ملحقاً، وثبت للمصادر والمراجع. أما المؤلف فهو الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، الذي تخرج في كلية القانون بجامعة الخرطوم عام 1972م، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون في جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية. وبعد نيله لإجازة الدكتوراه عمل محاضراً بكلية القانون جامعة الخرطوم (1978-1981م)، ثم انتقل للعمل مستشاراً قانونياً في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة بروما حتى عام 1994م. وأخيراً قضى سنوات عمره الديوانية مستشاراً بالبنك الدولي لقوانين وسياسات المياه (1994- 2009م). وفي العام 2001م أختير مديراً لدورية القانون الدولي للمياه بأكاديمية لاهاي للقانون الدولي في هولندا. ومنذ تاريخ تقاعده عام 2009م ظل الدكتور سلمان يعمل خبيراً غير متفرغ لقوانين المياه وسياساتها في بعض المنظمات الدولية والاقليمية، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني. وله سلسلة من الإصدرات العلمية عن قوانين المياه وسياساتها، وقضايا حوض النيل والسُّودان، ومعظمها منشورة في دوريات علمية وصادرة عن دور نشر عالمية مرموقة. ويبدو أن المؤلف من واقع تخصصه القانوني قد أسس كتابه النفيس على فرضية رئيسة، مفادها أنَّ انفصال جنوب السُّودان يُعزى إلى وعود الساسة الشماليين الزائفة للجنوبيين، وإلى "فرص السلام المتعددة التي أهدرها الساسة الشماليون باستخفاف كبير." ولذلك نعت الأستاذ نبيل أديب هذه الفرضية في مراجعته للكتاب "بورقة الاتهام"، أما الأستاذ خالد موسى فقد نظر إليها من واقع أن المؤلف "لا ينطلق من أرضية محايدة، بل يصوب أصبع الاتهام تجاه النخب والأحزاب السياسيَّة الشماليَّة في السُّودان، ويحمِّلها مسؤولية انفصال جنوب السُّودان. ولذلك يتساءل الأستاذ خالد: "هل تحامل المؤلف على القُوى السياسيَّة في الشمال، بمعني أنه مال إلى تضخيم أخطائها وتحميلها المسئولية التاريخية؟ ولماذا مال الكاتب لتبرئة النخب الجنوبية، وتخفيف نبرة النقد على أخطائها، وعدم تحميلها مسؤولية الفشل التاريخي؟" إذاً هذه الملحوظات تقودنا إلى سؤال جوهري: ما الشواهد التاريخية التي استند إليها سلمان؛ لأثبات الفرضية التي شكلت الخيط الناظم لفصول كتابه الستة عشر؟ فإذا حاولنا أن نجيب عن هذا السؤال، ونناقش محتويات الكتاب نقاشاً موضوعياً يستحسن أن نصنف محتويات الكتاب إلى أربعة محاور رئيسة. يرتبط المحور الأول بمطلب الحكم الفيدرالي الذي أثاره الجنوبيون في مطلع العهد الوطني، ثم واصلوا سعيهم أمام الحكومات الوطنية المتعاقبة، التي لم تحسن التصرف. ويتجسد المحور الثاني في تمثيل الجنوبيين غير العادل، حسب وجهة نظر المؤلف، في المؤسسات الدستورية واللجان القومية والخدمة العامَّة في السودان. ويتناول المحور الثالث المواثيق والعهود التي أُبرمت بين الطرفين والنتائج التي ترتبت على نقضها. أما المحور الرابع الذي يمثل بيت القصيد في الكتاب فهو "حق تقرير المصير" الذي أقرَّته الساسة الشماليون في مناسبات مختلفة، وناقشه المؤلف في العشرة فصول الأخيرة من سفره الموثق، موضحاً أبعاده القانونية وتداعياته السياسيَّة التي أفضت إلى انفصال جنوب السُّودان عام 2011م. وفي هذه المدراسة لا نراجع هذا الكتاب الضخم شكلاً ومضموناً مراجعةً تقليديةً، تقوم على عرض فصوله عرضاً وصفياً، بل نحبذ أن تكون المراجعة ذات نظرة تحليلية في العمق، تستند إلى المحاور السالف ذكرها، ومن خلالها نستنبط جملة من التعليقات العامة، والمرتبطة في آن واحد بالأدبيات الأخرى التي كُتبت عن انفصال جنوب السُّودان، ما أدراك ما هو.

مطلب الفيدرالية الحقّ والوعود الذاهلة عن المقصد
قَدَّم سلمان حصراً تاريخياً لمطلب الفيدرالية، الذي ورد في خطابات أحزاب الجنوب الاحتجاجية، وفي مضابط الحوارات الثنائية والجلسات البرلمانية التي جمعت الساسة الشماليين والجنوبيين. ومن أكثر الخطابات التي شرحت شرعية المطلب ومقتضياته خطاب حزب سانو إلى الأستاذ سر الختم الخليفة، بتاريخ 8 نوفمبر 1964م، الذي نصَّ في إحدى فقراته: إنَّ "السُّودان دولةٌ إفريقيةٌ عربيةٌ، لها شخصيان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، إحداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكل بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحِّد السُّودان، ولن تستطيع اللغة العربية، وهي أمور حدثت مبالغة في أهميتهما في السنوات الأخيرة. فالوحدة في نطاق التعددية هي الحل لمشكلة الجنوب. وهو الحل الذي يمكن أن يتجسد في دستورٍ فيدرالي." (سلمان، ص: 23). ربط سلمان جذور هذا المقترح بمؤتمر جوبا الذي عُقد عام 1947م، حيث لامست تعليقات بعض سلاطين الجنوب الذين حضروا مداولاته أطراف الدعوة "لقيام نظام فيدرالي بين شطري البلاد يحفظ ويحترم هذه التباينات." ثم أبان المؤلف بأن مطلب الفيدرالية قد طُرح مرة أخرى في الجمعية التشريعية؛ إلا أن النواب الشماليين أعطوا الأولية لمناقشة الحكم الذاتي وتقرير المصير السُّوداني على حساب مناقشة الفيدرالية في الجنوب. وفي مداولات لجنة إعداد مُسوَّدة الدستور التي ترأسها القاضي البريطاني ستانلي بيكر، طرح السيد بوث ديو مطلب الفيدرالية للمرة الثالثة؛ إلا أن اللجنة رفضت مناقشته، دافعةً بذلك العضو الجنوبي الوحيد في اللجنة إلى مقاطعة جلساتها، ثم الانسحاب من عضويتها. وفي مؤتمر جوبا الثاني الذي عُقد في أكتوبر 1954م، أثير مطلب النظام الفيدرالي لإدارة الجنوب، وصوت عليه 227 من أعضاء المؤتمر الحاضرين، ولم يصوت ضده أحد، بينما امتنع سبعة من ممثل الوطني الاتحاد عن التصويت. (سلمان، ص: 57). وكان امتناع الاتحاديين عن التصويت يمثل رسالة سالبة للساسة الجنوبيين، دفعتهم لأن يرهنوا تصويتهم لصالح استقلال السُّودان في البرلمان بتضمين مطلب الحكم الفيدرالي في وثائق الدعوة للاستقلال. وبالفعل ضُمن المطلب في أحد المشروعات الأربعة التي طُرحت في هذا الشأن، بنصِّ اجمع عليه أعضاء مجلس النواب، مؤداه: "نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث سيُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية." بَيْدَ أن لجنة الدستور التي شُكِّلت بعد استقلال السُّودان رفضت مطلب النظام الفيدرالي، وبرر السيد محمد أحمد محجوب ذلك الرفض بقوله: "إن لجنة الدستور أولت مطلب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان." في عهد الحكومة العسكرية الأولى (1958-1964م) تمَّ الانتقال من الرفض المستتر لمطلب الفيدرالية إلى الرفض الصريح، الذي ابانته عبارات اللواء طلعت فريد، الناطق الرسمي باسم حكومة الفريق إبراهيم عبود آنئذن: "لن نعترف بالفيدريشن، لا نعترف بأية منطقة هي ملك لأبناء تلك المنطقة دون سواهم. إننا نؤمن بالسُّودان كله، شرقه وغربه، وشماله وجنوب، بكامل حدوده الجغرافية وحدة واحدة لا تتجزأ." وبعد ثورة أكتوبر أصدرت الأحزاب الشماليَّة مشروع حل مسألة الجنوب (16 مارس 1965م) الذي تُقرأ إحدى فقراته هكذا: "يشعر السُّودانيون خاصة في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلا خطوة نحو الانفصال؛ لأنه درجة بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية؛ ولأنه نظام ثبت تشجيعه للنعرات الإقليمية والعصبيات المحلية، لاسيما وأنه في هذه الحالة يشكل نزعة إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرب مقاطعات أو دول كانت مستقلة أو شبه مستقلة أو لم يكن بينها إلا الرباط الاستعماري." (سلمان، ص: 93). وصف الدكتور سلمان هذه التبريرات المتواترة "بالبساطة المتناهية" التي حطمت "آمال وتطلعات أبناء الجنوب المتواضعة، وأهدر الشماليون بغطرسة وعناد فرصة وحدة البلاد. وقد بذر هذا الرفض ونقض العهود والاستعلاء بذور الانفصال التي استطالت وآتت أكلها بعد نصف قرن من الزمان." (سلمان، ص: 68).
في ضوء هذه الحيثيات التاريخية المختارة من سرديات الكتاب المفصلة نتفق مع المؤلف بأن النخبة السياسيَّة الحاكمة والمعارضة في شمال السُّودان قد تعاملت مع مطلب النظام الفيدرالي، تعاملاً ذاهلاً عن مقاصده الاستراتيجية، بدليل أنها وصفت المطلب الذي يستند إلى جملة من المسوغات الموضوعية بأنه ربما يؤدي إلى انفصال جنوب السُّودان. أما على المستوى الفردي فكانت هناك آراء شمالية مخالفة لموقف الأحزاب الشماليَّة، إذ أنها ترى في الفيدرالية حلاً لمشكلة الحكم في السُّودان. ونذكر منها موقف الأستاذ محمود محمد طه، والأستاذ إبراهيم يوسف بدري. وعلى المستوى الحزبي وقف الحزب الشيوعي السُّوداني موقفاً مغايراً من الناحية المعيارية لموقف الأحزاب الشماليَّة؛ بدليل أنه طرح فكرة الحكم الذاتي الإقليمي بدلاً عن النظام الفيدرالي؛ إلا أن هذا الاقتراح رُفض في مداولات مؤتمر المائدة المستديرة. ولذلك حاول الأستاذ نبيل أديب، في مراجعته لكتاب "انفصال جنوب السُّودان"، أن يجد تبريراً لموقف الحزب الشيوعي بقوله: "لم يكن اختيار الحزب الشيوعي (الجبهة المعادية للاستعمار)، في تقديري، لنظام الحكم الذاتي الإقليمي ورفضه للنظام الفيدرالي، مبنى على مفاضلة بين النظامين من النواحي الفقهية والسياسيَّة، بقدر ما ... تمَّ تأسيسه على محاولة تفادي لفظ الفيدرالية، مع الأخذ في الاعتبار بواقع التعدد السُّوداني. لم يكن ذلك لأن الفيدرالية لا تلبي احتياجات الواقع السُّوداني، بل لأنها كانت سيئة السمعة، نتيجة لربطها غير المبرر في العقلية الشماليَّة، بأنها مقدمة للانفصال." وواضح من تعليق نبيل أديب أن أحزاب الحركة الوطنية قد تعاملت مع مطلب الفيدرالية بسطحية شديدة، لم تكن نابعةً من فهم فقهي سياسي للمصطلح، بل انطباعات شخصية، عمقت شرخ الثقة المفقودة بين الطرفين، ودفعت بعض الشخصيات الجنوبية المتشددة، أمثال السيد أقري جادين إلى القول بأنه: "قد آن الأوان للجنوبيين أن ينفصلوا وينهوا الوحدة التي انبنت على الصدفة التاريخية، وفُرضت على الجنوب بالهيمنة."
أما داخل اللجنة القومية للدستور فقد كانت مجموعة سعد الدين فوزي، وبشير محمد سعيد، وعابدين إسماعيل، ومكي عباس، وأميل قرنفلي أكثر ميلاً إلى تقديم مسودتين للجمعية التأسيسية، إحداهما عن الدولة الفيدرالية والأخرى عن الدولة المركزية الموحدة. وكان هذا الاقتراح يستند إلى قرار البرلمان الذي كلف الجمعية التشريعية بأن تنظر بعين الاعتبار في مطلب الأعضاء الجنوبيين الخاص بالفيدرالية. وثمَّن الاقتراح الأستاذ عابدين إسماعيل، متعللاً بأنه سيساعد الجمعية التأسيسية في حسم قضية شكل نظام الحكم في السُّودان، ويحفظ الالتزام الاخلاقي، تحسباً من الاتهام: "إننا خدعنا الجنوبيين ليوافقوا على الاستقلال، ثم نأتي اليوم لنتنكر لما ارتبطنا به." إلا أن مجموعة رئيس اللجنة بابكر عوض الله، ونائبه أحمد محمد خير، ومحمد صالح الشنقيطي، وعقيل أحمد عقيل كانت رافضة بشدة لمشروع الفيدرالية. ولذلك عندما أُجري التصويت حصلت هذه المجموعة على 10 أصوات مقابل 8 أصوات للمجموعة الأولى (يوسف محمد علي، ص: 48-50). ويقودنا تباين هذه المواقف إلى القول بأن الساسة الشماليين يجب أن لا يعاملوا ككتلة واحده من ناحية مواقفهم السياسيَّة تجاه قضية الفيدرالية التي طرحها الجنوبيون.

(نواصل 1/3)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.