(تجربة العطاء وعطاء التجربة)

تناولت الحلقتان السابقتان للورقة العلمية- التي قُدمت في الندوة التي نظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان يوم 6 فبراير 2016م بقاعة دار اتحاد المصارف السودانية ضمن فعليات إحياء الذكرى الأولى للأستاذ محمود صالح عثمان صالح (1939-2014م)- نشأة الفقيد وخلفيته التجارية، وحياته المعاشية التي ارتبطت بمركز عبد الكريم ميرغني، وإسهاماته في جمع ونشر الوثائق البريطانية عن السودان، وعلاقته بجائزة الأستاذ الطيب صالح للإبداع الروائي. ونختم ذلك بحلقة ثالثة وأخيرة تعكس طرفاً من الأعمال الإنسانية التي انجزها محمود صالح، وشبكة العلاقات الثقافية- الاجتماعية التي أسسها، واستند إليها في تنفيذ كثير من إسهاماتهالمتنوعة؛ انطلاقاً من اعتقاده الصادق بأن الأعمال الخالدة، تفرض استدامتها بتلاقح الأفكار الناضجة التي تشكل أهدافها، وتحدد مساراتها الإجرائية، وتحقق مخرجاتها الموجبة، وتحترزلأثارها السالبة المتوقعة.   

الأستاذ محمود صالح ومنظمة الساحل البريطانية

لم يكن نشاط الأستاذ الراحل محمود صالح قاصراً على النشاط الثقافي وأهله في السودان، بل تعداهما إلى فضاءات رحبة في العمل الخيري. ونذكر منها منظمة الساحل البريطانية التي أُسست عام 1985م بإعانات مؤسسية وفردية، لمكافحة الجفاف والتصحر اللذين أصابا معظم أقطار الساحل الإفريقي، ووضع بعض الحلول المناسبة للمتأثرين من الرعاة الرحل والمزراعين في مناطق الزراعة التقليدية. وفي السُّودانأنشأت المنظمة مشروع مكافحة الزحف الصحراوي بمنطقة شندي بولاية نهر النيل، ومحلية الدبة بالولاية الشمالية. كما أنشات مشروع العين بمحلية شيكان بولاية كردفان، لإدارة المياه الجوفية والمطرية وتنظيم الغابات الطبيعية. وفي عام 2002م أنشات المنظمة جمعية لتنمية العمل الزارعي والاجتماعي في خور أربعات بولاية البحر الأحمر، وفي 2007م بدأت عملها الخيري في كادقلي وأبيي بولاية جنوب كردفان. وأثبتت الدراسات بأن تجربة منظمة الساحل البريطانية في هذه المناطق كانت ناحجةً؛ لأنها أسهمت في تنمية العمل الرعوي والزراعي، وفي تطوير أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية في أوساط المزارعين  والرعاة الذين استهدفتهم.

كان الأستاذ محمود صالح من الأعضاء المؤسسين والمساهمين البارزين في عمل منظمة الساحل العالمية ببريطانية؛ لذلك عندما تقرر افتتاح مركز عبد الكريم الثقافي بأمدرمان في 15 مايو 1998م دعا الأستاذ محمود صالح السيدة إليزبيث بنغهام، عقيلة اللورد توماس بنغهام، رئيس القضاء البريطاني الأسبق، لتكون ضيف شرف لافتتاح المركز، وذلك تقديراً لعملها الطوعي في جمع التبرعات لتمويل مشروعات منظمة الساحل الإفريقي. وفي كلمتها الافتتاحية ثمنت السيدة إليزبيث دور الراحل محمود صالح في جلب الدعم للمنظمة، وتنفيذها مشروعاتها الخيرية في السُّودان ودول الساحل الإفريقي. وتأكيداً لذلك يقول الأستاذ علي العشي، مؤسس مدارس العشي الثانوية للبنات بورتسودان، وعضو منظمة الساحل، الذي قدم من كندا لحضور مراسيم افتتاح مركز عبد الكريم ميرغني: "تعتبر (SOS) الساحل من أميز المنظمات التطوعية الدولية، وإن وجود سوداني يمثل أسرة عثمان صالح هو مفخرة للسودان باعتباره أحد رموزها، وموضع ثقة المانحين الدوليين؛ لذلك ينساب الدعم للسودان دون عقبات تذكر."

الأستاذ محمود صالح وعلاقاته الثقافية- الاجتماعية

أسس الأستاذ محمود صالح شبكة علاقات اجتماعية وثقافية واسعة، لاتحدها فواصل المذاهب العقدية، ولا تعيق مسارها إشارات الانتماءات السياسية الحمراء، ولا تقف عند ضفافها التصنيفات العرقية، بل نجدها منداحة بين مثقفي الشمال والجنوب والشرق والغرب في السُّودان، وبين مثقفي وأكاديمي المدن العالمية الراعية لحركة التنوير المعرفي، والمهتمة بالدراسات السُّودانية. والشاهد على ذلك مقدمته الضافية لمجلدات الوثائق البريطانية عن السُّودان، والتي يقول فيها: "لقد حرصنا قبل بداية هذا المشروع على أن نستطلع آراء بعض المتخصصين في هذا الشأن، الذين كان لهم السبق العلمي والمهني فيه، ومنهم الأساتذة: البروفسور بيتر هول، والبروفسور نيفل ساندرسون، والبروفسور بيرت وودورد، والبروفسور شون أوفاهي، والبروفسور مارتن دالي، والبروفسور تيم نبلوك، والبروفسور جون هنوك، والبروفسور هارلد ماركس، والدكتور آندرز بركيلو."

وبالنسبة لترجمة الوثائق البريطانية يقول: "ويسعدني أن أشير بكثير من التقدير إلى أن الأساتذة الأفاضل الذين شاركوا في ترجمة هذه الوثائق، وقد أقبلوا على هذا العمل بقدرات متميزة، وانتماء للوطن، وحماسة بينة، وتفانٍ غير محدود ... وهم: البروفسور حسن أحمد إبراهيم، رئيس شعبة التاريح والحضارة في الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، والبروفسور محمد سعيد القدال، رئيس شبعة التاريخ بجامعة عدن، اليمن؛ والدكتور خالد المبارك، زميل معهد الدراسات الشرق-أوسطية في جامعة كمبردج، والبروفسور فيصل عبد الرحمن علي طه، أستاذ القانون الدولي، شعبة القانون جامعة الخرطوم، وحالياً المستشار القانوني لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ والدكتورة فدوى عبد  الرحمن علي طه، قسم التاريخ، جامعة الخرطوم؛ الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك، مركز الدراسات الشرق-أوسطية والإسلامية، جامعة بيرقن، النرويج."

ثم يمضي الأستاذ محمود صالح في المسار العرفاني ذاته، قائلاً: "وتجدر الإشارة إلى أن كثير آخرين أسهموا بصورة مباشرة وغير مباشرة في رعاية وانجاح هذا المشروع، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة: بول ولسون، صاحب مكتبة الكتب الشرقية والإفريقية، والدكتور الباقر أحمد عبد الله، وفضل الله محمد، والسر قدور، وأحمد عبد المكرم، وهم من صحيفة الخرطوم؛ وأحمد بدري، من المدرسة السُّودانية لندن؛ والدكتور أنور عبد الماجد عثمان، قسم الآثار، جامعة بيرقن، النرويج؛ ولسلي فوربز، مكتبة بودليان، أكسفورد، وجين هوجان، مساعد المشرف على أرشيف السُّودان درهام، والسير دونالد هولي، والطيب صالح، والدكتور محمد إبراهيم الشوش، ومحمد الحسن أحمد، وأمير الصاوي، وحسن تاج السر، والدكتور أحمد البشرى، والدكتور عمر النقر، وصلاح أحمد محمد صالح، والدكتور فاروق محمد إبراهيم النور، ويونس الدسوقي، والدكتور كمال عبد الكريم ميرغني، وعثمان فضل، ومحجوب شريف."

ثم ينتقل إلى الدار التي أشرفت على طباعة المجلدات، والتي اسهمت في ربط لبنان بالخرطوم، قائلاً: "وإنه لمن الفأل الحسن أن قام الأستاذ رياض الريس، صاحب دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت، بالعمل على أخراج هذه المجلدات إلى النور. وقد أعطاها من جهده ووقته الكثير، نظراً إلى صلاته الحميمة بالسُّودانيين، حيث إن جده عمل لفترة ليست بالقصيرة في السُّودان." ثم يتنقل إلى مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، ويخص بالتقدير والعرفان: "الدكتور حسن أبشر الطيب، عضو مجلس أمناء المركز... والأستاذ مبارك محجوب، شيخ مجلس أمناء المركز." ولاينسى أيضاً المؤسسات التي ساعدت في تنفيذ هذا المشروع، ويذكر منها دار الوثائق البريطانية، ومعهد دراسات الكومنولث في جامعة لندن.

وهذا نموذج واحد، أوردته على سبيل التدليل؛ لأنه يعكس طرفاً من شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية المنداحة التي أسسها الأستاذ محمود صالح، والتي استأنس باستشاراتها وتعاونها، فكانت استجاباتها ترقى إلى مصافي توقعاته؛ تقديراً وعرفاناً لجهوده المثمرة، وحسن تواصله مع الآخرين؛ لأنه كان من الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ. وإلى جانب هذا التشبيك المؤسسي كان الأستاذ محمود يهتم بالعلاقات الإنسانية التي تغذي شبكة علاقاته الثقافية، وأصدق شاهد ذلك كلمات الدكتورة هويدا فيصل عبد الرحمن بجامعة بيرقن، عندما أخبرتُها بوفاة الأستاذ محمود صالح، فكتبت قائلة: "إنه خبر محزن وفقد جلل. لقد كان محمود رجلاً عظيماً، ولدي احترام خاص له. لا أنسى فضله عندما حضر نقاشي لنيل درجة الدكتوراه، بعد أن علم أنَّ والدي لا يستطيع الحضور بسبب المرض. ثم عمل حفلاً كبيراً بهذه المناسبة." هكذا كان محمود شمعةً تذوب وتحترق من أجل إسعاد الآخرين. وتقديراً لذلك الإسعاد والاستجابة الصادقة لعواطف الغير، أشرفت الدكتورة هويدا فيصل ونظمت حفل التأبين الذي أعدَّته جامعة بيرقنوأصدقاء محمود بالنرويج في يوم 17 نوفمبر 2014م، وفاءً وعرفاناً لهذا الرجل النبيل.

وبشأن نماذج التواصل الاجتماعي غير المحدود، يقول الأستاذ علي العشي: "لم يقتصر دور [محمود] على جذب المستثمرين للوطن، بل تعداه لإكرام الموتى من ابناء عمومته الذين يتعثر ترحيل رفاتهم من أرض الاغتراب للوطن، فقام الرجل بشراء قطعة أرض ممتده بحي السيدة زينب بالقاهرة، وأكمل تجهيزاتها، وأدخر كميات من الأكفان للمحتاجين، وأودع مفاتيح المقبرة لقنصلية السُّودان بالقاهرة. فمحمود صالح هو النموذج للمواطن الصالح، الذي يستحق التخليد والتكريم داخل وطنه، فالرجل يعمل لأخرته أكثر من دنياه، يتفقد المرضى، ويزور المعدمين ويلبي احتياجاتهم." ويؤكد ذلك قول الدكتور ياسر علي، قنصل السُّودان بالقاهرة: "أيام عملي بسفارتنا في القاهرة، وكنت وقتها مشرفاً على القسم القنصلي، وكان ذلك في النصف الثاني من العشرية الماضية، حيث أبلغتني إحدى الموظفات في القسم، أن شخصاً اسمه محمود عثمان صالح يرجو مقابلتي!! استقبلت الرجل، ومن هيئته ظننت أنه يود أنيوثق بعض المستندات التجارية. إذ لفت إنتباهي بأناقته في غيرتكلف، وحديثه المهذب. ولكن ماحدث لم يكن يخطر ببالي، إذ قال لي: أنه يود أن يترك لديّ مبلغاً من المال، وأنه يفوضني لأنفقه على من يستحق، وطلب مني أن يكون الأمر سراً بيننا .. حينها إمتلأت نفسي بالإمتنان والإجلال والإكبار لهذا الرجل الفريد، الذي أسأل أن يتقبل منه ذلك، وأن يرحمه بحق كل من وصلهم ماله. لم يكن محمود منفقاً وحسب، بل كان دالاً على الخير، إذ أتاني أكثر من مرة وبرفقته بعض أصدقائه من رجال الأعمال السُّودانيين؛ ليقدموا ما تيسر لهم من مال، خدمةٍ للمعثرين من أبناء وطنهم في مصر. وكان هناك بعضاً من رجال الأعمال السُّودانيين الذين يداومون على الإنفاق عبر القنصلية، ودوماً مايشترطون عليّ التكتّم في الأمر، وكانت مساهماتهم تصلني عبر رسلهم.... أما محمود فقد كان مختلفاً عنهم جميعاً. فكنت أُحرج بتجشُّمه مشقة الحضور لمكتبي، فقلت له مرة: بالرغم من أنني أسعد بزيارتك لي في السفارة؛ إلا أنني يمكن أن أرسل لك من يقوم بالمهمة دون حضورك. فأجابني بلطفه المعهود: يعني ما عايزني أجيك ولاشنو؟"   

كيف نخلّد ذكرى الأستاذ محمود صالح؟

لاشك في أن الأستاذ محمود صالح قد نحت اسمه بأحرف وضيئة في ذاكرة الثقافة السُّودانية، وذلك بفضل انجازاته الرائدة التي ستظل شواهداً شامخات على مر الدهور والأزمان. ولكن هذه الشواهد يجب أن تحافظ على رونقها بأحياء بعض الأنشطة التي كانت تمثل جزءاً من أجندة الراحل المستقبلية. وهنا يحضري الخطاب الذي بعثه الأستاذ الصادق عوض بشير إلى إدارة مركز عبد الكريم ميرغني من المملكة العربية السعودية، قائلاً: "إن ما قام به المركز من انجاز تاريخي لا يقدر بثمن، وما قام به الأخ محمود بالذات من مجهود خارق، هو بكل المقاييس انجاز (اليونسكو)، وليس انجاز مركز صغير بحجم مركزنا، والذي ارتفعت قامته بهذا الانجاز غير المسبوق، فأصبح مركز عبد الكريم ميرغني هو يونسكو السُّودان دون منازع، ومنارةً شامخةً في العوالم العربية والإفريقية، والإسلامية. واقترح عليكم في اللجنة الثقافية أن تعكفوا على استنباط ستة عشر موضوعاً هاماً من الوثائق بمعدل موضوع لكل سنة، ثم بلورتها في شكل محاضرات وندوات، يُقدمها ويُسهم فيها المثقفون والسياسيون وعلماء التاريخ والاجتماع، وطبعها أخيراً في مجلد قائم بذاته، ينضم إلى الاثني عشر كوكباً، بعنوان: "الرؤية البريطانية لأحداث بلادنا من منظور سوداني."

​احترز بعض الباحثين بشأن الوثائق البريطانية والكتب التي عرَّبها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي؛ لتكون مادتها متاحة للقراء والباحثين السُّودانيين وغيرهم، ونذكر منها: الوثائق البريطانية عن السُّودان (1940-1956م) ، والسُّودان للسير هارولد ماكمايكل، وكيف أُعد السُّودانالحديث لمحرره د.د. هندرسون، أحد مدراء مديرية دارفور في العهد الثنائي، والكتاب الأخير يحوى بين دفتيه طرفاً من حياة السير دوغلاس نيوبولد الذي شغل العديد من الوظائف الإدارية المفتاحية في السُّودان-الإنجليزي المصري (1898-1956م). وكان احتراز أولئك الباحثين يتبلور في أنَّ الوثائق البريطانية عن السُّودان والكتب المُعْرَّبة لاتصلح أن تكون المصادر الأوليةالوحيدة لتاريخ السُّودان الحديث والمعاصر؛ لأنها قاصرة على رؤية المستعمر التبريرية، التي لا تعطي صورة كاملة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السُّودان. لاشك في أنَّهؤلاء الباحثين محقون نسبياً فيما ذهبوا إليه، لكن المترجم والمشرف على ترجمة الوثائق البريطانية والكتب المكملة لها كان على دراية بذلك، بدليل قوله: "إنَّ هذه الوثائق تمثل بطبيعة الحال وجهة النظر البريطانية، ولهذا فإن المعرفة المتكاملة بالأحداث وبدرجة متوازنة لا تتم إلا بتوافر الوثائق المصرية والسُّودانية عن الفترة ذاتها، لكي يلمَّ القارئ بكليهما." فإذا قرأنا هذا النصَّ بإمعانٍ نلحظ أن رؤية محمود صالح كانت لها قواسم مشتركة مع رؤية البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي في سلسلة إصداراته المعربة من أصول إنجليزية عن تاريخ السُّودان،والمعروفة بـ "السُّودان بعيوب غربية". وأحد القواسم المشتركة تثمين الهاشمي لفوائد الإطلاع على الكتابات المترجمة؛ لأنها تعرفنا على ذواتنا عند الآخرين، "وكيف ينظرون إلى كثير مما نغفل نحن عنه، بحكم الألفة والتعود، رغم أن البعض منا تضيق صدورهم بالنقد أنَّى كان مصدره، وتبغض نفوسهم أن توجه إليهم سياط النقد من غير أهل البلاد، خاصة ممن حكمونا في العهد الاستعماري. وصدق من قال إنَّ المعاشرة حجاب."

​يؤكد ذلك البروفيسور يوسف فضل حسن في الورقة العلمية التي عرضها في ندوة تدشين الوثائق البريطانية عن السُّودان، 1940-1956م، والتي أشار فيها بقوله: إنَّ الوثائق البريطانية تشكل "مصدراً وثائقياً مهماً لكتابة تاريخ العهد الثنائي. فهي تمثل كماً هائلاً من الوثائق الرسمية، والأوراق الخاصة بالإدرايين الذين عملوا في خدمة حكومة السُّودان، وتشمل مذكراتهم ورسائلهم الخاصة إلى ذويهم، وتتناول هذه الوثائق جوانب متعددة من تاريخ البلاد الإداري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ ولوثائق فترة 1940-1956م أهمية خاصة لكتابة التاريخ الدبلوماسي المتعلق بموضوع قضية السُّودان في المفاوضات البريطانية." ولتكتمل الصورة يجب ضرورة الاستئناس بما "سطره بعض السُّودانيين، ممن شهدوا تلك الفترة، والمعاصرين من مذكرات، وتراجم ذاتية، ومؤلفات أدبية وتاريخية، وما تحتوية دار الوثائق المصرية." وهنا تبرز ملامح مشروع آخر من المشروعات التي يمكن أن تخلَّد ذكرىالراحل الأستاذ محمود صالح؛ لأن أحد بنود أجندته المستقبليةكان يتجسد في إعادة طباعة مذكرات قادة الحركة الوطنية، وبالفعل بدأ: بمذكرات خضر حمد؛ والبند الآخر كان يتمثل فيجمع الوثائق المصرية عن السُّودان؛ لأنه يعتبرها الجزء المكمل للوثائق البريطانية والأدبيات السُّودانية الأخرى.   

​والمشروع الثالث الذي كان محبباً إلى نفس الفقيد يتمثل في تكثيف الجهود الشعبية والرسمية من أجل دعم الوديعة الخاصة بجائزة الأستاذ الطيب صالح للأبداع الروائي؛ لضمان استمرارية الجائزة وتطويرها؛ وتنفيذ المشروعات المستقبلية المصاحبة لها، مثل: العمل على إنشاء مركز للسرديات السُّودانية، وإصدار مجلة تُعنى بالسرديات والدراسات النقدية، وترجمة الأعمال الروائية للفائزين بالجائزة للغات العالمية؛ لتكون متاحة للقارئ غير العربي.

​وأخيراً اقترح تأسيس جائزة في الدراسات السُّودانية، أو كرسي للدراسات السُّودانية بإحدى الجامعات الوطنية باسم الأستاذ محمود صالح عثمان صالح؛ لأن الرجل جدير بأن تُوثق سيرته للأجيال القادمة؛ لأنه كان رمزاً وطنياً لتجربة العطاء وعطاء التجربة. لذلك وصفه صديقه الراحل الأستاذ الطيب صالح، قائلاً: "إنَّ محمود لم يستأثر بالثراء لنفسه وأسرته، بل أخذ ينفق منه بسخاء على ما ينفع الناس جميعاً، فهو رجل مرموق ليس بماله، بل بأفعاله ودوره في المجتمع. كما أنَّ إكرامه لذكرى خاله الراحل عبد الكريم ميرغني بالمركز الذي يصدر هذه الوثائق ويوفر الكتب والكمبيوترات للشباب أفضل تخليد لاسم مثقفٍ فَذٍّ." ولذلك ستكون الجائزة أو الكرسي العلمي المقترحانأفضل تخليد لمثقفٍ فَذٍّ بقامة الأستاذ محمود صالح، الذي كان يتمتع بكل قيم المثقف العضوي التي إشار إليها الفيلسوف الإيطالي أنطواني غرامشي.

خاتمة

تتبلور خاتمة هذا المقال في نتيجتين مرتبطتين ببعضهما. تتمثل إحداهما في أنَّ العقدين الأخرين من حياة الراحل الأستاذ محمود صالح عثمان صالح (1939-2014م) كانا يشكلان تجربة عطاء جديدة وفريدة في مسار عمله التجاري السابق؛ لأنهقرر أن تكون سيرة حياته المعاشية مختلفة عن سير حياته الأولى، كيفاً ومُخرجاً كمياً مترتباً على ذلك. بدليل أنه اختار السُّودان أن يكون موطناً لمشروع عطائه القادم، وخاله عبد الكريم ميرغني رمزاً للوفاء الإنساني وللفلسفة التي استند إليها المشروع؛ لأن الأستاذ عبد الكريم ميرغني (1923-1995م) ولجالسياسة من باب الثقافة، وجعل الثقافة بُعداً راسخاً في أعماله الوظيفية وأنشطته الاجتماعية وسلوكه العام. وثانيتهما تتجسد في عطاء التجربة، الذي ألقينا الضوء على جوانب متعددة منه، ولذلك نأمل أن يخرج هذا الحفل الإحيائي للذكرى الأولى، والمزمع عقده في الخامس من فبراير 2016م عن ثوب التقليد وأدبيات المراثي إلى القضايا الجوهرية التي كانت تمثل رؤيةًورسالةً بالنسبة للأستاذ محمود، قوامها العطاء في مجال الثقافة، والتواصل مع الآخر وفق قيم تخدم مصالح البلاد العليا، بعيداً عن المصالح القطاعية الضيِّقة التي أضاعت السُّودانأرضاً، ومزقته عِرْقاً، وفشلت في استغلال موارده الطبيعية؛ليكون بلداً شامخاً في القارة السمراء.
1

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.