(تجربة العطاء وعطاء التجربة)

تناولت في الحلقة الأولى من هذه الورقة التي قُدمت في الندوة العلمية التي نظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان يوم 6 فبراير 2016م بقاعة دار اتحاد المصارف السودانية احتفاءً بإحياء الذكرى الأولى للأستاذ محمود صالح عثمان صالح (1939-2014م)، النشأة الأسرية للفقيد والخلفية التجارية، ثم الحياة المعاشية التي ارتبط محور ارتكازها بتأسيس مركز عبد الكريم ميرغني، الذي أضحى منارة للعمل التنويري والتواصل الثقافي بين الأجيال. ونعرض في هذه الحلقة الثانية إسهامات الراحل محمود صالح في جمع ونشر الوثائق البريطانية عن السودان، وجائزة الأستاذ الطيب صالح للإبداع الروائي.     

محمود صالح ومجموعة الوثائق البريطانية عن السُّودان

في تقديمه لمجلدات الوثائق البريطانية عن السُّودان يقول الراحل محمود صالح: "يأتي في طليعة أهداف مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي في أمدرمان دوره المتنامي في جمع وحفظ وتوثيق التراث السُّوداني الهادف إلى ردم الفجوة بين الماضي والحاضر. كما يهدف في الوقت ذاته إلى تيسير الحصول على هذه المصادر والمراجع للباحثين والطلاب وغيرهم من أفراد المجتمع، دون أن تترتب على هذه الخدمة أي تكلفة مادية." ويقدر كم الوثائق التي تمَّ جمعها وتصنيفها وترجمتها في أثني عشر مجلداً بـ 234 وثيقة، مدونة في 1287 ورقة، تمَّ انتقاؤها بعناية من 4500 ورقة، تغطي الفترة 1940-1956م.وقد حفلت هذه المجلدات بأسرار وخفايا ومواقف السياسة الاستعمارية تجاه السُّودان، عبر ثلاثة مراكز رئيسة، تتمثل في وزارة الخارجية البريطانية في لندن، والسفارة البريطانية في القاهرة، ومكتب الحاكم العام والسكرتير الإداري في الخرطوم.فكان محمود فخوراً بهذا العمل الأكاديمي الرائد، فكتب إليَّرسالة بتاريخ 25 أغسطس 2002م، جاء فيها: "استقبال الوثائق كان رائعاً بحقٍ، والحضور أكثر من أربعمائة في قاعة الشارقة ... وكانت التغطية في الصحف كثيفة... كل الذين أطلعوا على الوثائق أثنوا على الترجمة جداً، وعلى  الإخراج عموماً. واتوقع أن يتم عقد ندوة في القاهرة في الجامعة الأمريكية الشهر القادم، وسندعوا بعض الأساتذة من مصريين وسودانيين، عسى أن نشجعهم لإبراز بعض الوثائق المصرية إن وجدت." وبهذه الكيفية قدَّم الأستاذ محمود صالح مادة علمية قيمة للباحثين في مجال الدراسات السُّودانية من غير ذهب وفضة، لكن أغلفتها الخارجية تحمل إقراراً صريحاً بحقه الأدبي: "تحرير: محمد صالح عثمان صالح"، وسيظل هذا الإقرار اعتباراً معنوياً قائماً على مر الدهور والأجيال.

جامعة بيرقن ومجموعة محمود صالح الوثائقية

ترجع صلة الأستاذ محمود صالح بجامعة بيرقن النرويجية إلى شتاء 1997م، عندما زارها بصدد الترويج لمشروعه التنويري، وهو على علم بأنها من أهم مراكز الدراسات السُّودانية في أوروبا. إذ يعود تاريخ التعاون الأكاديمي بين جامعتي بيرجن والخرطوم لعام 1965م، وتدريجياً تبلور ذلك التعاون في شكلبرامج أكاديمية مشتركة بين الجامعتين، أسهمت في تأهيل ثلة من الباحثين السُّودانيين الذين تقلدوا وظائف مهنية وإدارية مهمة في السُّودان وفي دول المهجر.

وفي هذا المناخ الأكاديمي اختار الأستاذ محمود صالح أن يدع مجموعته المكتبية والوثائقية النادرة. بدأت قصة هذه المجموعة، بكتاب عن "الاستثمار في إفريقيا" لمؤلفه البروفيسور هاربرت فرانكل، نشرته جامعة كمبريدج عام 1938م. وقد عثر الأستاذ محمود صالح على نصٍّ مقتبسٍ من الكتاب في التقرير السنوي لحاكم عام السُّودان، هوربت هدلستون (1940-1947م)، وكان مفاد ذلك النص: "لا يوجد أدنى شك في أن التنمية الاقتصادية التي حدثت في السُّودان في القرن العشرين قد حققت إنجازاً رائعاً، يمكن اعتباره من عدة نواحي نموذجاً للأقطار الإفريقية الأخرى." ولا عجب أن هذا النص قد حفَّز القارئ المهتم (محمود صالح) بشأن السُّودان أن يبحث عن الكتاب لمدة تقدر بعشر سنوات، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح إلا في شتاء عام 1997م، عندما التقى بالسيدة أليزبيث بنقهام في القاهرة، وسرَّها عن رغبته في الحصول على الكتاب المشار إليه. وبعد بضعة أيام من ذلك اللقاء العابر وجد الأستاذ محمود صالح نسخةً من "كنزه المفقود" في صندوقه البريدي، ومعها مذكرة مفادها أن شخصاً يدعى بول ولسون في ضاحية شبرسبري في انجلترا لديه مجموعة نادرة من الكتب عن تاريخ السُّودان وجغرافيته، وأنماط الحياة فيه. وبفضل هذه المذكرة بدأت العلاقة بين بول ولسون ومحمود صالح، وأثمرت خواتيمها في شراء المجموعة بكاملها، والتي يقدر كمها المودع الآن بجامعة بيرقن بألفي كتاب من الكتب النادرة التي يرجع تاريخ تأليف بعضها إلى القرن السابع عشر للميلاد، إضافة إلى كمٍ مماثلٍ من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، واللوحات الفنية. وتعالج هذه المجموعة قضايا مختلفة عن التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والآثار، وعلم النبات، وعلم الحيوان، وفن العمارة في السُّودان. ومعظمها كُتب باللغة الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، وهي على قول الراسخين في الدراسات السُّودانية تمثل مجموعة نادرة للطلبة والباحثين في الشأن السُّوداني، ولا يوجد لها مثيل داخل السُّودان أو خارجه.

​وقبل إيداع هذه المجموعة بجامعة بيرقن، اتصل الأستاذ محمود صالح بالعديد من جهات الاختصاص في السُّودانلتقوم بإيداعها، وصيانتها، وجعلها متاحة للباحثين؛ إلا أن جهوده في هذا الشأن قد باءت بالفشل، نسبة لتلكؤ المسؤولين في اتخاذ القرار الصائب. ومن ثم كان خياره الثاني جامعة بيرقن، تثميناً لجهدها الرائد في مجال الدراسات السُّودانية. وبالفعل تمَّ اللقاء الأول بشأن هذه المجموعة النفيسة أثناء انعقاد مؤتمر الدراسات السُّودانية بجامعة بيرقن في ربيع عام 2006م، حيث فَاتَح الأستاذ محمود صالح البروفيسور آندرزبيركيلو، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بقصة هذه المجموعة التي تبحث عن مأوى، وقد أبدى هذا الأخيرة موافقته الفورية بإيداعها بمركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وفي ضوء ذلك رتب لقاءاً للأستاذ محمود صالح مع إدارة الجامعة التي التزمت بكلفة تصنيف المجموعة، وحفظها حفظاً رقميّاً، ثم وضعها على شبكة عنكبوتية خاصة بها، لتكون متاحة للباحثين في كل بقاع العالم. وبموجب هذا الاتفاق تمَّ تدشين مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن في شتاء عام 2006م، في تظاهرة علميةٍ رائعةٍ، حضرها رموز الجامعة، ووجهاء الجالية السُّودانية ببيرقن، وزادها ألقاً على ألقٍ إبداع الأستاذ عبد الكريم الكابلي الذي شكل حضوراً فنياً رائعاً. زاوجَّ بين معطيات تاريخية بصرية في المعرض المصاحب للتدشين وحضور موسيقي سوداني معاصر، مما جعل حفل التدشين مناسبة فريدة، اتاحت للنخبة من مجتمع مدينة بيرقن ووسائل إعلاها أن يشاهدوا ويعاشوا جوانب ناصعة من الحياة السودانية. جعلتهم يرقصون "لساعات طوال على أنغام الكابلي، الذي ابتدر الغناء بشرحٍ عامٍ لطبيعة الموسيقى  السودانية ومكانتها في إفريقيا."

وزان تلك التظاهرة العلمية وهجاً على وهجها زيارة الأديب الطيب صالح وحرمه الفضلى جوليا إلى بيرقن في مايو 2007م، والتي كتب عنها في مجلة المجلة، قائلاً: "في خضم الصراعات والمشاكل والحروب التي تستعر في العالم، يجد الإنسان بعض الظواهر التي تبعث على الأمل والتفاؤل، وتقوي الإحساس بأن الإنسان، بقدر ما في طبيعته من نزوع نحو الخراب والدمار، فهو أيضاً قادر على البناء وعمل الخير. ومن هذه الظواهر التي لفتت نظري أخيراً، التعاون الذي نما بين جامعة بيرقن في النرويج والجامعات السُّودانية، وبخاصة جامعة الخرطوم. لقد زرتُ جامعة بيرقن أخيراً، بصحبة صديقي رجل الأعمال السُّوداني المثقف محمود صالح عثمان صالح ... إنه من الناس النادرين، الذين يخصصون بعض ما أنعم الله عليهم من خير، لنشر الثقافة، وفتح الأبواب للتفاهم، ومحاربة قوى الجهل والتخلف، وتعميق قيم الخير والإخاء بين الناس. كل هذا الجهد الإنساني والثقافي العظيم، يتم عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الذي أنشأه الأستاذ محمود وعائلته، تخليداً لذكرى خالهم المرحوم عبد الكريم ميرغني".

جائزة الأستاذ الطيب صالح للإبداع الروائي

تمثل جائزة الأستاذ الطيب صالح للإبداع الروائي إعترافاً وتقديراً علمياً لجهود الطيب الروائية والإبداعية المتميزة، وتقديمه نموذجاً قدوة للشباب الموهوبين في الإبداع الروائي وكتابة القصة القصيرة. وعن حيثيات تأسيس هذه الجائزة وعلاقتها بمركز عبد الكريم ميرغني، كتب الأستاذ محمود صالح: "تكوَّنت بالقاهرة منذ أربعة سنين [أي عام 1998م] لجنة تضم الدكتور حسن أبشر الطيب، والدكتور بشير البكري، والأستاذ محمود سالم، القاص المصري المعروف من بين آخرين؛ لجمع تبرعات لتكريم الروائي العالمي الطيب صالح. وقد تمكنت اللجنة خلال هذه المدة من جمع مبلغ عشرون ألف دولاراً أمريكياً، ساهم فيها نخبة من أصدقاء ومحبي أدب الأستاذ الطيب صالح من السُّودانيين وغير السُّودانيين. وقد اقترحت اللجنة، وأيدها الطيب صالح، بأن يُوظف هذا المبلغ في وديعة بأحد البنوك السُّودانية، وأن يستفاد في أرباح الوديعة في جائزة، أو جوائز تقدم لأحسن رواية تختار في مسابقة يقوم بإعدادها والإشراف عليها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي... فإننا في المركز نثمن هذه الخطوة الثقافية الجادة من أعضاء لجنة تكريم الطيب صالح، مبدعاً كبيراً في اتجاه تحريك وتطوير الكتابة الإبداعية في مجال الرواية السُّودانية؛ لكسر حاجز الصمت وطوق العزلة اللذان طالما خيما على الفضاء الروائي في السُّودان. ونعتقد أنَّ فكرة الجائزة ستمثل حافزاً كبيراً يدفع العديد من المبدعين الشباب للعطاء المستمر والإجادة، حتى تتبوأ الرواية السُّودانية الموقع اللائق بها إقليمياً وعالمياً." وعلَّق على هذه الخطوة الدكتور أمير تاج السر، قائلاً: إن تبني المركز "جائزة دورية باسم مبدعنا الكبير الطيب صالح في مجال الرواية [هي] ... المرة الأولى التي تنشأ فيها مثل تلك الجائزة في بلادنا.. إنهتحليق معنوي في عظمة الكتابة، وحافز كبير لأولئك الأصيلين أن يكتبوا... وأن يتنافسوا، وأن يحصلوا على مكافأة باسم كاتب هو نفسه مكافأة للوطن ..."

​وبفضل رعاية الأستاذ محمود صالح أضحت جائزة الطيب صالح تظاهرة ثقافية، ينتظرها الأدباء والمبدعون في 21 أكتوبر من كل عام. وشملت قائمة الفائزين بها الأستاذ حسن بكري في روايته "أحوال المحارب القديم"، والأستاذ علي الرفاعي في "قبيلة من وراء خط الأفق"، والأستاذ يحى الفاضل أبوعرف في "ثرثرة الصمت"، والأستاذ عبد العزيز بركة ساكن في "الجنقو مسامير الأرض"، والأديبة ليلى صلاح ميرغني في "الغابة السرية.. وقائع من حكاية الوجع والجنون"؛ الأستاذ عبد المنعم حسن محمود في "زجاجتان وعنق واحد". وللجائزة مجلس أمناء يجتمع مرة كل عام؛ لإقرار السياسات العامة، وإجازة التوصيات المرفوعة من سكرتارية الجائزة. وكان المجلس يتكون في دورته الأولى من الدكتور حسن أبشر الطيب (رئيساً)، وعضوية الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، والأستاذ حسن تاج السر، والأستاذ علي مهدي نوري. وللجائزة لجنة دورية تتكون من محكمين أكفاء، أمثال: الدكتور محمد المهدي بشرى، والأستاذة زينب بليل، والأستاذ أحمد عبد المكرم، والدكتور مرتضى الغالي، ومحجوب بشير كبلو. والمهم في الأمر أن كل الروايات الفائزة بالجائزة قد تمَّ نشرها عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي. وفوق هذا وذاك، لم يكن الاحتفال الجائزة قاصراً على إعلان الفائزين، بل تعدى ذلك لإعداد مؤتمرات علمية مصاحبة، تُقدّم فيها أوراق علمية حسب المحاور المطروحة لكل عام. فمثلاً حصيلة الأوراق العلمية التي عُرضت في الستة مؤتمرات الأولى لجائزة الطيب صالح (2003-2008م) تمَّ نشرها بعنوان بحوث في الرواية السُّودانية، حررها الأستاذ أحمد عبد المكرم، وقدم لها الدكتور مصطفى محمد أحمد الصاوي. ويعد هذا المجلد إضافة نوعية إلى المكتبة السُّودانية، وأدبيات النقد والسرد الروائي، وفضلاً عن أنه يلقي الضوء على المنجز الروائي في السُّودان. وقد ثمنت سكرتارية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي "الجهد الكبير والعظيم الذي ظل يقوم به دونما إبطاء الأستاذ الفاضل: محمود صالح عثمان صالح راعي المركز، وأحد المبادرين في تأسيس الجائزة وعضو مجلس أمنائها ... حيث كان لرعايته المشهودة، الفضل في أن تواصل الجائزة مسيرتها. وليس آخرها إلتزامه بتحمل نفقات طباعة هذا السفر الذين بين أيدينا، والذي يحتوي على أوراق المؤتمرات العلمية المصاحبة لإعلان الجائزة وحسب، وإنما إلتزامه السابق بتحمل تكاليف طباعة الروايات التي تفوز بجائزة المسابقة سنوياً."  

​وفاء الأستاذ محمود صالح لصديقه الطيب تجاوز آفاق جائزة الأبداع الروائي؛ لجمع المقالات التي نشرها صاحب موسم الهجرة إلى الشمال في وسائط صحافية مختلفة، ثم إعادة نشرها في عشرة مجلدات بعنوان "مختارت الطيب صالح"، ثم إعادة طباعة رواياته القصصية الرئيسة بعنوان: "الأعمال الكاملة"، وكذلك كتابه الأخير عن "منسي إنسان نادر على طريقته".  وبعد وفاة الطيب صالح جمع الأستاذ محمود والدكتور حسن أبشر الطيب المقالات والمراثي التي نُشرت عن الطيب في مجلد ضخم بعنوان: "بعد الرحيل: في تذكٌّر المريود الطيب صالح". ثم أعاد محمود طباعة المقالات والمراثي نفسها في ثلاثة أجزاء تحمل عنوان "بعد الرحيل". صدَّر الأستاذ محمود لكتاب "بعد الرحيل" في طبعتيه الأولى والثانية بتمهيد طويل، تحدث فيه عن الأيام الأخيرة لحياة صديقة الطيب صالح، وسيرته المؤلمة مع مرض الكُلى، إلى أن وفاته المنية في 17 فبراير 2009م، كما تناول إجراءات ترحيل جثمانه إلى السُّودان، صحبة القاضي بشير محمد صالح.    

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.