تمهيد

تناولنا في الحلقة الرابعة، المستلة من كتابي الموسوم بــــــ "العُمْدَة أحمد عُمَر كمْبَال (1915-1995م) ملامح من تاريخ كُورتي وشذرات من سيرة الرَجُل"، تاريخ كورتي في العهد التركي المصري (1504-1821م)، ونحاول في هذه الحلقة الخامسة أن نلقي الضوء على فترة المهدية (1881-1898م)، حيث كان السواد الأعظم في الأهلين على خصومة مع أنصار الإمام المهدي، قبل أن يصل الشيخ الهدي إلى المنطقة، ويستنجد بعصبة أهله الشايقية الذين كانوا يكظمون غيظهم ضد الحكم التركي-المصري، ويتحينون الفرصة للانتقام منه. وفي هذه الحلقةالخامسة تكتمل الصورة الذهنية الحية لفصول ذلك الصراع بين المهدويين وخصومهم المحليين، وكيف نسج الأدب الشعبي تاريخ تلك الخصومة في الفترة الفاصلة بين عداوة المهدية وإمارات العفو والإحسان التي أسسها الخليفة عبد الله لاستيعاب زعماء المنطقة في إطار دولة المهدية الناشئة، بعد أن انسحبت قوات مصطفى ياور، حاكم دنقلا، إلى الحدود الشمالية.

بوادر الثورة المهدية في مديرية دنقلا

بعد تحرير الأبيض عام 1883م، كلَّف الإمام المهدي الشيخ الهِدَيْ السورابي بتحرير دُنْقُلا من الأتراك، وأوصاه بالعمل تحت إمرة الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي عامل عموم مديرتي بربر ودُنْقُلا. وفي تلك الأثناء تمَّ إرسال الشيخ ود عبود بخطاب إلى الشيخ الطيب السورابي بجهة مروي؛ لنصرة الدين والجهاد ضدَّ الأتراك في المنطقة. وبالفعل تحرك الشيخ الطيب صوب مروي، وهاجم مكاتب الحكومة، واستولى على خزينة الدولة وشونة الغلال. وبهذه الحركة كسب تأييد رهط من المناصير والشايقية الذين تحركوا معه تجاه دُنْقُلا، حيث عسكروا بمنطقتي دبة الفقراء والكرد.   

​وقبل واقعة دبة الفقراء التي جرتْ فصولها في 18 مايو 1884م أرسل المهدي خطاباً إلى مصطفى ياور، معيّناً إياه عاملاً على دُنْقُلا، وعندما بدأ يتشكك في ولائه للمهدية أرسل إليه خطاباً آخر، جاء في ديباجته:

فمن العبد الواثق بمولاه محمد المهدي بن عبد الله إلى مصطفى ياور أمير مدينة دُنْقُلا وتوابعها [...] واعلم أني داع إلى الله ودال عليه، وقد بعثني الله تعالى رحمة لمن اتبعني من أهل زماني، ونقمة على من عصى الله وخالفني، وإني أنذرتك قبل هذا، وأوضحت لك الأمر جلياً، وكتبت إليك بتوليتك أميراً على جهتك، وما فعلت ذلك إلا لك، وما وليت أحداً غيرك كان في ولاية الترك إلا بعد لقائنا، والأخذ عنَّا، ورؤية الصدق منه.

ويوضح هذا النصّ أن مصطفى ياور أظهر للمهدي خلاف ما يبطن؛ لشراء وقت يمكِّنه من تنظيم صفوفه، والحصول على تعزيزات عسكرية من مصر. والشاهد الآخر الذي يؤكِّد ذلك قول إبراهيم فوزي:

فأدرك مصطفى ياور باشا حرج موقفه، إذ كان جنوده لا يزيدون على خمسمائة جندي، فعوَّل على دفع البلاء بالمخاتلة والخديعة، فاستدعى المسيحيين الذين كانوا معه في المديرية، وأسرَّ إليهم أنه عوَّل على دفع شر المهدي بالخديعة، ريثما تصل النجدة الإنكليزية، وأنه سيدعوهم على رؤوس الأشهاد في سراي المديرية، ويعرض عليهم الإسلام فيجيبونه، فصدعوا بما أشار عليهم، ثم استدعى رجالاً من قرابة المهدي المقيمين في دنقلة، وأعلن أمامهم أنه دخل في طاعة المهدي، وأنه صار عاملاً على إقليم دُنْقُلا، ثم دعا المسيحيين للإسلام فأجابوه، وكتب إلى المهدي كتاباً ضمَّنه دخوله في طاعته، وشرح له كل ما فعله مـن إسلام المسيحيين، وإعلانه الطاعة فأجابه المهدي بكتاب سمَّاه فيه مصطفى جابر بدل ياور؛ لأنه من أسماء الكفار على زعمه، وضمن الكتاب تعيينه أميراً على دنقلة من قِبَله، وأمره بإبدال ملابس العساكر بالمرقعات التي هي شعار المهدية.

ولذلك عندما وصل الشيخ الطيب السورابي وجيوشه إلى نواحي الدَبَّة بدأ مصطفى ياور الاستعداد لملاقاتهم، وباغتهم بالهجوم عند قرية دبة الفقراء، وقتل فيهم مقتلة عظيمة، وشتت جموعهم. ويقال إنَّ الشيخ بابكر المتعارض، خليفة الختمية، استشهد في تلك الواقعة. وبعد ذلك حصَّن مصطفى ياور نقطة الدَبَّة، وقفل راجعاً إلى رئاسة مديرية دُنْقُلا. وقد كان ذلك النصر فــي 18 مايو 1884م، أي قبل يوم من سقوط مديرية بربر في يد الشيخ محمد خير عبد الله خوجلي وأعوانه. وبعد ذلك تحرَّك الشيخ الهِدَيْ في نحو أربعمائة مقاتل من أهله الشايقية وبعض الجنود النظامين إلى مديرية دُنْقُلا عن طريق الدقاييت، ونـادى بالنفير والدعوة إلى جهاد الأتراك في منطقتي المناصير والشايقية، فانضمَّ إليه الشيخ النعمان ود قمر، شيخ المناصير، ومعظم أعيان الشايقية، وبعض مشايخ الحسانية والهواوير، ثم بعد ذلك واصل زحفه شمالاً تجاه خطي أمبكول والدَبَّة.

ويبدو أن معظم أعيان خطي أمبكول والدَبَّة لم يقوموا بمناصرة الشيخ الهِدَيْ، بل كانوا أكثر ميولاً إلى مصطفى ياور، متعللين بأنَّ التركية أنقذتهم من ظلم الشايقية في المنطقة، وليس من الصواب مناصرة الشيخ الهِدَيْ والحركة المهدية التي لم تكن معلومة العواقب بالنسبة لهم. وفي ظل هذا الواقع السياسي المتأرجح جرت المعركة الثانية بين قوات الشيخ الهِدَيْ والأتراك في الكرد ثم الدبة في 29 يونيو 1884م، واستشهد فيها الشيخ نعمان ود قمر، وقُتل عدد من أنصار الشيخ الهِدَيْ، وتراجع الذين نجوا من القتل إلى قلعة الحتاني. ولا عجب أن شاعر الشايقية العامل حسونة قد هجا أولئك الذين تقهقروا من معركتي الكرد والقيقر، قائلاً:

الرمنـتون عوي في الكرد 

وفوق قلوب الجنيات هَرد
قالوا شيخ العامراب شرد    

ود مسيك جـدع المفضض
ود كنيش هدم الصف شـرد  

وخت سوطين فوق أبغُـرد 

****   

ومقابل هذا الهجاء اللاذع نسج شعراء التراث الشايقي صورة ذهنية حيَّة للشهيد نعمان ود قمر، الذي استشهد في واقعة القيقر بالدَبَّة في 29 يونيو 1884م، بعد محاولة شجاعة لاختراق الطابية التي وضعها الأتراك هناك، وتقول بعض أشعارهم التراثية في هذا الشأن:

أماني يا نعمان مـاك ولـد 

هد كبد القيقر ورقـد
في المـلــــــم الــــلــــــــي الكــــــــــرد  

الهِدَيْ في قبرو أنــــســـــند
                      *****
تــــــــبكي بت نعــــــمــــان الفــــــــتاة
حــــسي قـــــــــرنك وأمــــــلي واطـــــة
مــــــــتل أبـــــــوك مــــــاولــــدته مـرة
الـــهــــــــز كـــــــبد القـــــيقــــــر رمى

وبعد يوم من واقعة القيقر التي جَرَتْ فصولها في 29 يونيو 1884م، تحرك مصطفى ياور على باخرة مسلحة، ترافقها فصيلتان من الجند النظاميين، وكثير من المتطوعين، والضباط ورجالات الدولة أمثال أحمد جودت بك الجركسي، نائب المديرية، والبكباشي أحمد أفندي سليمان، ونور الدين بك، والملازم سعد أفندي نبيه، والملازم إبراهيم زكي، ومرسال أفندي كوكو النوبي، ومن أعيان المنطقة المتطوعين الملك طنبل، ملك جزيرة أرقو، والشيخ سعيد محمد فرح الفونجاوي، كاشف خط الدَبَّة، والشيخ أحمد شوك الدُّفَّاري، الشيخ محمد أغا جميل. وسارت هذه القوات بحراً وبراً إلى بلدة الكُلُد، ومنها توجهت إلى قلعة الحتاني، حيث واجهت أنصار المهدية الذين عجزوا عن الوقوف أمام الأسلحة النارية، فقتل منهم مـــن قُتِل، ولاذت البقية بالفرار إلى قرية مقلنارتي بقيادة شيخهم أحمد الهِدَيْ، وعسكروا حول أشجار كانت تحيط بقبة الفقيه عيسى ود دبش. ووصلهم في معسكرهم الشريف محمود الحاج محمد الذي عيّنه المهدي عاملاً على دُنْقُلا عندما فقد الثقة في مصطفى ياور، وكان يرافقه أيضاً الشيخ حسن خليفة العبادي. ويقال إنَّ الشريف محمود الحاج محمد أرسله المهدي من الرهد، ووصل إلى منطقة أم بليلة على النيل في أواخر أغسطس 1884م، ومنها خاطب مصطفى ياور قائلا: "قم وأحضر لمقابلتنا بأبي قسي، ومنها نتوجه لمقابلة المهدي؛ لأجل البيعة والتأدب بآداب المهدية." ويبدو من خطاب المهدي إلى محمد خالد زقل في 29 سبتمبر 1884م أن المهدي كان يعتقد أن تعيين الشريف محمود الحاج محمد عاملاً على دُنْقُلا سيسهل عملية استسلام مصطفى ياور إلى المهدية؛ علماً بأن ياور أظهر مناصرته للدعوة المهدية، كسباً للزمن.

وفي شهر سبتمبر 1884م تحركت جيوش مصطفى ياور صوب كُورتي، مكونةً من أربعمائة جندي نظامي وباشبوزق، وكانت الجنود النظامية تحت قيادة أحمد أفندي سليمان، والباشبوزق تحت أمرة نور الدين بك، وسليمان جبريل بك. ولما اقتربوا من معسكر الشيخ الهِدَيْ أطلقوا عليه نيران كثيفة، وأبدى أنصار الشيخ الهِدَيْ شجاعة نادرة في تصديهم للهجوم، ودارت الحرب سجالاً بين الطرفين إلى أن استشهد الشيخ أحمد الهِدَيْ، ونفر من الأمراء والأعيان، أمثال الشريف محمود، وحاج منصور بن حسن المكنابي، والشيخ كمبال ود حمد، وعدد كبير من الأنصار والمجاهدين. وبعد استشهاد الشيخ الهِدَيْ يقول محمد عبد الرحيم: "لقد جازف أبوشامة، أمير العونية، وحمل جثمان أحمد الهِدَيْ من أمام خط نار العدوُّ، وفرَّ به إلى الصحراء، لكي لا يُمثل به الأعداء، ودفنه في مكان يبعد 15 ميلاً عن كُورتي مما يلي الصحراء."

وكان لواقعة ود دبش أثر بليغ على كُورتي، حيث دارت رحى المعركة، و فقدت المنطقة ثلةً من خيرة أهلها، ونذكر منهم الشيخ كمبال ود حمد، الذي استشهد في الواقعة مع اثنين من أبنائه (وهما: علي وإبراهيم)، والشيخ تابر أب حماد من الكوارته الشبيراب، وصالح ود حسين المكنابي، وفي هذا الشأن أنشد أحد شعرائهم قائلاً:

الرمنتون في كُورتي صاح
وفي حسينارتي مع الصباح
وعزَّل الرجال الصُّحاح
زايلي يا كمبال أب سلاح
واليتابع المهدية راح
خربت القلعة بومها صاح  
تابر الوقع البحر راح     
لا غرق لا شالو تمساح   
***     


                                                                     

وبعد واقعة ود دبش بمنطقة كُورتي بعث الإمام المهدي خطاباً إلى الأمير خالد محمد زقل، عامل عمالة دارفور، مؤرخاً في 8 ذي الحجة 1301 هـ الموافق 29 ديسمبر 1884م، نعى فيه الشريف محمود الحاج محمد، المنتدب لعمالة دُنْقُلا، والشيخ أحمد الهِدَيْ السورابي، مثمناً شجاعتهما، وتفانيهما في رفع راية الإسلام وإعلاء كلمة الحقّ، ويقرأ نصّ ذلك الخطاب:

وقد ورد لنا خبر أكيد من دُنْقُلا أن حبيب الجميع محمود الحاج محمد، وأحمد الهِدَيْ، كل منهما استشهد في سبيل الله، والحمد لله على سعادتهم وفوزهم. وإيضاح كيفيتهم قيل إنهم لما حضروا بالقرب من دُنْقُلا نزلوا في محل، وهم قليلون جداً، فما شعروا إلا وهجموا عليهم أعداء الله، ومع ذلك صبروا، صبر الكرام، حتى نالوا إحدى الحسنيين، فهنيئاً لهم بذلك، وبشارة قوله تعالى: "لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون". نسأل الله أن يزيدهم من فضله، ويلهمنا وإياكم الصبر، ويضاعف لنا ولكم الأجر. ودين اللــه تعالى منصور، فلا تهتموا بشيء. والسلام.  

وبعد ذلك أرسل خطاباً إلى مصطفى ياور يخاطبه فيه بنوعٍ من التهديد والوعيد، بعد أن استهلَّ ديباجته بقوله: "فمن العبد المعتصم بالله محمد المهدي بن عبد الله إلى مصطفى ياور وفقه الله لطريق الرشاد، آمين"، ثم بعد ذلك مضى إلى جوهر القضية، مذكِّراً ياور بخطابه الذي أصدره إليه:

أصدرتُ لك أمراً بختمي يجعلك عاملاً من طرفي على عموم دنقلة، رجاء أن تكون من الذين باعوا لله نفوسهم بالجنة، وبذلوا مهجهم ونفائس أرواحهم في إحياء السُّنة، فظاهرتني بالقيام بذلك، ثم نكثت العهد ونقضته، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وجاهرت بالعداوة، وبارزت وقتلت أخياراً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بمكرك، وخديعتك، ولم تخش الله، ولم ترع حقوقه، مع أنك في الحقيقة مغرور مستدرج، لم تدر عاقبة أمرك، وألم تعلم أن الله يمهل ولا يهمل، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

وبعد ذلك التهديد حاول الإمام المهدي أن يكسب تأييد مصطفى ياور قائلاً:

وأعلم علم اليقين أنك إن أنبت إلى الله، وندمت على ما فرط منك، وأتيتنا تائباً، فإنك مؤمن، معفو عنك في جميع ما مضى منك، عفواً خالصاً لوجهه تعالى ومقبول عندنا غاية القبول ... وإن أحضرت معك بعضاً من عمد البلد كمحمد عبد القادر ساتي المشهور بفقير تود، ومحمد الملك حمد بأرقو، ومحمد بن الفقير إبراهيم، وصالح إمام الجامع، وسعيد محمد فرح، ومحمد الجميل، ومحمد أحمد كنيش، فذلك أولى عندنا فأحضرهم، فهم آمنون منَّا، ومعفو عنهم في جميع ما جرى، ومقبولون عندنا، ولا حرج عليهم.

وبعد ثلاثة أشهر من واقعة ود دبش (كُورتي)، وصلت حملة إنقاذ غردون إلى مدينة كُورتي تحت قيادة اللورد ولسلي باشا، ومنها انطلق فصيل عبر النيل قاصداً بربر، وفصيل آخر عبر صحراء بيوضة وآبار جقدول إلى المتمة. وفي فترة إقامة الحملة بمدينة كُورتي، يقال إن الحاج الحسن كمبال قد قَدَّم لها خدمات جليلة؛ إلا أن الحملة لم تحقق الأهداف المرجوة منها؛ لأنها عندما وصلت مشارف الخرطوم، علم قادتها أن أنصار المهدي قد أحكموا سيطرتهم على المدينة، وأن الجنرال غردون قد قُتِلَ أثناء الاقتحام. وفي 4 فبراير 1885م وصل ذلك الخبر المفجع إلى اللورد ولسلي الذي كان معسكراً في كُورتي بصحبة اليوزباشي إسماعيل أفندي همت، والملازم ثاني موسى أفندي حمودة، وقسم من الفرسان، وبعض المشاة. وبعد خمسة أيام من ذلك التاريخ وصل السير تشارلس ولسن إلى كُورتي، وحَرَّر تقريراً عن سقوط الخرطوم، ومقتل الجنرال غردون. وفي 16 مارس 1885م عادت كل فصائل الجيش إلى كُورتي، ومنها تحركت شمالاً صوب الحاضرة دُنْقُلا. وبناءً على خطته الرامية إلى عودة الكَرَّة على المهدويين شيد اللورد ولسلي حاميات عسكرية في كل من الحفير، ودُنْقُلا، والخندق، وأبي قسي، والكرد، والدَبَّة، والحتاني، وأمبكول، وكُورتي، وأبي دوم؛ لتكون قاعدة عسكرية لصد تحركات المهدويين، لكن الحكومة البريطانية عدلت عن فكرة استرجاع السُّودان، ومالت إلى الإخلاء، عكس رغبات اللورد ولسلي. وقبل تنفيذ قرار الإخلاء شكل اللورد ولسلي حكومة جديدة، أوكل أمر إدارتها إلى أعيان المنطقة، حيث عيَّن محمد أحمد كنيش حاكماً على خطّ مروي، وسعيد محمد فرح على خط الدَبَّة، والملك طنبل على خط أرقو ودُنْقُلا، والشيخ محجوب الميرغني على خط السكوت والمحس. ولكن بحلول شهر مايو 1885م سيطرت قوات الأمير محمد الخير عبد الله خوجلي على مديرية دُنْقُلا، وعفا الإمام المهدي ومن بعده الخليفة عبد الله عن كلِّ الأعيان الذين أعلنوا توبتهم، وبايعوا المهدية كتابة، أو شفاهة بحضورهم إلى أمدرمان. وبناءً على ذلك عين نفراً منهم في مناصب عُمَّال خطوط، تابعين إلى الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي. ويتجلَّى ذلك في الخطاب الذي أرسله الخليفة عبد الله إلى الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي، عامل عموم بربر ودُنْقُلا، والذي تقرأ بعض نصوصه هكذا:

لا يخفا عليك أيها الحبيب أن أهالي دنقله بعد فرار الكفرة منهم قد حضروا إلينا بعضاً منهم مذعنين منقادين لأمر الله ورسوله، ومعهم مكاتبات عديدة من أهاليهم الذين بدنقله يرغبون فيها تأمير بعضاً منهم والإذن لهم في رفع الرايات. ونظراً لذلك وإرادة الخير للمسلمين فقد أجبناهم لما طلبوا، وحررنا لهم إمارات، وأذناهم في رفع الرايات، واشترطنا عليهم الانضمام إليكم، وامتثال أمركم ونهيكم كيف ما تشيروا عليهم. وهاهم الجماعة الذين حضروا عندنا وأخذوا البيعة متوجهين إليكم لتعرفوهم بالحالة التي تثمر في الدين، واستوصوا بهم خيراً، وأمروهم بالتحزب والتشمير في نصرة الدين، ولا تتركوا الأنصار يضيقوا عليهم، ولا يشغلوهم عن تعمير  السواقي، بل أكدوا عليهم بعمارة أسواقهم جميعاً، ولا يطالبونهم الآن بغنيمة كلية لغايت المرسى عن أحوالهم، فإن صدقوا مع الله ورسوله وقاموا بنصرة الدين، فيكونوا من الأنصار، وألا فخابرونا بأحوالهم، ودين الله منصور بغيرهم، وخلاف الزاكوات والفطر لا يكون للأنصار تعرض للمذكُورين في شيء من السواقي ولزوماتها ومستخدمينها.

وبناءً على هذا العفو العام شملت التعيينات نفراً من أعيان عمالة دُنْقُلا، ونذكر منهم الشيخ سعيد محمد فرح الفونجاوي الذي عُيِّن عاملاً على خطّ الدَبَّة-الفونج، والشيخ محمد حمور عاملاً على خطّ دُنْقُلا العجوز، والشيخ أحمد محمد حسين عاملاً على حلَّة قنتي، والشيخ محمد جميل عاملاً على حله أم بكول، والشيخ محمد أحمد كنيش عاملاً على قبيلة النُوبة. ويُقرأ نصّ الخطاب الذي أصدره الخليفة عبد الله إلى الشيخ محمد جميل، في 19 رمضان 1302ه/الموافق 2 أغسطس 1885م، هكذا:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الولي الكريم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله مع التسليم، وبعد فمن عبد ربه خليفة المهدي عليه السلام النايب عنه الخليفة عبد الله بن محمد، خليفة الصديق إلى الحبيب في الله محمد جميل تولاه الله تعالى، آمين.

بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نَعْلِم الحبيب أن الجواب الوارد من نحوكم إلى الإمام المهدي عليه السلام قد اطلعنا عليه، وفهمنا ما به، وأيضاً قد حضروا عندنا بعضاً من جماعتكم، وبايعونا، وعاهدونا على إتباع سكة المهدي عليه السلام، التي هي سكة الله ورسوله، التمسوا منا تعيينكم عاملاً على حلة أمبكول. ونظراً لذلك، وكون المقصود هو اتفاق الكلمة في الله، والتواطيء على إقامة دين الله، وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد عيناك عاملاً من طرفنا على جميع أهالي الحلة المذكورة، وأذناك في أن ترفع لك راية. فقم وشمر في الله، واستنفر جماعتك، وانهض بهم لإعلاء كلمة الله. وقد ألزمناهم الجميع طاعتك، وامتثال أمرك، ونهيك، وموازرتك، وشد عضدَّك، والخروج معك لقتال أعداء الله. فاستعد أنت وإياهم لذلك، وجدوا واجتهدوا في حوز رضاء الله ورسوله ومهديه ورضانا، وانضموا على عامل عموم جهتي بربر ودُنْقُلا محمد الخير عبد الله خوجلي، وكونوا تحت إشارته كيفما أمرمكم ونهاكم. هذا وأوصيكم بتقوى الله والزهد في هذه الدار الخسيسة المقدار والإقبال على الله بمحبة لقائه والرغبة فــيما عنده من نعيم دار الآخرة الموعود في قوله تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُون، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ". الآية [التوبة 20-21] وإمارتنا لك هذه أيها الحبيب هي على شرط إتباع الكتاب والسنة، فإن غيرت، أو بدلت فلا إمارة لك. والسلام.

بَيْدَ أن هذا الخطاب يثير نوعاً من التساؤل: هل عُين محمد جميل عاملاً على حلة أمبكول، أم على خط أمبكول؟ علنا نرجِّح الرأي بأنه عُين عاملاً على خط أمبكول، وذلك لعدة أسباب: أولاً: لأنه كان مسؤولاً عن تصريف أعماله مباشرة إلى الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي عامل عموم دُنْقُلا وبربر، كما ورد في خطاب تعيينه؛ وثانياً: نلحظ أن الخليفة عبد الله عندما فوَّض الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي بتعيين مقدم على أمبكول، بناءً على العريضة التي قدمها عبد الله أحمد يوسف والجزولي تاج الدين، طلب منه أن يختار أحد مقدمي العريضة؛ ليكون مُقدماً على أمبكول، وخاضعاً في تصريف شؤونه إلى عامل خطّ أمبكول؛ ثالثاً: أن محمد عبد الرحيم أشار إلى أن محمد أغا جميل كان عاملاً على خط أمبكول؛ وفي 12 سبتمبر 1888م عيَّن الأمير عبد الرحمن النجومي الشيخ محمد الزومة عاملاً على خط الشايقية جنوب (الصعيدي)، والشيخ علي ود سورج على خط الشايقية شمال (البحري)، والشيخ محمد الرفاعي عاملاً على أمبكول، ويُقرأ نص ذلك التعيين هكذا:

سيدي من ما ينبغي رفعه لكريم الجناب أنه لما وصلنا بجهة  الشايقية بمركز صنم قد أتونا جميع أهلها من النقبا وغيرهم، وبالمداولة معهم فيما يكون عاملاً عليهم فأهالي خطها الصعيدي اختاروا محمد أحمد الزومة ليكون عاملاً عليهم، وتوافقوا عليه، وكذلك أهل خطها البحري اختاروا منهم علي ود سورج، ولذلك نحن باركناهما لهم، واتممنا أمرهما. وكذا بعد مجينا بأم بكول حضروا كافة أهلها، وداولناهم فيمن يكون عليهم عاملاً، قد توافقوا على رجل منهم يدعى محمد الرفاعي، وكذلك باركنا لهم، وجعلناه لهم عاملاً كما توافقوا عليه.

ويبدو من هذا الخطاب أن محمد الرفاعي موسى قد عُين عاملاً على حلة أمبكول، أو عاملاً لجمع الزكوات، ولا شك أن هذا الافتراض يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الشيخ محمد أغا جميل قد استمر أيضاً في منصبه، عاملاً على خط أمبكول إلى عام 1886م، حيث خلفه الشيخ محمد محمد خير أبوشامة، وعين لاحقاً ابنه المكي عاملاً على حلة أمبكول، بدليل أن اسمه ظهر في الخطاب الصادر في 12 أغسطس 1889م. وبذلك نصل إلى أن الشيخ محمد محمد خير أبو شامة كان عاملاً على خط أمبكول منذ عام 1886م، والشيء الذي يؤكد ذلك أن هناك منشوراً صادراً من الخليفة إلى العامل سيدأحمد وقيع الله وآخرين بتاريخ 13 يناير 1886م، يذكر فيه اسم الشيخ محمد أبوشامة ضمن عُمَّال المنطقة، أمثال محمد أحمد كنيش، والشيخ طه علي سورج، ويوجههم بالخضوع في تصريف شؤونهم المحلية إلى الشيخ سيدأحمد وقيع الله الذي عيّنه الخليفة عبد الله عامل عموم على منطقة مروي. وفي خطابين آخرين صادرين بتاريخ 1893م و1894م يظهر اسم الشيخ أحمد محمد أبوشامة عاملاً على خط أمبكول، وذلك بعد عام من وفاة والده الشيخ محمد محمد خير أبوشامة عام 1892م. وفي منشور صادر من الخليفة عبد الله إلى الشيخ سيدأحمد وقيع الله وآخرين بتاريخ أغسطس 1887م يظهر اسم الحسن كمبال ضمن عُمَّال منطقة مروي، وفي خطاب آخر صادر من الأمير يونس ود الدكيم، عامل عمالة دُنْقُلا، إلى عُمَّال منطقة مروي بتاريخ 12 أغسطس 1889م يظهر اسم الشيخ بشير كمبال بدلاً عن الحسن كمبال.  

وإلى جانب تلك الترتيبات الإدارية حاولت المهدية أن تصفي حساباتها السياسية مع نفر من أعيان منطقة كُورتي الذين ناصبوها العداء، ونذكر منهم الشيخ الحسن كمبال الذي سجنه الأمير يونس ود الدكيم في دُنْقُلا. ويذكر عن سجن الحسن كمبال ثلاث روايات مختلفة في التفاصيل، ومتحدة في النتائج. تزعم الرواية الأولى أنه سجن بسبب وشاية قدمها ابن عمته الشيخ محمد محمود دوانة العوني صهر يونس ود الدكيم بأن الحسن يحتفظ بأموال أحمد جودت بك، نائب مديرية دُنْقُلا السابق، والطيب الحسين الذي كان مسجوناً في المهدية. وترى الرواية الثانية، المشهورة بين الناس، أن سبب سجنه يرجع إلى موضوع شخصي، يتعلق بطلب يونس ود الدكيم بالزواج من إحدى كريمات الحسن كمبال. ويقال إنَّ الحسن قد وافق على ذلك الطلب، ولكنه في حقيقة الأمر جهَّز إحدى جواريه وأرسلها عروساً للأمير يونس ود الدكيم في دُنْقُلا، وتزعم الرواية بأن محمد محمود دوانة قد فشى سره إلى الأمير يونس ود الدكيم. أما الرواية الثالثة فتزعم أن الأمير يونس ود الدكيم عندما طلب من ود محمود زواج كريمته السارة شاور الأخير ابن خاله الحسن كمبال الذي نصحه بعدم قبول الطلب؛ إلا أن ود محمود فشا هذه النصيحة، وزوج كريمته إلى الأمير يونس. ومن ثم كان مصيره الجلد والسجن في دُنْقُلا. وفي هذا يقول محمد عبد الرحيم: "شهدت بعيني رأسي ضرب الفرقة لحاج الحسن كمبال الطريفي من أعيان كُورتي." والفرقة اسم أطلقه الأمير يونس ود الدكيم على المسافة بين الجامع والسجن في ديم دُنْقُلا الواقع غرب كابتوت، وكانت تلك المسافة تقدر بـ 2000 ياردة. فإذا غضب يونس ود الدكيم على شخص، دعاه إلى الوقوف أمامه، ثم أنَّبه، ووبخه، وأمر مواليه قائلاً: "شيلوه، أي خذوه، فكان ذلك يعني في عرفهم أمراً يقضي بالضرب والصفع، ونتف اللحية، والسحب على الأرض من الجامع حتى السجن." ويصف محمد عبد الرحيم هذا الحكم بالأحكام "القرقوشية" التي أفضت إلى استدعاء الأمير يونس ود الدكيم إلى أمدرمان، واستبداله بمحمد ود بشارة عاملاً على دُنْقُلا. وبعد حبس الحسن كمبال ذهب أخواه عبد الله وحمد إلى أمدرمان، واستعانا بالخبير علي إبراهيم؛ ليتوسط لهما عند الخليفة عبد الله؛ لإطلاق سراح أخيهما الحسن، بالفعل نجحت وساطة الخبير علي إبراهيم مع صُرَّة من المال دفعها أهل الحسن فداءً لإطلاق سراحه، وعودته إلى كُورتي لإنقاذ ما بقى من أعماله التجارية.

وبعد هزيمة الأنصار في واقعة الحفير، استقبل الحاج الحسن كمبال ماكدونالد باشا في كُورتي وسلَّمه المدينة، نكاية في المهدية. واعترافاً بخدماته الجليلة أنعم عليه ونجت باشا (1899-1916م)، حاكم عام السُّودان، بكسوة شرف من الدرجة الثالثة في أبريل 1902م، ومن الدرجة الثانية في الثالث من فبراير 1906م. وفي فبراير 1919م أنعم عليه نائب الحاكم العام بكسوة شرف من الدرجة الأولى. وبذلك ظلَّ الحسن كمبال محلّ تقدير عند الحكومة الاستعمارية وأهل المنطقة، وازدهرت أيضاً أعماله التجارية وشبكة علاقاته الاجتماعية. وفي عددها الصادر في 15 يونيو 1933م نعته جريدة حكومة السُّودان الرسمية (الغازتية) قائلة: "بمزيد من الأسف ينعي صاحب المعالي نائب الحاكم العام الشيخ حسن كمبال، المتوفى بجهة كُورتي يوم 21 أبريل [1933م]. كان المرحوم حائزاً على كسوة شرف من الدرجة الأولى."

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.