العُمْدَة أحمد عُمَر كمْبَال (1915-1995م):

ملامح من تاريخ كُورتي وشذرات من سيرة الرَجُل

 

******

تأليف أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك   (الحلقة الثانية)  

 

  صدر هذا الكتاب عن دار مدارك للطباعة والنشر والخدمات، الخرطوم، في أغسطس، 2015م. وهو عبارة عن جهد خمس سنوات مضت في البحث والتنقيب عن المعلومات ذات الصلة بموصوعاته المتنوعة في مظانها الأرشيفية والوثائقية، والمدونات المكتوبة، كما في صدور الحُفَّاظ الذين عاصروا وقائع بعض الأحداث المدونة بين دفتيه، فضلاً عن عملية التحقيق، والتثبت، والاستقراء، والتحليل، وإعادة التركيب حسب منظومة الزمن التاريخية وجدليات الصراع الإنساني في المنطقة. يتكون الكتاب من 580 صفحة من القطع المتوسط، مقسمة إلى فهرس للمحتويات، وإهداء مفاده "إلى بلدٍ لها يدٌ سلفت، ونفرٍ لهم دينٌ مستحقٌّ: مدينة كُورتي وأهلها الطيبين الأخيار؛ أساتذتي الأجلاء بمدرستي كُورتي المتوسطة والثانوية (1976-1982م)؛ زملائي الأعزاء بمدرستي كُورتي المتوسطة والثانوية (1976-1982م)"، وتقديم، ومقدمة، وتسعة فصول، وخاتمة، وأربعة وثلاثين ملحقاً، وثبت للمصادر والمراجع، وملحق للصور. ونواصل في هذه التبصرة عن محتويات الكتاب بحلقة ثانية لعرض مقدمة المؤلف، علها تحفز القراء على قراءة النص في نصابه الكامل، وتشجعهم على اقتناء المجلد، ليكون مرجعاً على أرفف مكتباتهم العامرة.   ******

مقدمة المؤلف

يعطي تدوين الحدث التاريخي تصوراً ذهنياً حيّاً لوقائع التجربة الإنسانية، التي تتشكل وفق تأثير السُّنن الكونية، وأنماط الاجتماع البشري، وبذلك تستطيع أن تشغل حيزاً في فضاءات الماضي، يمكن أن يعاد استنساخه في الحاضر والمستقبل، إذا توفرت له الأسباب والشروط نفسها، لكن هذا الاستنساخ النسبي لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه، بل يذكِّرنا كيف نعتبر من أحداث الماضي، التي يمكن أن تُوظَّف توظيفاً إيجابياً في ترقية الحياة المدنية على أديم هذه الأرض. إذاً كتابة السِّير الذاتية، أو الغيرية ينبغي ألا تخرج عن هذا السياق، علماً بأن الإنسان مدني بطبعه، كما يرى العلامة ابن خلدون، لذلك لابَّد له من أن يتواصل مع غيره؛ لأنَّ التواصل أو الاجتماع مع الآخرين في عُرْفِ صاحب المقدمة من أساسيات العمران البشري. وبناءً على ذلك لابد أن تكون كتابة سير الأعلام، أو السير الذاتية، أو المذكرات متأثرةً بأنساق العمران البشَري التي تحكم دقائق البيئات المحلية، ولا تفصم نفسها عن واقع الحياة العامة وزخمها؛ لتجعل من صاحب السيرة قطباً أوحداً تدور حوله مجريات الأحداث، بل يجب أن يسهم استيعاب تلك الأنساق العمرانية في قراءة مفردات السيرة، أياً كان شكلها، في إطار العلاقة الجدلية التي تجمع بين الفرد المُترجَم له، وأفراد المجتمع البشري الذي يعيش بين ظهرانيه من طرفٍ، وبين أنماط ذلك المجتمع والسنن الكونية المحيطة به من طرفٍ ثانٍ. وبهذه الكيفية يمكن أن تعكس السيرة الذاتية أو الغيرية دور الفرد في صياغة المنظومة الاجتماعية؛ لأن المجتمع نفسه له دور أساس في تشكيل شخصية الفرد وتوجيه مسارات عطائه، كما أنَّ للفرد دوراً مهماً في تقدّم المجتمع ورُقيِّه، أو العكس. ومن ثم يمكن أن تجسِّد السيرة الذاتية أو الغيرية بُعْداً من أبعاد العمران البشري، الناتجة من حركتي الزمان والمكان، وتفاعل الإنسان معهما.

تقودنا هذه التوطئة إلى طرح سؤال منهجي: لماذا جعلنا عنوان هذا الكتاب: "العُمدة أحمد عمر كمبال (1915-1995م): ملامح من تاريخ كُورتي وشذرات من سيرة الرجل"؟ تتبلور الإجابة في أنَّ العُمدة أحمد عمر كمبال هو ابن بيئته التي شكَّلت مفردات تكوينه الشخصي، وعطاءه المهني، وأنشطته العامة داخل عمودية كُورتي وخارجها. فالحديث عن "كُورتي: الأرض والناس" في الفصل الأول، وعن "كُورتي في التاريخ" في الفصل الثاني، يعكس معالم البيئة الاجتماعية، والدينية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية التي نشأ فيها صاحب السيرة، وطبيعة الواقع الذي أفرزته تلك البيئة؛ ليكون وعاءً معيارياً لتحديد درجة تفاعله مع حركة المجتمع، التي أسهمت في نسج مراحل حياته المختلفة، وتشكيل السمات العامة لدوره الوظيفي والقيادي في منطقة كُورتي. 

أما الدافع وراء توثيق ملامح من تاريخ كُورتي وشذرات من سيرة العُمدة أحمد عمر كمبال فيتبلور في الأسباب الآتية:

يتجلَّى السبب الأول في أهمية تاريخ منطقة كورتي الذي لا يزال يحتاج إلى البحث والتنقيب الذي يوثق أواصره بتاريخ السودان العام؛ وفي محورية الدور الذي قام به العُمدة أحمد عمر كمبال، بوصفه حاكماً محلياً في عمودية كورتي، وتاجراً من الطراز الأول في سوقها العتيق، ومزارعاً صاحب أملاك زراعية في منطقة تمثل الأرض عصب الحياة فيها، فضلاً عن تفاعله الإيجابي مع حركة البناء والتعمير في منطقة كورتي.

ويتجسد السبب الثاني في شخصية العُمدة أحمد عمر كمبال ذات الحدس التوثيقي المدرك لأهمية المعلومة المدوَّنه، بدليل أنه ترك إرثاً وثائقياً نفيساً، يشمل صوراً كربونيةً لجلَّ المكاتبات الرسمية والإخوانية الصادرة منه، وأصول المكاتبات الواردة إليه، فلاشك أن هذا الإرث الوثائقي يُعدُّ حافزاً علمياً لأي باحث ينشد كتابة التاريخ في ضوء المعلومة الصحيحة الموثَّقة، التي يمكن أن تُعَضَّد بالروايات الشفوية المعاصرة، وملاحظات الباحث نفسه، والأدبيات الخاصّة بتاريخ المنطقة، والأحداث الأخرى الناظمة لسير أعلامها.

ويستند السبب الثالث إلى دافعٍ شخصيٍ، يرتبط بمؤلف هذا الكتاب، وانتمائه الأسري الممتد، علماً بأنَّ جدَّ والده، أحمد محمد حسين أبوشوك (1936-1937م)، كان أول رئيس لمحكمة فرع كورتي الأهلية (أو محكمة فرع البديرية) ، وشغل الوظيفة نفسها جده المباشر محمد أحمد أبوشوك (1955-1965م)، ثم والده إبراهيم محمد أحمد أبوشوك (1965-1970م)، فضلاً عن أن الأخيرين قد درسا بمدرسة كورتي الأولية، ونسجا شبكة من العلاقات الاجتماعية الواسعة مع أهل المنطقة. وتجددت تلك العلائق في نطاق أضيق في عهد كاتب هذه السطور الذي درس في مدرستي كورتي المتوسطة (1976-1979م)، والثانوية العليا (1979-1982م)، وشهد بعيني رأسه طرفاً من إسهامات العُمدة أحمد عمر كمبال، ومواقفه الإيجابية تجاه بعض القضايا التي حدثت في تلك الفترة. لكن هذا الدافع الشخصي قد تمَّ توظيفه بمهنية عالية في إطار القِيَم المعيارية الحاكمة لقراءة التاريخ، لكي لا يكون عرضنا لتاريخ كورتي وسيرة العُمدة أحمد عمر كمبال، عرضاً عاطفياً مبتسراً، بل يلتزم بتطبيق المعايير العلمية المتعارف عليها في كتابة التاريخ، بعيداً عن القراءات الشخصية المجروحة.

ويرتبط المُسوغ الرابع بموضوع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه عن نظارة دار البديرية في وسط كردفان، الذي أعطاني فكرة عامَّة عن نشأة الإدارة الأهلية، وتطورها في السودان، والأسباب السياسية والإدارية التي أفضت إلى تصفيتها عام 1970م، وفتح أيضاً بصيرتي تجاه أهمية التاريخ المحلي، ودوره في صياغة التاريخ العام. وداخل نظارة البديرية كان الناظر عبد الجبار حسين زاكي الدين (1903-1993م) شخصيةً كاريزمية فذَّةً، استطاع أن يحكم بحكمةٍ ودرايةٍ داراً متعددة الأعراق والأجناس، يصفها الناظر نفسه "بجلد النمر" لتباين تركيبتها الديمغرافية، وبالرغم من الاختلاف المعياري في السُّلطة بينه والعُمدة أحمد عمر كمبال؛ إلا أن هناك قواسم مشتركة في العطاء والتفاني في العمل بين الرجلين، وإن اختلفَا في ولائهما السياسي، فالأول كان أنصارياً مخلصاً لحزب الأمة، والثاني ختمياً يدور ولاؤه السياسي مُنساباً في فلك مرشد الطريقة الختمية.  

ويشكل الأستاذ عبد الحميد أحمد عمر كمبال السبب الخامس والأخير الذي يجمع بين الأسباب الأربعة السالف ذكرها؛ لأنه يُعدُّ في المقام الأول زميل دراسة في مدرستي كُورتي المتوسطة والثانوية العليا، ثم جامعة الخرطوم، وفوق تلك الزمالة والإخوة الممتدة يأتي اهتمامه الشديد بتوثيق تاريخ منطقة كُورتي، وحرصه الراشد على جمع آثار والده العُمدة، وصَوْنِها بطريقة علمية، بدليل أنه أطلعني على كلِّ الآثار المكتوبة، وصوَّر ليَّ نسخاً من أصولها، وأعانني في جمع بعض الروايات المأثورة، والوثائق، والصور الفوتغرافية ذات الصلة بموضوع هذا الكتاب. إن لم يكن الأستاذ عبد الحميد مؤلفاً لهذا السفر القيم في موضوعه، فهو شريك أصيل في إخراجه إلى دائرة الضوء؛ فلولا جهوده المقدرة في حفظ معظم مصادر هذا الكتاب، وتشجيعه المستمرّ والدائم في استنطاق تلك المصادر، وربطها بمحيطها البيئي، لظلّ طرفاً مهماً من تاريخ كورتي وسيرة العُمدة حبيس صدور الحُفَّاظ الذين يروونه شفاهة، ولا ريب أنهم سيحملون جزءاً منه إلى مراقدهم عندما تطالهم يدُ المنون، وأسير الوثائق البكماء التي لا تعيرها معظم الأجيال الصاعدة انتباهاً، بل تصنفها في خانة القراطيس البالية التي لا قيمة لها في الواقع المعاصر. وفوق هذا وذاك فقد كان اهتمام الأخ عبد الحميد بتوثيق سيرة والده العُمدة أحمد عمر كمبال معضداً بتوصية بعض الذين خاطبوا حفل تأبينه عام 1998م، ونادوا بضرورة توثيق سيرته لتكون نبراساً للأجيال القادمة. وبالفعل استطاع الأستاذ عبد الحميد أن يبلور تلك التوصية في فضاء أوسع، ونظرة ثاقبة وغير منكفئة على ذاتها، قوامها حرصه الدائم والمستمر على توطين سيرة والده في إطار تاريخ منطقة كورتي، وأهلها، وسير أعيانها ومشاهيرها. لا جدال أنَّ كلَّ هذه الأسباب مجتمعةً قد أسهمت في اختيار موضوع هذا الكتاب، وجمع مادته التي تشكلت من مصادر خمس حقب تاريخية رئيسة، شملت مخطوطات الأنساب السُّودانية، وأدبيات الرحالة الذين زاروا السُّودان في فترات مختلفة، واليوميات العسكرية الموِّثقة لطرف من تاريخ كُورتي وسير أعلامها قبل قيام الدولة المهدية (1885-1898م)؛ ثم وثائق الدولة المهدية، وكتابات معاصريها عن تاريخ المنطقة؛ وفي فترة الحكم الثنائي (1898-1956م) اعتمدنا على بعض الوثائق، والتقارير الحكومية، وجريدة حكومة السُّودان الرسمية (الغازيتة) التي تناولت جملة من القضايا ذات الصلة بتاريخ منطقة كُورتي، وسير أعلامها؛ وفي عهد الحكومات الوطنية التي أعقبت الاستقلال استأنسنا بنذرٍ من الوثائق والمكاتبات الرسمية المودعة بدار الوثائق القومية بالخرطوم. أما معظم المصادر المرتبطة بتاريخ عمودية كُورتي وسيرة العُمدة أحمد عمر كمبال فكانت تتمثل في الخطابات، والبرقيات، والمراسلات الرسمية، ومستندات العُمُودية، وسجلات محكمة كُورتي القروية، والأوراق التجارية التي أطلقنا عليها مجموعة وثائق العُمدة أحمد عمر كمبال، وتوجد هذه الوثائق الآن في حوزة الأستاذ عبد الحميد. وإلى جانب هذه المصادر الأولية استأنس المؤلف بكثير من المصادر الثانوية ذات الصلة بموضوع الكتاب، سواء أكانت تلك المصادر أو الأدبيات متعلقة بالإطار النظري العام، أو القضايا ذات الصلة بالموضوع؛ فضلاً عن المصادر الشفوية، والروايات الخاصّة بتاريخ كُورتي، وسيرة العُمدة في معناها الواسع، والقائم على حركة الزمان والمكان، وتفاعل العنصر البشري في منطقة كُورتي والمناطق الأخرى التي كانت مرتبطة بتاريخها.    وفي تعاملنا مع هذه المصادر تبنَّينا منهجاً تاريخياً، لتفكيك مفردات أحداثها المرتبطة بمنطقة كُورتي، وسيرة العُمدة أحمد عمر كمبال، وتحليلها في ضوء الواقع الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي الذي تخلَّقت فيه، ثم إعادة تشكليها وصياغتها وفق أسئلة البحث الآتية:

1- ما دور كورتي في تاريخ السودان الوسيط والحديث والمعاصر؟

2- مَنْ العُمدة أحمد عمر كمبال نسباً، ونشأةً، وبيئةً؟

3- كيف تولَّى رئاسة عمودية كُورتي؟

4- ما الوسائل التي استخدمها لتنفيذ أعماله الوظيفية وأنشطته الخدمية؟

5- ما الشواهد المادية التي ترتبت على أدائه الخدمي المرتبط بتشييد مرافق كُورتي العامَّة، وترقية أدائها؟

6- هل أثر قرار تصفية مؤسسات الإدارة الأهلية على دوره القيادي في منطقة كُورتي؟

7- كيف كانت علاقاته الوظيفية والاجتماعية بمن حوله من الناس؟ 

  وفي قراءتنا لتلك المصادر التاريخية وتحليلها استأنسنا أيضاً بطريقة تحليل المحتوى الخاصّ بتتبع المفاهيم الجوهرية والقضايا المفتاحية الواردة في نصوص الوثائق، لاستقصاء بعض العادات والتقاليد الموجهة لمسارات الحراك الاجتماعي في المنطقة، والمحددة لبعض آليات العمل الإداري، والقضائي في عمودية كُورتي؛ واعتمدنا أيضاً على طريقة تحليل الخطاب، لفهم طبيعة العلاقة الجامعة بين الراسل والمرسل إليه، واستيعاب الغرض الكامن وراء محتوى كلّ رسالة مهمة. وبذلك استطعنا أن نستثمر مصادر هذا الكتاب استثماراً موضوعياً، لإعادة تشكيل سيرة العُمدة أحمد عمر كمبال في إطار المجتمع الذي عاش فيه، ونبيِّن درجة تأثُّره بذلك المجتمع الذي أسهم في صياغة شخصيته القيادية، وطبيعة شبكة العلاقات الشعبية والرسمية التي نسجها؛ لتنفيذ الدور المناط به في المجتمع.

وفي معالجتنا لنصوص الوثائق واجهتنا مشكلتان، ترتبط إحداهما بلغة الوثائق، والخطابات، والسجلات القضائية، إذ لاحظنا بعض الأخطاء اللُّغوية والأسلوبية في النصوص الوثائقية، فأوردناها كما هي دون تعديل يخل بمحتواها، أو روحها العامة؛ لأننا نعتقد أن النصوص المضمَّنة في ثنايا هذا الكتاب إلى جانب هدفها الموضوعي المرتبط بمحتوى النص، تعكس روح العصر الذي تشكلت فيه تلك النصوص، لذلك نعتقد أنَّ الحفاظ على صياغاتها الشكلية أمر جوهري، تقتضيه أمانة التوثيق والتدوين. أما التعديلات التي أجريناها لبعض النصوص التي تأثرت بنوع من السقط، أو التصحيف، والإقلاب المخلّ لمعانيها فقد أشرنا إلى ذلك في الحواشي، وكذلك الحال بالنسبة للمصطلحات الغَريبة، فقد شرحناها في الحواشي أو الملاحق الخاصّة بالمصطلحات الاجتماعية، والزراعية القديمة. وتتصل المشكلة الثانية برسم اسم العلم "كمبال" الذي كان يُكتب بالنون الساكنة (كنبال) بدلاً عن الميم (كمبال) في وثائق المهدية، ومستندات عمودية كُورتي القديمة، ويتَّضح ذلك بصورة جليَّة في توقيعات رئيس محكمة كُورتي القروية، العُمدة عمر كنبال، وأعضاء محكمته الذين يحملون الاسم نفسه؛ ولكن هذا الإقلاب، أي قلب النون ميماً، حدث في عهد العُمدة أحمد عمر كمبال، الذي درج على كتابة اسمه بالكيفية المشار إليها، ولم نقف على وثيقة واحدة تبيِّن أنه قد قلب الميم نوناً. ولذلك آثرنا في هذا الكتاب رسم اسم العلم كمبال بالميم، بدلاً عن النون الساكنة؛ تجاوزاً لأي لَبْسِ ربما يحدث في ذهن القارئ.   وبناء على هذا المنهج التاريخي المُستَأنِس بمناهج بعض العلوم الاجتماعية الأخرى تمَّ تقسيم هذا الكتاب إلى مقدمة، وتسعة فصول، وخاتمة، وثبت للملاحق، وآخر للمصادر والمراجع التي قامت عليها مفردات الدراسة. تطرَّق الفصل الأول إلى التركيبة الجغرافية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية والسياسية لمنطقة كُورتي، بحُجَّة أنها الوعاء العام الذي تشكل فيه تاريخ المنطقة وسيرة العُمدة أحمد عمر كمبال. وتناول الفصل الثانيتاريخ منطقة كُورتي ابتداءً من الدولة السِّنارية (1504-1821م) وانتهاءً بدولة الحكم الثنائي (1898-1956م)، بغية توطين تاريخ المنطقة في فضاءات تلك الحقب التاريخية المتعاقبة. وقدَّم الفصل الثالث عرضاً لنشأة عمودية كُورتي وتطورها من الناحيتين الإدارية والقضائية في عهد العُمد السابقين للعُمدة أحمد عمر كمبال الذي عُيِّن عام 1952م، ثم وضَّح الفصل كيف استطاع هذا الأخير أن يثقف خبراته الإدارية وملكاته القضائية بفضل تعيينه وكيلاً لوالده عام 1937م. وسلط الفصل الرابع الضوء على دور العُمدة أحمد عمر كمبال قاضياً في محكمة كُورتي القروية، ورئيساً لعموديتها، فضلاً عن مناقشة أنشطته الخدمية والاجتماعية في المنطقة. أما الفصل الخامس فركَّز على نشأة المؤسسات التعليمية وتطورها في منطقة كُورتي، علماً بأنها كانت تمثل أوسع المجالات التي أسهم فيها العُمدة إسهاماً واضحاً أثناء فترة توليه رئاسة عمودية كُورتي، وبعد تصفية الإدارة الأهلية. وتناول الفصل السادس شبكة العلاقة الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية التي أسسها المترجَم له في مجالات عدة، شملت أفراد أسرته الصغيرة، وأبناء الكوارتة، وموظفي الخدمة المدنية والمعلمين، ورجال الأعمال، وزعماء الطريقة الختمية، وبعض مواقفه السياسية، وعطفه تجاه ذوي الحاجات الاجتماعية. وعالج الفصل السابع دور العُمدة أحمد عمر  كمبال القيادي والخدمي بعد تصفية مؤسسات الإدارة الأهلية، وناقش إلى أي مدى أثرت التصفية في وضعه القيادي والخدمي في منطقة كُورتي. أما الفصل الثامن فعرض السمات العامَّة لطبيعة علاقة العُمدة التي اتسمت بالشد والجذب مع الاتِّحاد العام لأبناء الغُريْبة وضواحيها، ثم تطرَّق الفصل لموقفه الإيجابي تجاه الآثار التي ترتبت على حريق سوق كُورتي في شتاء عام 1982م.  وجاء الفصل التاسع خاتماً لحياة صاحب السيرة، وعارضاً ومحللاً للمراثي والخطب التي أُلقيت في مراسيم عزائه، وليالي تأبينه، بعد وفاته التي حدثت في 21 فبراير 1995م. أما الخاتمة فحاولت أن تعطي تقييماً عاماً لدور العُمدة أحمد عمر كمبال القيادي، وعطائه الخدمي الممتد عبر مدارات الحياة العامَّة في منطقة كُورتي. وعلى النسق ذاته جاءت هوامش الكتاب وملاحقه غنية بتعريفاتها لبعض الأعلام والمشاهير الذين وردت أسماؤهم في المتون، وكذلك أسماء الأماكن، والقضايا المهمة، وأشجار النسب المرتبطة بموضوع الكتاب.  

  شكر وعرفان

آمل أن يكون هذا الكتاب وفاءً وعرفاناً إلى العُمدة أحمد عمر كمبال وأبناء جيله، وصدقة جارية في ميزان حسناتهم؛ لأنهم استطاعوا أن يخلِّدوا ذكراهم بأحرف من نور في تاريخ منطقة كُورتي؛ لأنهم أسهموا بفاعلية في عمران مجتمعهم المدني؛ لدرجة جعلتنا نعتقد أن قراءة سيرهم وآثارهم الجليلة فيها مادة مفيدة للأجيال الصاعدة؛ لتقتدي بأخلاقهم الفاضلة، ومبادراتهم الشجاعة، وقيمهم السمحة القائمة على التكافل الإنساني، والبعيدة عن انطواءات الأنا، ونرجسية الذات؛ ولكن هذا لا يعني أن نقلدهم في أساليب معاشهم، وبعض جوانب حياتهم المختلفة عن مفردات واقعنا المعيش؛ لأن التقليد الأعمى دون النظر في فوارق العصور والأجيال فيه ظلم للسلف والخلف على حدٍّ سواء، وكذلك الحال بالنسبة لتثمين أعمالهم وإنجازاتهم من منظور هذا العصر دون النظر في مفردات واقعهم الحياتي؛ لأن التاريخ يجب أن يُقرأ بلسان عصره، وأي قراءة مجردة من منظور ذلك العصر فيها تنطع لتدبر حركة التاريخ. لا يقف الشكر والعرفان عند هذا الحدّ، بل يمتد بكل أريحية إلى أولئك الذين قاموا بقراءة مسودات هذه الدراسة في مراحل مختلفة، وأسدوا النصح والإرشاد، إما بحكم تخصصهم في بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو درجة إلمامهم الواسعة بتاريخ منطقة كُورتي، وسيرة العُمدة أحمد عمر كمبال. ويشرفني في هذا المقام أن أذكر منهم: الأستاذ عبد الحميد أحمد عمر كمبال (الخرطوم- السودان)، والأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر (ماليزيا)، والدكتور صالح محجوب التنقاري (ماليزيا)، والدكتور يس محمد يس (ولاية كاليفورنيا/أمريكا)، والأستاذ محمد إبراهيم أبوشوك (قطر)، والأستاذ عثمان محمد عثمان (ماليزيا)، والأستاذ أحمد عبد الوهاب محمد سعيد (الخرطوم-السودان)؛ لأن ملحوظات وتعليقات كلّ واحدٍ من هؤلاء كان لها سهم صائب في تطوير مادة هذا الكتاب، وتثقيفها، ثم إخراجها بالصورة الماثلة بين يدي القارئ الكريم. ويقف في صف هؤلاء الأكارم، الإداري المخضرم بشير حسن وقيع الله الذي تفضل بتلخيص محتويات هذا السفر إلى مجلس المصنفات الأدبية والفنية، بعبارات صريحة تُوصي بنشره، ونذكر منها قوله: "لقد تميزت المعلومات الواردة  في مسودة هذا الكتاب بالدقة والصدق، وتميزت لغته بالوضوح والجاذبية والسلاسة؛ فهو بهذه الصفات وثيقة يحتاج إليها أهل المنطقة قاطبةً، بل يمثل إضافةً حقيقيةً للمكتبة السودانيَّة التي تحتاج بالفعل إليه"؛ وإن أنسى لا أنسى تدوين بطاقة شكرٍ وعرفانٍ إلى واسطة عقد هؤلاء الأكارم الدكتور عبد الرحيم عبد الحليم (ولاية كاليفورنيا-أمريكا)، الذي قدَّم لهذا الكتاب بصفاء الحياة الطالبية التي عاشها في ربوع كورتي، وحصافة العَالِم الثبت، الفقيه بمجريات الأحداث التاريخية في المنطقة، وتقاليد أهلها، وسِير أعلامها؛ وفي الختام، الشُكرُ والتقدير موصولان أيضاً إلى الأستاذ الشاعر إلياس فتح الرحمن، مدير دار مدارك للنشر، الخرطوم، الذي أشرف بعناية فائقة على الإخراج الفني لهذا الكتاب، ونشره ضمن قائمة إصدارات دار مدارك المتميزة.  

• (يتبع الحلقة الثالثة)  

  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.