سيصدر هذا الكتاب عن دار مدارك للطباعة والنشر والخدمات، الخرطوم،في نهاية هذا الشهر، 2015م. وهو عبارة عن جهد خمس سنوات مضت في البحث والتنقيب عن المعلومات ذات الصلة بموصوعاته المتنوعة في مظانها الأرشيفية والوثائقية، والمدونات المكتوبة، كما في صدور الحُفَّاظ الذين عاصروا وقائع بعض الأحداث المدونة بين دفتيه، فضلاً عن عملية التحقيق، والتثبت، والاستقراء، والتحليل، وإعادة التركيب حسب منظومة الزمن التاريخية وجدليات الصراع الإنساني في المنطقة. يتكون الكتاب من 580 صفحة من القطع المتوسط، مقسمة إلى فهرس للمحتويات، وإهداء مفاده "إلى بلدٍ لها يدٌ سلفت، ونفرٍ لهم دينٌ مستحقٌّ: مدينة كُورتي وأهلها الطيبين الأخيار؛ أساتذتي الأجلاء بمدرستي كُورتي المتوسطة والثانوية (1976-1982م)؛ زملائي الأعزاء بمدرستي كُورتي المتوسطة والثانوية (1976-1982م)"، وتقديم، ومقدمة، وتسعة فصول، وخاتمة، وأربعة وثلاثين ملحقاً، وثبت للمصادر والمراجع، وملحق للصور. ونستهل هذه التبصرة عن محتويات الكتاب بتقديم الدكتور عبد الرحيم عبد الحليم، علها تحفز القارئ على قراءة النص في نصابه الكامل.   ******

تقديم الدكتور عبد الرحيم عبد الحليم   أود أن أتقدم بجزيل الشكر والتقدير لأخي المؤرخ والأديب أحمد إبراهيم أبوشوك الذي أتاح ليَّ شرفاً كبيراً بتقديم هذا السّفْر "العمدة أحمد عمر كمبال (1915-1995م): ملامح من تاريخ كورتي وشذرات من سيرة الرجل"، الذي يدور محوره عن رجل صنع وشاهد صناعة التاريخ في منطقة مهمة من مناطق بلادنا في كل المجالات. فأني أرى هذا السِّفْر، سفرًا فريدًا في نوعه، يزدحم فيه التاريخ بالاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والثقافة، مما جعلني أقف مبهورًا كيف جمع المؤلف كل هذا الثراء المعرفي؛ ليأتي دافقاً وثرياً عن صورة إقليم شمالي آسر، اختزل كل فصول السنة في موسم واحد، هو موسم الدميرة؛ ليغني به أغاني الحصاد، وملاحم الزروع والضروع على ضفتي النهر العظيم. ذاك غناء معاول الرجال وعزائمهم التي لا تخور، في سعيهم لبناء وطنٍ رائعٍ، ومرموقٍ، وسالمٍ، ومسالمٍ، تسوده الحكمة والالتئام، وتحكمه السنابل الخُضر، وتحج إليه أسراب العصافير. يشرفني أن أقدِّم هذا السّفْر من مدينة مونتري بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتعاظم إحساسي بالتقدير، بل الفرح والنشوة لصدور هذا السِّفْر الشيق في عرضه، والقيم في موضوعه، وذلك لأمر متعدد الجوانب: أولاً: إنَّ مصدر انفعالي الصادق بهذا العمل، يرجع إلى علاقة طويلة بالمكان الذي عاش فيه العمدة أحمد عمر كمبال، والمكان الذي أقصده هنا هو ذلك الإقليم الشمالي الآسر، الذي حمل غريزة أن يعيش متحدياً عنف الحياة وقسوتها بين الصحراء والجبل. ويتعاظم هذا الانفعال بحكم أنني أحد شهود بعض ما خطه يراع المؤلف في هذا الكتاب القيم. ويرجع تاريخ هذه الشهادة إلى مطلع عام 1958م، عندما ترجّلتُ عن صهوة حمار أبي تلميذاً، كان نُزله في داخلية مدرسة كورتي الأوليَّة. هناك أسلمني الوالد يرحمه الله إلى أستاذ عوض، ضابط الداخلية؛ لتتسلمني بعده الحاجة الطاهية مكة التي تستكين هنا في سفر الدكتور أبو شوك بشلوخها الأفقية الجميلة، وتلك فارسة كان لها دورها المشهود في صناعة التاريخ التعليمي والاجتماعي في تلك المنطقة. وشعوري وأنا أكتب هذا التقديم، مثل شعور شاعرنا إدريس جماع الذي كان في شجونه وأحاسيسه العاتية كطينة أسى جعلت قدره أن يكون شاعراً مثَالاً؛ فعشق كورتي وأهلها بالنسبة ليَّ قدر جميل، فقد ظللت جهيراً بحبها، حافظاً لعشرتها، وعشرة أحبابي وزملائي فيها، وذاك شعور لا يتبدد، وإنما يتجدد، ولا ينحسر، وإنما يتمدد. ومع هذا أقرُّ بأن أحباباً كُثر ينافسونني في حب كورتي، هذه الغادة الجميلة التي ترقد كظبيٍ ناعسٍ بين النهر والصحراء، جذلى بأغاني القطا العابر، والقمري الذي ألف المكان، وبصوت الموج، ومكتحلة برمله الناعم، إنها تغني على أصوات مزامير العرب الرحَّل، و تتمايل في صبابات عميقة على وقع طبول السادة المراغنة وراياتهم، ومن حولها إقليم يعج بفضاءات المديح النبوي، للسادة الأحمدية والعجيمية وغيرهم، في همهمات ندية تنطلق من مساجدها وخلاويها، تحف بالمكان، وتحرسه من غوائل الزمن، وعوادي الأيام. ولذلك اعتقد إن كتابة سفر عن تاريخ كورتي عبر رمز من رموزها هو تثبيت لقيم أصيلة، تنشأ بين الإنسان والمكان، ثم تتجسد في أواصر لا يمحوها الزمن. وأساس تلك الأواصر أن بعض الناس، مثل العمدة أحمد عمر كمبال، رفعوا أركانها، وشيدوا بنيانها النفسي والوجداني، ومنحوها بفضلهم ورجولتـهم وعملهم القدرة على أن تبقى معلماً لجيلٍ قويٍ رأيناه فيما بعد، وهو يتقلد أرفع المناصب، ويقود الوطن في عدة مجالات، انطلاقاً من أسس وضعها العمدة وآله وذويه الكرام من السادة الكوارتة. ثانياً: إنَّ الكتابة والتحقيق في شأن رموزنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها لهو إسهام في كتابة التاريخ بشكل عام، وذاك إسهام أراه متجذراً في أمانة الإنسان منذ القدم، تلك الأمانة التي كلَّفه الله تعالى بها حين جعله وريثاً له في الخلق والإبداع. إنَّ قدر قياداتنا الفكرية كقيادات ألهمها الله بصيرة النظر الراشد إلى مستقبل أمتنا؛ لهي عليمة وواعية بدون شك بأن صناعة التاريخ عبر كتابته هي إسعاد لأجيال قادمة في عالم يغرقه طوفان العولمة، وتزدحم جنباته بتطورات وتغيرات تقنية كاسحة. تلك تغيرات لا تتلاقح إلا مع المعارف حين يكون مصدرها قلمٌ مبدعٌ، ولا تتجاوب إلا مع الحقائق التي لا يطويها النسيان، ولا يجرفها الزمن، فقد تصدى لها رجال يعرفون قيمة كنوز معارفنا، وعلومنا، وفنوننا في زمن تقني متغير، يذهب فيه الزبد جفاءً، ويمكث في أرضه ما ينفع الناس. إنَّ إسعاد الحاضر بكتابة سير الرجال الأفذاذ، واستلهام تلك السير في عالم يعاني من نقص الهمم، وانفراط عقد العزائم، هو  سدٌّ حكيمٌ لثقوب الحاضر ومساماته. وتقوية الحاضر بسير العظماء وأسلافهم من الأفذاذ، ضخ للقيم الفاضلة في مفاضل أجيالنا، وبوصلة دقيقة لحالة الوطن الذي نريده أن يتقن فن صناعة النجاح، كفن برع فيه العمدة الجليل أحمد عمر كمبال. وكيف لا نتغنى بسيرة عظيمة حين يكون أساسها التجرد الذي وثقت له فصول هذا الكتاب، وغايتها تعبيد الطريق لأجيال جديدة قادرة على أن تبلغ بمقاصد النجاح غاية تمامها. إذن هذا السّفْر هو احتفاء بقيم النجاح في حاضر لأمتنا مثقل بالهموم، والأوجاع، والتحديات، والأمنيات، بل هو تعبير ملهمٌ عن إنسان بلادنا القادر على تغيير واقع مجتمعه، وشحذ همم الآخرين، وغرس الوطن كقيمة عالية ورفيعة في وجدانهم. ثالثاً: بحكم خبرتي المتواضعة في دراسة القيادة والإدارة، أود الإشارة إلى أنَّ علماء الإدارة قد ثمَّنوا محاسن الإدارة الموقفية، كنمط قيادي يُركِّز على الفهم العميق لقدرات الناس واحتياجاتهم، وتغيرات هذه الاحتياجات عبر الزمن؛ وطرحوا أيضاً في ميدان القيادة التحويلية (transformational leadership)، القادرة على صناعة التغيير والانتقال بالناس من طور إلى طور أفضل، نمط القيادة الوجدانية (emotional intelligence )، التي أساسها أن تفهم مشاعرك وتربطها بمشاعر الآخرين بعد أن تتحسس احتياجاتهم ورغباتهم، ثم تسعى لتلبيتـها عبر مقومات منها الانضباط الذاتي والقدرة على تحفيز الناس. ومن خلال مطالعتي الدقيقة لفصول هذا الكتاب ألحظ أنَّ العمدة أحمد عمر  قد جمع كثيراً  من السمات القيادية التي تعج بها كتب العصر، فهو رجل دقيق الملاحظة، وثاقب النظرة، وناضر المحيا، وجميل البسمة، يأتي كلامه موزوناً، وصادقاً، ودافئاً، ورقيقاً، كنهر دافق عذب، لا تعتريه الجزر الرملية، وعوائق الانسياب. ومع أنَّ آله وذويه ومواطنيه تسرهم أوامر العمدة وطلباته كما جاء في ثنايا هذا الكتاب؛ لكنه كان يطرح الرأي الصائب في شكل فكرة حتى لا يبدو متسلطاً أحادي النظرة. إنه يستطلع القوم آراءهم، ويدعمها بإجماع الرؤى كلها، وبموارده وموارد أهله، موقناً بأن الادخار هو في الإنفاق، ولم يترك فيما أعلم لأبنائه كنزاً سوى سيرته، وسوى علم حرص على تزويدهم به، فشقوا طريقهم مترسمين نهجاً، كان العمدة حريصاً على غرسه حتى في غير أبنائه. وبهذا فهو أيضاً قائد شوري، يقدم نمط آخر من أنماط القيادة التي يتحدث عنها المحدثون. ومن غرائب الأفكار والخواطر أنني عندما تحدثتُ عن هذا التقديم مع أخي السفير عبد المحمود عبد الحليم، وصف العمدة الراحل بأنه رجل الضفتين، قبل أنْ يعلم أنَّ تقديمي يدور حول هذه الصفة الجامعة المانعة. حقاً أحسست بسعادته وافتخاره بصدور هذا الكتاب، كونه من ناحية يأتي بقلم ابن مبدع، هو الدكتور أبو شوك، وفاءً لوالده الجليل، ووالدنا جميعاً العمدة أحمد عمر كمبال، وكونه أيضاً يأتي من أسرة العمدة إبراهيم أبو شوك، ومن فرع البديرية في إعلاء صادق لوشائج تعمَّ وطننا بأكمله. إنَّ مادة هذا الكتاب، لاسيما ما يتعلق منها بالقيادة والإدارة والتنظيم، تستحق أن ينبري لها الباحثون لإعداد مادة قيمة عنها في عالم تجتاحه ثورة عارمة في نظم الإدارة (Global Public Management Revolution)، حيث يحتدم نقاش فكري عن نظم الحوكمة والحكم الراشد، وما إلى ذلك في استعراض لنظم الإصلاح الإداري التي عرفها العالم. إنَّ أمتنا يجب ألا تتوارى، أو تتهيب من أن تطرح سِيَـرها العطرة إلى العالم في مجال القيادة، وإني لأرى هذه السيرة العطرة للوالد الجليل أحمد عمر كمبال جديرة بالتوقف عندها، كقيادة خادمة، ووجدانية، وشورية، وموقفية، برهنت على أن النجاح هو محصلة لعدة عوامل، أهمها الرؤيا الثاقبة، والهدف والموارد حين يكون مصدرها البذل، والكرم، ونكران الذات، وروح الفريق الواحد. أدرك في الختام، جسامة تقديم سفر كهذا، فمن يرد أن يتحدث عن العمدة أحمد عمر كمبال وكورتي وإرثها الثقافي والتاريخي، لا بد له من أنْ يقل خيراً، أو ليصمت. يشفع لي في جرأتي هذه، وقبولي بمهمة التقديم، أنَّ الدكتور أبو شوك هنا كان في حجم التحدي الذي أهله علمه، وتخصصه، وجمعه بين صفتي الأديب والمؤرخ، أن يكون بارئاً لهذا القوس الذي أصاب به كبد الحقيقة، وهو يعرض هذه السيرة العطرة لرجل من أفذاذ بلادنا. لقد قبلتُ المهمة كمحب عاشق للعمدة، وأهله ولمنطقته، وكقاريء يا طالما احتفي واستمتع بكتابات المؤلف. لقد حاولت هنا لملمة بعض نثار ذكرياتي، وربطه قدر الإمكان بالروح العامة للكتاب. إن دوري هنا دور أحد أبناء العمدة، عُهدت إليه مهمة تقديم "صفرة" غنية بالمفيد المشبع، ينتظرها جيش عرمرم من الضيوف في ديوان العمدة أحمد عمر، ديواننا في الفضيلة، والبذل، والكرم، ومكارم الأخلاق.   المصدر: صحيفة السوداني، الأحد 9 إغسطس 2015م.  عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.