على قدر أهل العزم تأتي العزائم

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

كانت زيارتي الأولى لجامعة بيرقن في خريف عام 1989م، وقبل شهرين من سقوط حائط برلين في التاسع من نوفمبر من العام نفسه، وبروز معالم النظام العالمي الجديد الذي أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب ميلاده بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والآن سطَّرت ليَّ الأقدار زيارة ثالثة (19-22 نوفمبر 2009م) إلى مدينة بيرقن بعد أن غادرتُها في خريف عام 1999م متيمماً شرقاً إلى مدينة كوالالمبور. وفي هذه الزيارة الثالثة بعد الهجرة شرقاً وجدت مدينة بيرقن لا تزال في ألقها وجمالها بالرغم من أن تباشير الشتاء الباكرة قد أخذت جزءاً من خضرتها العسجدية ورونقها الزاهر؛ إلا أن أهل المدينة ظلوا على حالهم وديدنهم المعلوم، أناس محافظون، جبلوا على صون الطبيعة، والعناية بآثار بيئتهم الاسكندنافية وتقاليدهم الموروثة، وفوق هذا وذاك استطاعوا أن يجمعوا بين القديم والحديث، ويشقوا طريقهم وسط زحام الدول التي تحترم الحريات العامة وحقوق الإنسان والحيوان، وتحتكم إلى الديمقراطية، وتؤمن بقسمة الثروة مساواةً بين المواطنين والأجانب المقيمين فيها.

في وسط هذه المدينة الجبلية المحاطة بعدد من الخلجان المائية توجد جامعة بيرقن، التي تُعدُّ من أعرق الجامعات النرويجية، فضلاً عن صلاتها الواسعة والمنداحة بين كثير من البلدان النامية، وفي مقدمتها السودان، ممثلاً في جامعة الخرطوم وغيرها من المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأخرى. ويرجع تاريخ التعاون الأكاديمي بين جامعة بيرقن وجامعة الخرطوم لعام 1965م، وبمرور الزمن تبلورت حصيلة هذا التعاون في حزمة من البرامج الأكاديمية المشتركة بين الجامعتين، وفي تأهيل ثلة من الباحثين السودانيين الذين تقلدوا وظائف مهنية وإدارية مهمة في السودان، ونذكر منهم: الأستاذ الدكتور عبد الغفار محمد أحمد (أستاذ الانثربولوجيا بجامعة الخرطوم/جامعة الأحفاد)، والدكتور صلاح الدين الشاذلي إبراهيم (أستاذ الانثربولوجيا بجامعة الخرطوم)، والأستاذ الدكتور علي التيجاني الماحي (أستاذ الآثار بجامعة الخرطوم، سابقاً)، والدكتور علي صالح كرار (أمين عام دار الوثائق القومية، سابقاً)، والدكتور شريف عبد الله حرير (أستاذ الانثربولوجيا بجامعة الخرطوم، سابقاً)؛ ومن الجيل الثاني الأستاذ الدكتور السيِّد الأنور عبد الماجد عثمان (أستاذ الآثار جامعة الخرطوم، سابقاً)، والدكتور جمال الدين الطيب الغزالي (المركز القومي للبحوث، الخرطوم)، والدكتورة آمال عثمان أبو عفان (كلية الأسنان جامعة الخرطوم)، والدكتور عمر عبد الله العجيمي (أستاذ الجغرافيا بجامعة الخرطوم)، والدكتور عبد الرءوف عبد الوهاب العتيبـي (عميد كلية الأسنان، جامعة التقانة)، ومن الجيل الثالث أو الرابع الدكتور منـزول عبد الله عسل (أستاذ الانثربولوجيا بجامعة الخرطوم). وإلى جانب هؤلاء الأخيار توجد مجموعة نيِّرة من كل هذه الأجيال، آثر أفرادها العمل في النرويج، وحمل بعضهم عصا الترحال إلى دول الشتات الأخرى، حيث استطاعوا أن يقدموا جهوداً أكاديمية رائدة في مجالات تخصصاتهم المختلفة، ويكتبوا لأنفسهم أسماء علمية لامعة من نور المعرفة، وأبحاث أكاديمية يشار إليها بالبنان.

لا غرو أن هذا الإرث التاريخي في التعاون الأكاديمي قد أهلَّ جامعة بيرقن لأن تكون من أفضل مراكز البحث العلمي في الدراسات السودانية في العالم، وذلك بفضل مكتباتها المتخصصة عن السودان، ونخبتها الأكاديمية البارزة في مجال الدراسات السودانية، ونذكر منها البروفيسور قونر هولند، عالم الانثربولوجيا، والبروفيسور ركس شون أوفاهي المتخصص في شؤون دارفور والطرق الصوفية، والبروفيسور آندرس بيركيلو المتخصص في تاريخ التركية في السودان، والبروفيسور لايف منقر خبير دراسات الأناسة في كردفان، والبروفيسورة راندي هولند، عالمة الآثار، والبروفيسور قونر سوربو صاحب الدراسات المتفردة عن مشروع خشم القربة في شرق السودان.

وفي ضوء هذه الصورة الذهنية الموحية بالعطاء والإنجاز اختار الأستاذ محمود صالح عثمان صالح جامعة بيرقن بأن تكون مركزاً لإيداع مجموعته المكتبية والوثائقية الفريدة عن تاريخ السودان وأنماط الحياة فيه، والتي يقدر كمها بألفي كتاب، من الكتب النادرة والنفيسة التي كُتبت بلغات أوروبية مختلفة (الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، واللاتينية)، وعدد مماثل من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، والخرائط، واللوحات الفنية التي تجسد أبعاداً متنوعةً عن واقع العمارة والاجتماع في السودان.

مَنْ محمود صالح عثمان صالح؟ ما المجموعة الوثائقية التي أودعها بجامعة بيرقن؟

محمود هو الابن الأوسط لرجل الأعمال السوداني المعروف صالح عثمان صالح، وحفيد الجد المؤسس عثمان صالح أحمد، ذلك الرجل العصامي الذي بنى لنفسه ولأسرته اسماً لامعاً في قاموس الرأسمالية الوطنية في السودان، إذ كان يقدر جُعل صادرات شركاته التجارية بأكثر من 60% من منتجات السودان الزراعية إلى الأسواق الأوربية، وغيرها من الدول العربية والإفريقية. وعندما أممت حكومة مايو (1969-1985م) بقرارها غير الحكيم شركات عثمان صالح هاجر نفر من أفراد الأسرة إلى مصر، وانجلترا، وغرب إفريقيا، حيث استأنفوا نشاطهم التجاري خارج السودان.

وُلِدَ محمود في هذه الأسرة السودانية العريقة في شتاء عام 1939م، وأكمل تعليمه الابتدائي والثانوي بالسودان، ثم هاجر إلى بريطانيا، حيث درس الاقتصاد بجامعة برستول. وبعد تخرُّجه عام 1963م فضَّل العمل بشركات عثمان صالح وأولاده في السودان، وظل مقيماً بالسودان إلى أوائل السبعينيات، وبعد مصادرة أملاك عثمان صالح وأولاده آثر الهجرة إلى انجلترا، حيث استأنف أعماله التجارية، وقدم نموذجاً لرجل الأعمال الناجح، لأنه جمع بين خلق العلم وإدارة المال. وأخيراً آثر الركون إلى حياة المعاش عام 1994م، وذلك بعد أهلَّ أبنيه أمير وأسامة لتسير أعماله التجارية، ثم جعل معاشه الباكر يختلف عن معاش نظرائه من رجال الأعمال المولعين بسلطان الثروة، وبذخ إنفاقها الباذخ؛ لأنه استطاع أن يشغل نفسه وأوقات فراغه بالاهتمام بالدراسات السودانية، والأعمال الخيرية، وتوثيق الإنتاج الأدبي لرهط من الباحثين والعاملين في الحقل الثقافي في السودان، وفي مقدمتهم أدبينا الراحل الطيب صالح، طيب الله ثراه.   

        توَّج الأستاذ محمود صالح هذه الحياة المعاشية المتفاعلة بقضايا الثقافة والأدب في السودان بتأسيس مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بمدينة أم درمان، وذلك في الخامس عشر من مايو 1998م. وقد علق الدكتور حسن أبشر الطيب على هذه المبادرة النوعية، بقوله: إن المركز يمثل "فكرة رائدة مبدعة تتجسد فيها نقلة نوعية حضارية في الاحتفاء برموزنا الفكرية"، علماً بأن الحضارة عملية تراكمية تبنى على الإرث الثقافي الموروث من السلف الصالح، "ويأتي الأبناء لاحقاً فيضيفون إليه جديداً، وفقاً لمعطيات الحياة المتغيرة والمتجددة"، ويشير إلى أن المركز "مركز ثقافي أهلي، وبالتالي فإن كل الجهود الممتدة الواسعة يمكن لها أن تحقق استمراره وحيدته، بحيث يستطيع تلقي مشاركة ودعم كل الناس دون حساسيات، وبعيداً عن ساحات الصراع السياسي". ثم يثمن جهود القائمين على المركز بقوله: "التحية والتقدير لنخبة خيرة من أبناء الوطن احتضنوا هذا المركز فكرة ومنهجاً، وحرصوا على هذا الأداء المتميز. والتحية بخاصة لربان هذه السفينة الخيرة الأستاذ محمود صالح عثمان صالح، ولا غرابة أن يتصدى ويبادر لهذا العمل الوطني النافع، فهو من أرومة سامقة وبيت جبل على الريادة في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية." 

ويصب في الاتجاه ذاته قول الأديب أمير تاج السر: بالرغم من حداثة إنشائه: "أقام المركز عشرات الندوات الثقافية والفكرية، واستضاف أهل العُود والرق، وأهل الشعر والقصة، وأضاف إلى مكتبات الوطن كتباً لا ترتدي "السروال والعراقي"، وتندس خجلة في معارض الكتب، كما كانت كتبنا القديمة تفعل، لكنها ترتدي البدلة ورباط العنق، وتطل بوجه صبوح في أي معرض تزوره. إنها "النيو لوك" في صناعة الكتب، تلك التي أحدثها ذلك المركز، ولدرجة أنها أغرتني بالنشر هناك.. كأنني أنشر في بيروت والقاهرة. ولعل كتباً مثل "وين يا حبايب" للراحل زهاء الطاهر، والمجموعة الشعرية لسيدأحمد الحردلو، وجهان معبران عن تلك "النيو لوك".  ويمضي الأستاذ أمير تاج السر في تعضيد إعجابه بالمركز، ويقول: "تبنى المركز أيضاً جائزة دورية باسم مبدعنا الكبير الطيب صالح في مجال الرواية، ولعلها المرة الأولى التي تنشأ فيها مثل تلك الجائزة في بلادنا.. إنه تحليق معنوي في عظمة الكتابة، وحافز كبير لأولئك الأصيلين أن يكتبوا... وأن يتنافسوا، وأن يحصلوا على مكافأة باسم كاتب هو نفسه مكافأة للوطن ... وقد صدرت أخيراً، وبنفس الأناقة المتوقعة رواية الحسن بكري الفائزة بالجائزة: "أحول المحارب القديم".

وفي ضوء هذه الشهادات المُشرِّفة يمكننا القول بأن مركز عبد الكريم الثقافي يُعدُّ بلا منازعٍ واحداً من الإنجازات الشامخة التي أسهم في تحقيقها الأستاذ محمود صالح بعد أن طلَّق العمل التجاري، وآثر الجلوس على كرسي معاشه الوثير تحت ظلال الثقافة الوارفة، وينابيع الأدب الصافية الرقراقة، وأُنس الكُتب وإمتاعها. وبفضل هذه الرغبة الجامحة جعل من مركز عبد الكريم مركزاً للإشعاع الثقافي في السودان، إشعاعاً يشع من أنشطته الثقافية التي تتبلور في نشر الكلمة المكتوبة، وعقد الندوات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتنظيم الحلقات الدراسية المفتوحة، وتقديم الجوائز التقديرية للأدباء، والروائيين، وكُتَّاب القصص القصيرة في السودان، فضلاً عنما تقدمه مكتبة المركز الثقافية لطلبة العلم والقراء والباحثين من معرفة مجانية غير مدفوعة الثمن. فلا جدال أن طرفاً من هذا العطاء السابل جعل الأستاذ الشاعر محمد المكي إبراهيم ينعت المركز بـ"منبر الثقافة الرئيس للقراء السودانيين في الوطن وأقطار الشتات"، وشجع أيضاً الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه أن تكتب مقالاً في صحيفة السوداني عن إنجازات راعي المركز بعنوان: "محمود صالح عثمان صالح نجم سطع في سماء الوطن". 

هذا طرف من سيرة الأستاذ محمود صالح المعاشية، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المضمار هو: ما قصة مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن؟ يروي صاحب القصة نفسه بأن مشروع هذه المجموعة النادرة التي يربو كمها على الألفي كتاب بدأ بكتاب واحد عن "الاستثمار في إفريقيا" لمؤلفه البروفيسور هاربرت فرانكل، نشرته جامعة كمبريدج عام 1938م. وقد عثر صاحب القصة على نصٍّ من الكتاب في التقرير السنوي لحاكم عام السودان، هوربت هدلستون (1940-1947م)، وكان مفاد ذلك النص: "لا يوجد أدنى شك في أن التنمية الاقتصادية التي حدثت في السودان في القرن العشرين قد حققت إنجازاً رائعاً، يمكن اعتباره من عدة نواحي نموذجاً للأقطار الإفريقية الأخرى." ولا عجب أن هذا النص قد حفَّز القارئ المهتم بشأن السودان أن يبحث عن الكتاب لمدة تقدر بعشر سنوات، لكن جهوده لم تكلل بالنجاح إلا في شتاء عام 1997م، عندما التقى بالسيدة أليزبيث بنقهام في القاهرة، وسرَّها عن رغبته في الحصول على الكتاب المشار إليه. وبعد بضعة أيام من ذلك اللقاء العابر وجد الأستاذ محمود صالح نسخةً من "كنزه المفقود" في صندوقه البريدي، ومعها مذكرة مفادها أن شخصاً يدعى بول ولسون في ضاحية شبرسبري في انجلترا لديه مجموعة نادرة من الكتب عن تاريخ السودان وجغرافيته، وأنماط الحياة فيه. وبفضل هذه المذكرة بدأت العلاقة بين بول ولسون ومحمود صالح، وأثمرت خواتيمها في شراء المجموعة بكاملها، والتي يقدر كمها المودع الآن بجامعة بيرقن بألفي كتاب من الكتب النادرة التي يرجع تاريخ تأليف بعضها إلى القرن السابع عشر للميلاد، إضافة إلى كمٍ مماثلٍ من الوثائق الأرشيفية، والصور الفوتوغرافية، واللوحات الفنية. وتعالج هذه المجموعة قضايا مختلفة عن التاريخ، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والآثار، وعلم النبات، وعلم الحيوان، وفن العمارة في السودان. ومعظمها كُتب باللغة الإنجليزية ولغات أوروبية أخرى، وهي على حدِّ قول الراسخين في الدراسات السودانية تمثل مجموعة نادرة للطلبة والباحثين في الشأن السوداني، ولا يوجد لها مثيل داخل السودان أو خارجه.

        وقبل إيداع هذه المجموعة بجامعة بيرقن، اتصل الأستاذ محمود صالح بعدد من جهات الاختصاص في السودان لتقوم بإيداعها، وصيانتها، وجعلها متاحة للباحثين؛ إلا أن جهوده في هذا الشأن قد باءت بالفشل، نسبة لتلكؤ المسؤولين في اتخاذ القرار الصائب. ومن ثم كان خياره الثاني جامعة بيرقن، تثميناً لجهدها الرائد في مجال الدراسات السودانية. وبالفعل تم اللقاء الأول بشأن هذه المجموعة النفيسة أثناء انعقاد مؤتمر الدراسات السودانية بجامعة بيرقن في ربيع عام 2006م، حيث فَاتَح الأستاذ محمود صالح البروفيسور آندرس بيركيلو، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بقصة هذه المجموعة التي تبحث عن مأوى، وقد أبدى هذا الأخيرة موافقته الفورية بإيداعها بمركز دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وفي ضوء ذلك رتب لقاءاً للأستاذ محمود صالح مع إدارة الجامعة التي التزمت بكلفة تصنيف المجموعة، وحفظها حفظاً رقميّاً، ثم وضعها على شبكة عنكبوتية خاصة بها، لتكون متاحة للباحثين في كل بقاع العالم. وبموجب هذا الاتفاق تم تدشين مجموعة محمود صالح بجامعة بيرقن في شتاء عام 2006م، في تظاهرة علمية رائعة، حضرها رموز الجامعة، ووجهاء الجالية السودانية بيرقن، وزادها ألقاً على ألقٍ إبداع الأستاذ عبد الكريم الكابلي الذي شكل حضوراً فنياً رائعاً.

وزان تلك التظاهرة العلمية وهجاً على وهجها زيارة الأديب الطيب صالح وحرمه الفضلى جوليا إلى بيرقن في مايو 2007م، والتي كتب عنها في مجلة المجلة، قائلاً: "في خضم الصراعات والمشاكل والحروب التي تستعر في العالم، يجد الإنسان بعض الظواهر التي تبعث على الأمل والتفاؤل، وتقوي الإحساس بأن الإنسان، بقدر ما في طبيعته من نزوع نحو الخراب والدمار، فهو أيضاً قادر على البناء وعمل الخير. ومن هذه الظواهر التي لفتت نظري أخيراً، التعاون الذي نما بين جامعة بيرقن في النرويج والجامعات السودانية، وبخاصة جامعة الخرطوم. لقد زرتُ جامعة بيرقن أخيراً، بصحبة صديقي رجل الأعمال السوداني المثقف محمود صالح عثمان صالح ... إنه من الناس النادرين، الذين يخصصون بعض ما أنعم الله عليهم من خير، لنشر الثقافة، وفتح الأبواب للتفاهم، ومحاربة قوى الجهل والتخلف، وتعميق قيم الخير والإخاء بين الناس. كل هذا الجهد الإنساني والثقافي العظيم، يتم عن طريق مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، الذي أنشأه الأستاذ محمود وعائلته، تخليداً لذكرى خالهم المرحوم عبد الكريم ميرغني". 

خاتمة

في ضوء هذه التبصرة عن مجموعة الأستاذ محمود صالح بجامعة بيرقن أستأنس بإجماع بعض الباحثين على أن أهل السودان لا يحتفون بالتوثيق، ويميلون إلى المشافهة في معاملاتهم الرسمية والشعبية، وتداول مكنوزاتهم التراثية، والشاهد في ذلك زهد بعض جهات الاختصاص السودانية في مجموعة الأستاذ محمود صالح الوثائقية التي احتضنتها جامعة بيرقن. ويحضرني أيضاً موقف مماثل، حدث عام 1994م، عندما ذهبتُ لمدينة الأبيض لجمع بعض المعلومات عن نظارة البديرية في كردفان، فوجدتُ كماً هائلاً من الملفات الإدارية القديمة عن كردفان منذ العهد الاستعماري والحكومات الوطنية الباكرة، مكدساً في مخزن صغير بمحافظ شيكان، وعلى الفور أخطرتُ المرحوم البروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم، الأمين العام لدار الوثائق القومية آنذاك، بواقع تلك الملفات ودرجة تعرضها للاندثار. وبالفعل أعدَّ أبوسليم خطاباً إلى والي ولاية شمال كردفان، طلب فيه السماح لدار الوثائق القومية بتصنيف الملفات المذكورة، وترحيلها إلى الخرطوم، لتكون في حرزٍ آمنٍ، ومتاحة للباحثين؛ بَيْدَ أن بعض المسؤولين في الحكومة الولائية رفضوا هذا العرض السخي، وتعللوا بأن الولاية تريد أن تحتفظ بتلك الملفات وغيرها، ثم تنشئ لها وحدة أرشيفية لتكون بمثابة بنك معلومات للولاية. إلا أن الأمر المُحزن أن الملفات المشار إليها، حسب مبلغ علمي، لا تزال حبيسة ذلك المخزن الوضيع بمحافظة شيكان، وأن القوارض أتلفت جزءاً كبيراً منها، وجزءاً آخر ضاع نتيجة لجهل القائمين على أمرها. إذاً مَنْ المسؤول مِن ضياع مثل هذه الثروة المعلوماتية في السودان، في عصر أضحت المعلومة الصحيحة الموثقة أساس كل عمل إداري وتنموي ناجح، لكن يبدو أن المشكلة الأساسية أن معظم المسؤولين في الدولة لا يدركون النصح بمنعرج اللوى، ولكنهم يستبينون فداحة أخطائهم بعد ضحى الغد. ويوجد واقع شبيه آخر تمثله مجموعة الصُحف السودانية القديمة، المودعة بدار الوثائق القومية بالخرطوم، والتي تعاني من عدم الصيانة وسوء المعاملة، لأن أوراقها أضحت أوراقاً بالية، لا تصلح للإطلاع أو التداول، وأن عملية حفظها حفظاً رقمياً قد أضحت ضرورة ملحة، وإلا فقدناها بما فيها من معلومات نفيسة يندر الحصول عليها في أي موقع آخر. وأمل أن تكون هذه المناشدة ناقوس خطر في آذان المسؤولين والقائمين على حفظ الوثائق السودانية وصيانتها، ليقوموا بإنقاذ هذا الإرث الصحافي النادر قبل أن يكون أثراً بعد عين.

نقلاً عن صحيفة الأحداث