Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

تناولتُ في المقال السابق قضية الهُويَّة السُودانيَّة في حوارات الأستاذ صلاح شُعيب التي نشرها مسلسلة في صحيفة الأحداث مع نخبة من الأكاديميين والناشطين السياسيين في داخل السودان وخارجه، وفي هذا المقال سأقوم بعرض مفردات العلاقة الجدلية بين المثقف والسُلطة، وتحليلها في منظومة تلك الحوارات التي استطاعت أن توطن لكلا المصطلحين من زوايا معيارية مختلفة، وتقدم صورة ذهنية حيَّة لطبيعة العلاقة القائمة بينهما في السودان، ثم تحدد الدور الوظيفي الذي يجب أن يقوم به المثقف وفق مبادئ عدليَّة ثاوية؛ لأن العدل من منظور قرآني هو أقرب إلى التقوى، ومن منظور أرسطي (أرسطو طاليس) هو "قوام العالم"، والإقرار بأهمية هذين المنظورين ربما يسهم في بلورت قواسم مشتركة تجمع بين المثقف الذي يمثل السُلطة، والمثقف الذي يعارضها، والمثقف الذي يقف عَوَاناً بين هذين الموقفين؛ إلا أن مفهوم العدل يظل قائماً في مخيلته، وفعله المصاحب الذي يتجسد في نُصرة الظالم والمظلوم، نُصرة قوامها نصيحة الأول ليعدل عن موقفه المفارق للأدبيات العدليَّة، ومؤازرة الثاني ليُردَّ له حقه الذي سُلب. ويعنى هذا الموقف إجمالاً استنطاق الحق في وجه السُلطة؛ لأنه أفضل الخيارات المتاحة التي يمكن أن يعرضها المثقف الحر بذكاء ليحقق النتيجة الفضلى ويحرز التغيير الصائب. بَيْد أن استنطاق الحق في كثير من الأحيان ليس بالأمر السهل؛ لأنه في ظل الأنظمة الديمقراطي يبدأ بالتقاضي أمام جهات الاختصاص الرسمية التي تنظر في الخصومة بطريقة مهنية، وينتهي بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع التي تحدد موقف المثقف من أداء السُلطة العام. أما في حالة الأنظمة الشمولية التي تفتقر مؤسساتها السلطوية إلى الشفافية والمهنية الحاذقة في اتخاذ القرار فيُدفع صاحب الموقف المعارض والمغلوب على أمره إلى الخروج عن طاعة السلطان، وبذلك تختل المعادلة المحاسيبة القائمة بين الحاكم والمحكوم، ويضحى السجال السياسي بين الطرفين سجالاً غير حضاري، يتحكم فيه منطق القوة ومصالح القوى المساندة إلى الطرفين. وقبل الخوض في مضابط تلك الحوارات، وتحليلها تحليلاً موضوعياً، يستحسن أن يكون مدخلنا بسؤال اصطلاحي، يرتبط شقه الأول بمفهوم المثقف؟ وشقه الثاني بمفهوم السُلطة؟

 

مَنْ المثقف؟ وما السُلطة؟

لا يوجد تعريف جامع مانع للمثقف في أدبيات العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل هناك ثلة من التعريفات المتداخلة مع بعضها والمتعارضة أحياناً؛ لأن منها ما يعرِّف المثقف بأنه الشخص المتخصص في ضروب الأدب والفن، وآخر يطلق المصطلح على المتعلمين والمهنيين الذين تختلف أنشطتهم المهنية عن الأنشطة اليدوية الأخرى. إلا أن الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937م) يرفض هذه التعريفات القائمة على أساس التصنيف الذهني واليدوي، لأنه يعتقد أن مفهوم المثقف أوسع من ذلك، سعةً تشمل كل إنسان يمتلك رؤية ثقافية معينة تجاه البيئة التي يعيش فيها؛ لأن الثقافة في عُرفه ليست مهنةً، ولا معياراً يُقَسَّم المثقفون على أساسه إلى طبقات وظيفية. ونلحظ أن هذا التعريف النائي عن الخيار النخبوي يؤيده الكاتب أحمد مجدي حجازي الذي يصنف المثقف في ضوء كسبه المعرفي الناتج عن خبرته المتراكمة، أو تعليمه النظامي، ويشترط أن يكون ذلك الكسب المعرفي موظفاً لمصلحة المجتمع وليس كسباً خاملاً. ومن ثم يقسم نشاط المثقف إلى نشاط محلى حيث تكمن الخبرة ويتعاظم الارتباط بالقيم المحلية، ونشاط قومي حيث تتكامل الخبرة والوعي الثقافي المتسامي على القيود والروابط المحلية. وفي الاتجاه ذاته يمضي الدكتور هشام شرابي، ويُعرِّف المثقف بأنه الشخص الذي يمتلك وعياً اجتماعياً، يمكِّنه من رؤية المجتمع وقضاياه من زوايا متكاملة، وتحليل تلك القضايا على مستوى نظري متماسك، يعكس قدرة المثقف المهنية وكفاءته الفكرية. ويرى أيضاً أن التعلم النظامي، أو الكسب المعرفي المتراكم عن طريق الخبرة، لا يمنحان الشخص صفة المثقف؛ لأن المعرفة في حد ذاتها لا تشكل ثقافة، وإنما الثقافة تتشكل وفق أنماط الوعي الاجتماعي والقدرة على الإسهام في حل القضايا المجتمعية. وبذلك نصل إلى أن المثقفين لا يمثلون طبقة اجتماعية متجانسة وقائمة بذاتها، ولا ينحدرون من طبقة اجتماعية بعينها، ولا يعكسون اتجاهاً فكرياً واحداً، ولا يعبرون عن موقف استراتيجي موحد، ولا تجمعهم مصلحة اقتصادية متماثلة؛ لكنهم، كما يرى إدوارد سعيد، لديهم القدرة على تمثيل وجهات نظرهم ومنطلقاتهم السياسية والأيديولوجية، والإفصاح بها إلى العلن عبر وسائط إعلامية مختلفة، ووفق معايير سلوكية لائقة بتطلعات المجتمع وقيم العدل والحرية والمساواة المتواضع عليها عالمياً. إلا أن هذا الوعي الاجتماعي الشامل والموقف المثالي تجاه قضايا المجتمع، وطرح الحلول المناسبة لها لا يمثل موقف كل المثقفين في السُلطة أو المعارضة، لأنه هناك قيم قطاعية غالبة تحكم توجهات الأكثرية منهم، فضلاً عن أنها توجهات متأثرة بتفكير النسق، وفي كثير من الأحيان لا تصب في وعاء المصلحة العامة. إذاً علاقة المثقف والسُلطة علاقة جدلية، وفي حالة مد وجزر دائمين؛ لأنها مثقلة بإسقاطات الحراك السياسي والاجتماعي، ولا تحكمها مرجعية ثابتة في معظم البلدان النامية التي يسود منطق فيها القوة، وتستشري الانتهازية وملق السُلطة.

إذاً ما المقصود بالسُلطة التي يتعامل المثقف معها؟ تعني السُلطة اصطلاحاً القوة ذات الطابع النظامي الرسمي، التي تخوِّل لصاحبها حق إصدار القرارات التي لها صفة الإلزام بالنسبة للآخرين، وتوقيع الجزاءات بالنسبة للمخالفين، وبفضل هذه المؤسسية تستطيع الصفوة الحاكمة أن تهيمن على إدارة مقدرات الشعوب، وتصدر القرارات التي تحدد مسارات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في أي مجتمع ما، وذلك تبعاً لتوجهات السُلطة السياسية وقيم المجتمع التي تعكس أرضية الخطاب بين الحاكم والمحكوم، وبين محوريّ التحدي والاستجابة فيه. فالسُلطة بهذا المعنى تعنى الحكومة، والحكومة في المجتمعات الديمقراطية تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وعدم تركيز السُلطة بمعناها الشامل في أيدي قلة من شاغلي المناصب الرسمية، كما هو الحال في الأنظمة غير الديمقراطية التي لا تؤمن بمبدأ الفصل بين السلطات، وتسيطر أيضاً على وسائل الإنتاج وتوزيع الثروة بالكيفية التي يراها صاغة القرار السياسي في الدولة وسدنة المصلحة القطاعية فيها. وفي بعض الدول ومنها السودان نلحظ أن للسلطة وجهان، أحدهما رسمي، والآخر شعبي يُعرف بالنفوذ السياسي الذي يسهم بطريقة غير مباشرة في صناعة القرارات السياسية، وتوجيه الرأي العام، وذلك عبر قنوات اتصال غير رسمية، تقوم على أساليب الاستمالة والإقناع والترغيب، وأحياناً عن طريق وسائل الترهيب والإرغام غير المشروعة. وهذا التداخل العضوي بين السُلطة الرسمية والشعبية (النفوذ) يعنى أن القوة السياسية ليست حكراً على شاغلي المناصب الرسمية في كثير من بلدان العالم، بل أن أغلب قراراتهم السياسية تُصاغ في ضوء جملة من الموازنات السياسية والمواقف التوفيقية التي يرشح عطاؤها المصلحي في بعض الأحيان خارج وعاء المصلحة العامة لخدمة مصالح قطاعية بعينها. 

 

حوارات الأستاذ صلاح شعيب

في ضوء هذه المصطلحات السياسية والثقافية الشائكة انطلقت حوارات الصحافي صلاح شعيب، التي مالت إلى التعريف النخبوي لمفهوم المثقف؛ لأنها ركزت على شريحة من المهنيين، والأكاديميين، والسياسيين الناشطين الذين حصلوا على كسبهم المعرفي عبر قنوات التعليم النظامية، ثم عضدوا ذلك الكسب من حواصيل تجاربهم المهنية المتعددة، ولذلك غاب عن قائمة المحاورين النخبوية المثقفون بالخبرة وأصحاب الوعي الاجتماعي الذين لديهم القدرة على فهم مشكلاتهم المحلية، ووضع الحلول اللازمة لها. وفي مناقشته للعلاقة الجدلية بين المثقف والسُلطة استحسن الأستاذ شعيب مخاطبة السُلطة بشقيها الرسمي والشعبي (النفوذ) الذي تجسده بعض الأحزاب السياسية والتنظيمات الفكرية. وفي ضوء هذه الخيارات المعيارية جاء سؤاله عن العلاقة الجدلية بين المثقف والسُلطة بالصيغة الآتية: "ما حسنات المثقف السوداني وعيوبه، وهل يتحمل وزر العلاقة التي نشأت بينه والسُلطة بعد الاستقلال؟" كانت إجابات المـُحَاورين تتراوح بين الحديث عن غياب الرؤية الاستراتيجية في مفكرة المثقف السوداني، وارتباط المثقف العضوي بتشكيل السُلطة السياسية بعد الاستقلال، وتصنيف المثقفين حسب مواقفهم من السُلطة، ومسؤوليتهم تجاه الواقع السلبي الذي يعاني السودان منه حكومةً ومجتمعاً.

 

غياب الرؤية الاستراتيجية في مفكرة المثقف السوداني

 

يعزي الدكتور أسامة عثمان غياب الرؤية الاستراتيجية في مفكرة المثقف السوداني إلى "المكوّن الصوفي" المتمثل في النزعة للزهد؛ لأن الزاهد لا يقبل على الدنيا كثيراً؛ لأنه "زول آخرة، والدنيا أصلو أخرها كوم تراب، ولذلك يكتفي بالقليل، وينعدم الطموح عنده، وتكون عنده قدرة على التعايش مع الفقر والبؤس، لذلك لا يزعجه أو يضيره التخلف، وغياب التنمية، وتموت فيه روح المبادرة". ويعضد هذه النزعة الصوفية السالبة بقوله أن "شخصية الشيخ فرح ود تكتوك شخصية مركزية في الثقافة السودانية، يروِّج لها بعض المثقفين، ويعتبرونها منبع الحكمة، فتجد المثقف والشخص الأمي يستشهدان بالشيخ فرح." ويضيف الدكتور أسامة إلى هذا الإرث الصوفي القائم على الزهد "الميل للمشافهة بدلاً عن الكتابة، كم من مرة تسمع أفكاراً نيرة، وتحليلات صائبة، تعليقاً عن حدث معين، أو عن الأوضاع في السودان عموماً من مثقفين سودانيين من مختلف المشارب، ولكن أفكارهم تنتهي بانتهاء جلسة الأنس، ولا تجد طريقها للتدوين في المنابر العامة، أو حتى في شكل رسائل ومقترحات لمن بيدهم الأمر. كما أن عدم المثابرة والملل مما يتصف بهما المثقف السوداني، ويحولان دون إنجاز الكثير من الأعمال والمشروعات، أو يقودان إلى إنجازهما كيفما اتفق دون تجويد. ولقد ذكرتُ في معرض إجابة سابقة إن "المَحْرَكة" سمة أخرى، وهي التردد، وعدم القدرة على اتخاذ القرار، وإضاعة الوقت فيما لا فائدة منه، وتجد ذلك في الاجتماعات، والندوات، والمؤتمرات، وكل منابر العمل العام. مثقف ما بعد الاستقلال كان قانعاً، ولديه إحساس بأن إنجازاً كبيراً قد تحقق، وهو نيل الاستقلال، تتويجاً لسنوات من نضال الحركة الوطنية، ولم يكن على قدر تحدي مرحلة بناء الدولة المستقلة." لا جدال أن الفرضية التي ذهب إليها الدكتور أسامة تحمل في طياتها جملة من الملاحظات الثاقبة،  لكن لا يمكن تعميمها على كل قطاعات المثقفين السودانيين، لأن أدبيات الزهد الصوفي لم تكن جزءاً من تركيبة أولئك الذين يصفهم الأستاذ صديق محيسي بـ"الانتهازيين"، لأن طمعهم في فتات موائد السلطان والكسب الدنيوي هو الدافع الأساس في ملقهم إلى السُلطة على حساب كل القيم التي يجب أن يرعوي بها المثقف الذي يحترم كسبه المعرفي.

أما الجزء الثاني من إجابة الدكتور أسامة عن سؤال الأستاذ صلاح شعيب فيصب في وعاء النظرة التي كوَّنها الدكتور جعفر محمد علي بخيت عن غياب الرؤية الاستراتيجية في مفكرة المثقف السوداني قبل أربعة عقود من الزمان، وقبل أن يكون جعفراً جزءاً من السُلطة، ولخصها في عجز الحكومات السودانية المتتالية -سواء كانت مدنية أو عسكرية- من وضع دستور دائم يتعاهد الناس عليه، باختلاف ألوان طيفهم السياسي، ومشاربهم الفكرية، ثم يتواضعون على مرجعيته الثابتة في حل نزاعاتهم الآنية، وما تحبله لهم الأيام والليالي من قضايا وخلافات مصيرية. وتعني مرجعية الدستور في عُرف الدكتور جعفر آنذاك الاستقرار السياسي القائم على التسامح الوطني عبر مؤسسات ديمقراطية راشدة، وتعني تطوير قدرات القوى القطاعية في تحقيق كسبها الجماهيري المشروع، وتوجيه ذلك الكسب في خدمة الصالح العام، وتعني تحقيق التنمية المتوازنة بين المركز والتخوم (أو ما يعرف بالهامش). فلا جدال أن الدكتور جعفر محق فيما ذهب إليه؛ لأن غياب الرؤية الاستراتيجية الموجِّهة لمسار أهل السودان قد أسهم في اندلاع مشكلة الجنوب، وتداعياتها السياسية والعسكرية، وفي جدلية الحلقة المفرغة بين المؤسسة العسكرية ومنظمات المجتمع المدني بشأن تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأخيراً تبلورت حصيلة هذه الأزمة في طبيعة الحراك السياسي القائم الآن في السودان، الذي أصبح حراكاً محموماً ومهووساً بهاجس السيطرة القطاعية، الأمر الذي قوَّض حيادية السُلطة السياسية المركزية، وجعلها تدور في فلك القوة الغالبة والمسيطرة، التي تحرس نفسها وزبانيتها بقوة السلاح التي لا تقوى دوماً على قهر إرادة الشعوب وسلب حقوقهم المكتسبة، ولكنها في الوقت نفسه تفشل في تحقيق العطاء المثمر والتواصل الإيجابي الجاد بين أهل الوطن الواحد، ويتحول بذلك التدافع الفكري والسياسي إلى صراع طاحن ومدمر، تحكمه سيناريوهات عسكرية، تقوم على منطق القوة وأسلوب الغاب. ويصبح شأن القضايا الداخلية شأناً دولياً، يُناقش على طاولات مجلس الأمن ومؤسسات المجتمع الدولي، وتحاك المؤامرات بشأنه على موائد القوى الإمبريالية الطامعة في ثروات السودان وموارده الطبيعية، ويضحى الشأن الوطني شأناً متنازعاً حوله محلياً وإقليماً ودولياً، وتظل سيادة الدولة القُطرية سيادة منقوصة ومحاصرةً. وفي ضوء هذه الحيثيات السالبة ومدى مسؤولية المثقف السوداني من حمل وزرها حصل الأستاذ صلاح شعيب على إجابة شافية من الدكتور الطيب زين العابدين، مفادها أن "المثقف السوداني إن صحت التسمية يتحمل معظم الوزر؛ لأنه لم يؤد دوره الريادي في توعية المجتمع وقيادته، ولأنه يتسم بانتهازية وأنانية في السلوك."

 

تصنيف المثقفين السودانيين

أجمع ضيوف الأستاذ صلاح شعيب على تقسيم المثقفين السودانيين من حيث علاقتهم مع السُلطة إلى فئتين. الفئة الأولى هي الفئة الملتزمة، حسب قراءة الدكتور صديق موسى بولاد، لأنها تمتاز بالاستقلالية والاهتمام "بقضايا المعرفة والفكر"، ولها نزعة "نقدية احتجاجية من أجل قيام نهضة شاملة في المجتمع"، وأنها تغوص "في الواقع بحثاً عن أسباب التخلف، وكيفية تجاوزه بطرح مفاهيم وتصورات ورؤى للعلاج". وقد أسس الدكتور بولاد هذه النتيجة على معطيات مفادها أن "الثقافة في جوهرها عملية سياسية، فإن المثقف يوجد في قلب الصراعات الاجتماعية والسياسية؛ لأنه من العسير الفصل بين الثقافة والسياسة."

أما الفئة الثانية، حسب قوله، فتشمل "المثقف الحربائي الذي يتلون مع كل عهد، ولا يلتزم بمبدأ، وليس له موقف، فهو مع أي موجة ما دامت هذه الموجة تدفعه في طريق السُلطة والجاه، ويمكن أن يحمل عصا [الانتهازية] هاتفاً "هي لله ... هي لله ... لا للسلطة ولا للجاه"، بينما هو في الحقيقة يسعى ليلاً ونهاراً بحثاً عن المنصب والمكسب، كأقصر طريق للثروة والحظوة والنفوذ. وهذا يمكن أن ينقلب من اليسار إلى اليمين، أو بالعكس، في ومضة عين. بينما تعلو علامات الدهشة والتعجب الكثيرين لهذا التحول الغريب والمريب قائلين: "مَنْ يعش كثيراً يرى كثيراً"، وآخرون يتجاوزون الدهشة ويرددون: "دعوه يعيش، إن الظروف أصبحت صعبة، وعسيرة!".

هذا الواقع الذي وصفه الدكتور بولاد بالحربائية، يصفه الأستاذ الدكتور الطيب زين العابدين والأستاذ صديق محيسي بالانتهازية، ويمضي محيسي فيقول: إن هذه الفئة "احترفت الانتهازية، ودعمت كل نظام شمولي من أجل مصالحها الذاتية، وهي  تمارس البغاء السياسي علناً، ولا تستحي أبداً، وجلدها كجلد السلحفاء، ومستعدة  لتقديم خدماتها إلى كل من يدفع أكثر، ولقد شهد السودان منذ الاستقلال وحتى الآن سلالات من  المثقفين [...الذين] لهم قدرة  خارقة  في تغيير أقنعتهم،  مثلما يغير الثعبان جلده، أو مثلما تفعل الحرباء في حوض الزرع. كانت أكثر العهود ازدهاراً بالنسبة للمثقفين المخصيين  أخلاقياً هي العهود الشمولية." ويستأنس الأستاذ محيسي في هذا الشأن بقول الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "المستبدُّ يجرِّب أحيانًا في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضًا، اغترارًا منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم، وتشكيلهم بالشّكل الذي يريد، فيكونوا له أعوانًا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثمَّ هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم، يبادر إلى إبعادهم، أو ينكّل بهم. ولهذا لا يستقرّ عند المستبدّ إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله." ويمضي الكواكبي في قوله: "الحكومة المستبدّة تكون طبعًا مستبدّة في كل فروعها، من المستبدّ الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنَّاس الشوارع، ولا يكون كلُّ صنفٍ إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقًا، لأن الأسافل لا يهمهم طبعًا الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته، وأنصاراً لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍّ كان، ولو بشرًا أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبدُّ ويأمنونه، فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقلُّ حسب شدة الاستبداد وخفّته، فكلما كان المستبدُّ حريصًا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجّدين العاملين له والمحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمّة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعًا وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقربًا، ولهذا، لا بدَّ أن يكون الوزير الأعظم للمستبدّ هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه لؤمًا، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه."

            لعلنا نتفق مع بعض الأوصاف التي أطلقها ضيوف الأستاذ شعيب على ممثلي المجموعة الثانية التي وصفوها بالانتهازية؛ وفي الوقت نفسه نأخذ قول الدكتور صديق بولاد عن الفئة الأولى بشيء من التحفظ؛ لأن تصنيفه لهذه الفئة مثقلٌ بالتعميم والمثالية، وجمع في آن واحد بين المثقف المستقل والمثقف الذي ينتمي إلى حزب سياسي، علماً بأن المثقف الناشط سياسياً، والذي يحمل وعياً اجتماعياً لم يكن دائماً خارج السُلطة، بل اتيحت له فرص سياسية متعددة ولم يقدم رؤية استراتيجية لحل مشكلات السودان، التي يرجع تاريخ بعضها إلى فترة ما قبل الاستقلال وبعده.

وإذا نظرنا إلى النفوذ الشعبي المتمثل في دور الأحزاب السياسية فهناك سؤال محوري يطرح نفسه: ما الذي قدمه أولئك الملتزمون لأحزابهم السياسية؟ فواقع الأحزاب السياسية في السودان، ليس أفضل حالاً من واقع المثقفين المتشبثين بالسُلطة. ويبدو أن الإشكالية في أساسها تكمن في مسألة النقد الذاتي، وغياب الرؤية الاستراتيجية لحل مشكلات السودان، وهذا الواقع السرطاني ينطبق على المثقف المناصر للسلطة والمعارض لها من واقع التزامه الحزبي. وبالنسبة للجانب المعارض الذي تمثله أغلب الأحزاب السياسية في السودان تقول الدكتور ناهد محمد الحسن في مضابط حوارها مع الأستاذ صلاح شعيب: "إن ثقافة النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ بين القواعد الحزبية أمر غير مرغوب بالأساس [...] والحقيقة أن عصمة القيادات وعلوها على النقد والخصومة التي تنتج عن ذلك كرَّست للممارسات الفاسدة، من نفاق، ومداهنة، ووصولية، وانتهازية. وتفشت كموقف ثقافي في السودان إزاء كل من ينقد حاكماً، أو حزباً، أو ممارسة، إذ يكيل له الآخرون اللوم، ويعتبرون نقده جزء من مؤامرة يصورونها لأحزابهم وأنفسهم، فيصموا آذانهم عن رؤية عيوبهم وكأنهم منـزلين."

ولعلنا نتفق مع الدكتور إدوارد سعيد إن التعالي النرجسي الذي يسلكه السياسي المثقف تجاه النقد الذاتي وسماع الرأي الآخر هو "العامل الأبرز دون منازع في إفساد" شخصيته ووعيه الاجتماعي. وإذا كانت هناك أية قدرة بشرية في هذا الكون قادرة على مسخ حياة المثقف الفكرية المتقدة، والتأثير عليها تأثيراً سالباً، ثم قتلها قتلاً معنوياً، هي مثل هذه الطباع السلوكية إذا رسخت في النفس البشرية.

            وإلى جانب هذا الموقف الأخلاقي الذاهل عن مقاصد المثقف ودوره الريادي في المجتمع لم يقدم ضيوف الأستاذ صلاح شعيب الصور الأخرى للمثقف السوداني، لأن المثقف السوداني لم يكن فقط أسير محبسي السُلطة والمعارضة، بل هناك مثقفين خارج هذه المنظومة التقابلية، ولهم مواقفهم الفكرية والسياسية والمهنية التي تتسم في معظم الأحيان بالعقلانية مقارنة مع مواقف أولئك الناشطين الذين أغلقوا تفكيرهم وتفاكرهم في إطار أنساقهم الحزبية والأيديولوجية، إلا مَنْ رحم ربي، ولكن مشكلة هؤلاء المستقلين تكمن في أنهم يعيشون على ضفاف أنهر دُعاة السُلطة ونُصحاء السُلطة والأحزاب السياسية، فضلاً عن أن مهنيتهم التي تتدثر بآليات التفكير الاستراتيجي لم تكن ضمن أولويات السياسة السودانية في كثير من الأحيان، وهنا مربط الفرس. وفي مقابل هؤلاء المهمشين في الداخل توجد مجموعات أخرى في الخارج، تتحرك بحرية أكثر في فضاءات الدول الديمقراطية التي تحتضنها، وتحمل أفكاراً نيرةً لإصلاح الحال في السودان، وأفكاراً أخرى تُوصف بالعمالة؛ لأنها تدور في فلك أطماع الدول المضيفة ومواقفها السياسية المعادية للسودان. ومن زاوية أخرى نلحظ أن الصراع السياسي في أروقة هذه المجموعات المغتربة اغتراباً مادياً يعكس صورة مصغرة لواقع الحال في السودان، ويجسد في الطرف الآخر حالة الاغتراب الاختياري والإجباري التي تعاني تلك المجموعات منها؛ لأنها متنازعة بين وجودها المادي خارج أرض الوطن، ووجودها المعنوي المسكون بمشكلات السودان وقضاياه الشائكة، وبين جدلية هذين البُعدين المادي والمعنوي يوجد المثقف السوداني المغترب، الذي تحرص الدولة على جباية المساهمات الوطنية، وتبخس كيل الاستئناس برأيه في حل مشكلات السودان المتشعبة.

 

العلاقة الجدلية بين المثقف والسُلطة

العلاقة الجدلية بين المثقف والسُلطة ليست علاقة حديثة النشأة، ولكنها علاقة قديمة وتلازمية منذ أن نال السودان استقلاله؛ لأن الحركة السياسية، كما ترى الأستاذة رحاب الصادق المهدي، ولدت في أحضان مؤتمر الخريجين الذي أسسه المثقفون السودانيون وقادة تياراتهم الفكرية، وامتدت ظلال ذلك المؤتمر لتشمل أصحاب النفوذ الديني والاجتماعي في السودان، وبذلك حاولت الطليعة المثقفة والناشطة قومياً أن تبسط مفردات الحراك السياسي على طاولة المجتمع السوداني. إلا أن هذه النقلة التصالحية بين قيم القديم والحديث وتفعيلها في حراك السُلطة يصفها الأستاذ محجوب حسين في حوار مع الأستاذ صلاح شعيب بـ"زواج المتعة" الذي جرت مراسيمه في مؤتمر الخريجين، ونتج عنه لاحقاً "مشروع دولة الاستعمار الثانية، والتي تسير بخطى لولبية إلى يومنا هذا". ومن وجهة نظره أن المثقف السوداني الذي اعتلى قيادة "دولة الاستعمار الثانية" هو نفسه الذي أسهم بقدر وافر في إنتاج الأزمة التي يعاني السودان منها اليوم؛ لأنه جاء إلى السُلطة من غير رؤية استراتيجية واضحة المعالم لبناء السودان في إطار امتداده الجغرافي وثقافاته المتعددة، بل على النقيض جاء بقيم قطاعية ومحلية أسهمت في شرعنة السُلطة، والتاريخ، والهُوية، لمصلحة مجموعة أثنية لا تمثل كل أهل السودان، وبذلك أضحت البقية تعيش على هامش السُلطة المفروضة عليها، وفتات الثروة وقسمته الضيزة. 

ويقودنا هذا الموقف الباخس لعلاقة المثقف والسُلطة بعد الاستقلال إلى تعليق الدكتور حيدر إبراهيم الذي يعتقد اعتقاداً جازماً بأن المثقف هو أس مشكلات السودان؛ لأنه يعيش بعقله الفلكي في القرن العشرين أو الحادي والعشرين، وإن عقارب ساعة عقله الحضاري توقفت عند القرن السادس عشر للميلاد، الذي يصفه الدكتور أسامة عثمان بعصر "النزعة الصوفية"، وينعته الدكتور حيدر بعصر القيم البالية التي لا تصلح لمواكبة متطلبات الحداثة وما بعدها؛ لأنها موروثات حضارية لا تقوى أمام تحديات العقل الفلكي المعاصر وقيمه الثقافية المعولمة. ويرى أن حصيلة الجمع غير الموفق بين النقيضين هي التي أسهمت في تشكيل العلاقة بين المثقف والسُلطة في السودان، وجعلت مخرجاتها غير مواكبة لتطلعات المستقبل المشروعة وتحديات المراحل الحرجة التي مرت الدولة السودانية بها؛ لأن المستقبل، حسب تصوره، يصنعه "العقل، والعلم، والتكنولوجيا، والإنتاج، والإبداع". وعند هذا المنعطف يتجلى سر المفارقة بين اليابان والسودان، فمثقفو اليابان لديهم مرجعية أخلاقية تحكم مفردات سلوكهم السياسي وطبيعة تعاملهم مع السُلطة، ولديهم استقامة ومسؤولية تجاه تنفيذ الواجبات ورعاية الحقوق المشروعة، ويربط بينهم والسُلطة عقد اجتماعي سداها احترام القانون والنظام العام الذي شرَّعُوه لأنفسهم وتواضعوا عليه، وفوق هذا وذاك يتقنون صنوف العمل المختلفة مقابل أجورهم المجزية، ويحترمون الزمن، لأن الزمن بكل المعايير الدولية هو حجر الزاوية في حركة الحياة الإنسانية الناجحة. لذلك تطور اليابان بمتوالية هندسية بالرغم من ضمور موارده الطبيعة، ولم يتقدم السودان، الذي رُشِّح في مؤتمر الغذاء العالمي بروما عام 1974م بأن يكون "سلة غذاء العالم"، بالصورة المرجوة التي تماثل مساحته الجغرافية، وحجم موارده الذاتية، وتعداده السكاني، وتنوعه الثقافي. إذاً قضية أزمة المثقف والسُلطة في السودان في مجملها قضية سلوك أخلاقي يتبناه المثقف تجاه السُلطة، ويوظفه سلباً في خدمة المصلحة العامة.

هل يمكن الخروج من هذه الأزمة بدراسة الأطروحة التي تتمثل بعض معالمها في قول الدكتور أحمد عثمان الذي حاوره الأستاذ صلاح شعيب؟ ويقول الدكتور أحمد عثمان: إن "النخبة السودانية مصابة بغشاوة ضبابية تجعلها من الصعوبة بمكان تحسس مستقبلها، والعمل على تلمس الطريق القويم في مسارها. وللخروج من هذا [المأزق]، وإنجاز مشروع الدولة السودانية، علينا أولاً أن ننظر إلى مناهج التعليم من دور الحضانة إلى الجامعات"، ونعمل على تشذيبها وتهذيبها "من طرق التلقين، والحفظ، واجترار المعلومات إلى براح منهج النقد، وتكوين الرأي والرأي المضاد ... وليس من العيب أن نتلمس خطانا إثر خطى الآخرين الذين سبقونا في مجالات العلم والمعرفة." الآن لا أمتلك تعليقاً على هذه الأطروحة التربوية الموجزة، والتي تهدف إلى صناعة جيل جديد من السودانيين؛ لأن التعليق عليها يحتاج إلى فضاء أوسع من فضاء هذا المقال، أي إلى منبر عام يُدعى إليه صاحب الأطروحة ليعرض مفردات أطروحته، ويقوم أهل الاختصاص وذو الوعي الاجتماعي الثاقب بدراستها وتقويمها تقويماً موضوعياً، ليخرجوا بحزمة من التوصيات المفيدة التي ربما تنير الطريق لوزارة التعليم العام التي شرعت في إعداد العدة لعقد مؤتمرها القومي الثالث، ولجهات الاختصاص الأخرى، عملاً بأن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. وبذلك نضع الكرة في ملعب الأستاذ صلاح شعيب، لعله يواصل عمله النبيل وهوايته المفضلة، ويعلن ضربة البداية من "منتدى الأحداث".