(الحلقة السادسة)
لجنة الانتخابات السُّودانية من "سُكومار سن" إلى "مختار الأصم"
: قراءة تقويمية؟

مقدمة
بعد اتفاق الميرغني-قرنق في نوفمبر 1988م أضحت العاصمة القومية الخرطوم حُبلى بالمناورات السياسية والمكايدات الحزبية، التي تجسدت بعض مشاهدها في مذكرة رئاسة القوات المسلحة إلى رئيس مجلس الوزراء في فبراير 1989م، وما تمخض عنها من مواقف سياسية متباينة، ثم الإعلان عن انعقاد المؤتمر الدستوري في يوليو 1989م. وفي ظل هذه المشاهد السياسية استولى العميد عمر حسن أحمد البشير على مقاليد الحكم في السودان، تحت اسم ثورة الإنقاذ الوطني، وبدعم وتخطيط من الجبهة الإسلامية القومية. وبعد فترة وجيزة أثبتت الأيام أن الانقلاب العسكري-السياسي أشبه بنظائره السابقة من حيث الشمولية والدكتاتورية؛ إلا أنه يختلف عنها من الناحية الأيديولوجية؛ لأنه يدعي الاستناد إلى مشروع حضاري، يستمد مرجعيته من الإسلام. وبذلك انهارت الديمقراطية الثالثة، وتعالت الشعارات الأيديولوجية-التأملية، ثم بدأت عملية إحلال الولاء محل الكفاءة في ظل سياسات التمكين التي ابتدعها النظام الحاكم؛ لتنفيذ مشروعه الحضاري على أرض السودان. وفي عهد الإنقاذ تمَّ حظر العمل السياسي-الحزبي، وتصاعدت حدِّة الصراع بين النظام الحاكم في الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السُّودان وفصائل المعارضة الأخرى. وفي ظل ذلك الواقع الصدامي حاولت حكومة الإنقاذ أن تجد لنفسها شرعية سياسية، بإجراء انتخابات تشريعية على مستوى المجلس الوطني عام 1996م وعام 2000م، وذلك في ضوء نظام التوالي الحزبي الذي ابتدعه الدكتور الترابي، وأخرى على مستوى رئاسة الجمهورية في العامين المشار إليهما أعلاه؛ إلا أنها كانت كسابقتها لم تحدث تحولاً ديمقراطياً، قائماً على التعددية الحزبية، وحرية الرأي والصحافة، ولم تجد تلك الانتخابات قبولاً واسعاً من الفصائل الحزبية المعارضة. واستمر الحال كما كان عليه إلى أن جاءت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م، بوصفها خطوة رئيسة تجاه التحول الديمقراطي في السُّودان. وكانت الانتخابات واحدة من آليات ذلك التحول الديمقراطي المنشود، الذي جاء معضداً بجملة من الإجراءات السياسية والإدارية والقانونية، التي كان من المفترض أن تكون بمثابة مقدمات للعملية الانتخابية التي أُجريت في أبريل 2010م.
نحاول في هذه الحلقة السادسة أن نعرض بعض الجوانب المهمة لعمل المفوضية القومية التي أدارت انتخابات أبريل 2010م بشقيها التشريعي والتنفيذي، ونقيِّم أداءها الوظيفي من واقع حيثيات العملية الانتخابية نفسها.


المفوضية  القومية للانتخابات
نصَّت المادة 141/1 من دُّستور جمهورية السُّودان الانتقالي لسنة 2005م على إنشاء مفوضيِّة قومية للانتخابات، وذلك خلالشهرواحدمن تاريخإجازةقانونالانتخابات القومية، وأن تكون عضوية هذه المفوضيّة من تسعةأشخاص، مشهودلهمبالاستقلالية، والكفاءة، وعدم الانتماءالحزبي، والتجرد،ويراعىفياختيارهمتمثيل المرأة، والقُوى الاجتماعية الأخرى؛ وأن يعينهم رئيس الجمهورية، ويوافق على تعيينهم النائب الأول، وذلك وفقاً لأحكام المادة 58/2/ج من الدُّستور، فضلاً عن موافقة ثلثي أعضاء المجلس الوطني على الاختيار والتعيين. وحدد الدُّستور أيضاً المهام العامَّة للمفوضيَّة، والمتمثلة في إعدادالسجلالانتخابيالعام، ومراجعتهسنويّاً، وتنظيمانتخاباترئيسالجمهورية،ورئيسحكومةجنوبالسُّودان،والولاة، والهيئةالتشريعية القومية،ومجلسجنوبالسُّودان،والمجالسالتشريعية الولائية،والإشرافعليهاوفقًاللقانون، ثم تنظيمأياستفتاءوفقاً لأحكام الدُّستوروالإشرافعليه،دونالمساسبأحكام المادتين 183/3 و220/2 من الدُّستور. ثم جاء قانون الانتخابات القومية لسنة 2008م، وفصَّل المهام الموكلة للمفوضيِّة، والشروط المرتبطة بعضويتها، واختصاصاتها الوظيفية، وإجراءاتها الإدارية، وكيفية إدارة الانتخابات عبر مراحلها المختلفة. بَيْد أن الأحزاب السياسية المعارضة قد تحفظت على ما جاء في الدُّستور الانتقالي بشأن اختيار أعضاء المفوضيّة، وكيفية تعيينهم. ومن ثم اقترحت أن يكون ترشيح أعضاء المفوضيّة التسعة عن طريق الأحزاب السياسية، وتنظيمات المجتمع المدني، وأن تقوم تلك الأحزاب والتنظيمات بتقديم قائمة من خمسة عشر مرشحاً، يختار رئيس الجمهورية منهم تسعة، ويتمُّ اعتماد تعيين كل منهم بعد حصوله على موافقة ثلثي أصوات أعضاء المجلس الوطني، وأن تضمَّ عضوية المفوضيّة ثلاث نساء على الأقل. وبناءً على هذا المقترح قدَّمت اللجنة السياسية لأحزاب التحول الديمقراطي قائمة بأسماء مرشحيها لعضوية مفوضيِّة الانتخابات، وشملت تلك القائمة تسعة وعشرين مرشحاً، جاء ترتيبهم على النحو الآتي: "بلقيس بدري، ونفيسة أحمدالأمين، وسعاد إبراهيم عيسى، وحاجة كاشف، وعائشة الكارب، وصديقة أوشي، وستالنفر محجوب، وأبيل ألير، وأبو بكر عثمان محمد خير، وأمينمكي مدني، ومحجوب محمد صالح، وفؤاد عيد علي، وميرغني عبد العال حمور، ونبيلأديب عبد الله، وإبراهيم منعم منصور، وطه إبراهيم، وعبد الماجد حامد خليل،وصلاح الزبير، والصادق سيدأحمد الشامي، وعبد الله حسن سالم، وعبد الله إدريس،وعبد الرحمن عبده، وفاروق أبو عيسى، والطيب حاج عطية، ومحمد إبراهيمخليل، وعبد الرحيم بلال، وعمر عبد العاطي، والطيب زين العابدين، ومحمدإبراهيم الطاهر.  إلا أنَّ رئاسة الجمهورية طرحت أسماء أخرى، وعرضتها على المجلس الوطني لإجازتها. وبالفعل أجاز المجلس الوطني قائمة الرئاسة في جلسة خاصَّة، عُقدت في 18 نوفمبر 2008م، وحضرها 310 نائباً، وافق عليها 298 نائباً، بينما عارضها اثنا عشر نائباً، برروا اعتراضهم بعدم مشاورتهم في اختيار أعضاء المفوضيّة القومية، وطعن بعضهم في شرعية تكوين المفوضيّة، وذلك استناداً إلى النصَّ الدُّستوري الذي يقضي بتكوين المفوضيّة القومية للانتخابات خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إجازة قانون الانتخابات؛ إلا أن النصِّ الدُّستوري لم يقف عائقاً أمام الأغلبية الميكانيكية في المجلس الوطني، والتي أجازت تشكيل المفوضيّة القومية للانتخابات على النحو الآتي:
•    مولانا أبيل ألير، رئيساً
•     بروفيسور عبد الله أحمد عبد الله، نائباً للرئيس
•    فريق شرطة عبد الله بله الحردلو، عضواً
•     دكتورة محاسن عبد القادر حاج الصافي، عضواً
•     دكتور محمد طه أبو سمرة، عضواً
•     بروفيسور مختار محمد مختار الأصم، عضواً
•     فريق شرطة الهادي محمد أحمد حسبو، عضواً
•    بروفيسور أكولدا مانتير، عضواً
•    دكتور فلستر بايا، عضواً

واضح من هذه القائمة أن مؤسسة الرئاسة حاولت أن تبعد نفسها عن اختيار الأسماء الصارخة سياسيّاً، وتعين شخصاً مجمع عليه لرئاسة المفوضية، إلا وهو مولانا أبيل ألير، الذييصفه بعض الساسة السودانيين بـحكيم الجنوب. مارس الأستاذ أبيل العمل القضائي بعد تخرجه في كلية القانون بجامعة الخرطوم. وفي أوائل الستينيات انتقل إلى العمل السياسي في جبهة الجنوب، وشارك في مفاوضات المائدة المستديرة عام 1965م،ثم فاز في انتخابات عام 1968م، ممثلاً لدائرة بور الجنوبية في الجمعية التأسيسية. وبعد انقلاب مايو 1969م تمَّ تعينه وزيراً لوزارة الإسكان (1969م)، ثم الإمدادات (1969-1970م) ثم الأشغال العامة (1970-1971م).وبعد اتفاقية أديس أبابا لعام 1972م، شغل منصب أول رئيس لحكومة للإقليم الجنوبي، وأخيراً ختم حياته السياسية في العهد المايوي نائباً لرئيس الجمهورية، ولذلك وصفه الترابي- بالرغم من أن الترابي نفسه عمل في العهد المايوي- بأنه سليل نظام دكتاتوري،وليست له حمية تجاه الديمقراطية. بعد الانتفاضة الشعبية في أبريل 1985م، اجتمع به اللواء عثمان عبد الله، وزير الدفاع آنذاك، وطلب منه المشاركة في الحكومة الانتقالية؛ بَيْدَ أنَّ الأستاذ أبيل اعتذر، متعللاً بأنه محسوب على النظام المايوي الذي أطاحت به الانتفاضة الشعبية، والقبول بأي مشاركة أو منصب في الحكومة الانتقالية يتعارض مع قناعاته الشخصية.  وإلى جانب المناصب الدستورية التي تقلَّدها، عمل الأستاذ أبيل مستشاراً قانونياً لبعضالمنظمات الإقليمية والدولية، وكذلك مستشاراً في مفاوضات السلام التي جرت فصولها في مدينة نيفاشاالكينية (2003-2005م)، ورئيساً للجنة التحقيق في ملابسات سقوط الطائرة الأوغنديةالتي أودت بحياة الدكتورجون قرنق، النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب الإقليمية.وبعد تعيينه رئيساً للمفوضية، أعلن مولانا تعيين الدكتور جلال محمد أحمد، أميناً للمفوضية، وذلك بحكم تأهيله المهني، وخبرته السابقة في لجنة الانتخابات القومية لعام 1986م.
اتفقت القوى السياسية على اختيار مولانا أبيل ألير رئيساً للمفوضية، ولكنها أبدت بعض التحفظات تجاه بقية أعضاء المفوضية، وتباينت آراؤها حول أداء المفوضية القومية للانتخابات على صعيد الواقع، ودرجة نزاهتها تجاه العملية الانتخابية.

قراءة تقويمية
تقييم أداء المفوضية القومية للانتخابات يجب أن ينظر إليه من خلال بعد البُعد الساكن (الشكلي) الذي يرتبط بعضوية المفوضية والمهام الموكلة إليها، والبُعد المتحرك (الموضوعي) الذي يعكس مناسيب عطائها الموجب والسالب على صعيد الواقع. فمن الناحية الشكلية نلحظ أن الدستور الانتقالي قد أعطى المفوضية القومية للانتخابات صفة الديمومة، بمعنى أن مهمتها الوظيفية يجب أن لا تنتهي بانتهاء الانتخابات. ولا شك أن هذه خطوة إيجابية من المفترض أن تُسهم في ترسيخ مسار العملية الديمقراطية؛ إذا صدقت النوايا الحزبية الحاكمة والمعارضة، فضلاً عن أنها ستوفر المناخ المناسب لتراكم الخبرات المهنية المرتبطة بالإجراءات الانتخابية. ويضاف إلى ذلك أيضاً تعيين الأستاذ أبيل ألير رئيساً للمفوضية، وثلاث أعضاء من العنصر النسائي. أما من الناحية الموضوعية فنلحظ أن المفوضية القومية للانتخابات واجهت حزمة من المشكلات، النابعة من تضاريس الواقع السياسي، وطبيعة النظام الانتخابي المختلط بشقيه التشريعي والتنفيذي، فضلاً عن القضايا المرتبطة بمكاسب القُوى الحزبية وأجنداتها السياسية. ولا عجب أن هذه المشكلات أثَّرت سلباً في أداء المفوضية القومية للانتخابات، وجعلتها عرضه للانتقادات المشككة في نزاهتها المهنية. ونذكر منها على سبيل المثال المختارات الآتية:

أولاً: تقسيم الدوائر الانتخابية
رفضت الحركة الشعبية لتحرير السُّودان وبعض القُوى السياسية أن يكون التعداد السكاني الخامس معياراً لتوزيع الدوائر الانتخابية؛ لأن نتائجه- من وجهة نظرها- معيبة في جوانب كثيرة. وبناءً على ذلك أصدرت مؤسسة رئاسة الجمهورية حلاً توفيقاً يقضي بزيادة مقاعد جنوب السُّودان في المجلس الوطني إلى أربعين مقعداً، وأربعة مقاعد لولاية جنوب كردفان، ومقعدين لأبيي، ثم قضى القرار الرئاسي بإعادة التعداد السكاني في جنوب كردفان، مع استثنائه من الانتخابات المقبلة على مستوى الوالي والمجلس التشريعي الولائي. وصف الدكتور الطيب زين العابدين هذا المقترح الرئاسي بـ "التسوية خارج النص"؛ لأنه يتعارض مع الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م، الذي حدد عدد مقاعد المجلس الوطني بـ 450 مقعداً، فضلاً عن أن قانون الانتخابات القومية لسنة 2008م لا يسمح بالتعيين، بل ينطلق من نتائج التعداد السكاني الخامس باعتبارها المرجعية الوحيدة لتحديد عدد الدوائر الجغرافية، ومقاعد التمثيل النسبي في أي ولاية من ولايات السُّودان الخمس والعشرينآنذاك. ولذلك تساءل الصحافي الدكتور صديق تاور، في حينها، عن المعايير التي استندت إليها مؤسسة الرئاسة لتأتي بهذا القرار، الذي يصفه بعدم الموضوعية. إذ يرجع الدكتور أصول القرار الرئاسي إلى مقترح المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، أسكوت غرايشن، الذي يقضي بإضافة ستين دائرة جغرافيةللبرلمان القومي، تكون سبعة وخمسين منها لجنوب السُّودان، واثنتين لجنوب كردفان، وواحدة لأبيي؛ إلا أن هذا المقترح، حسب الدكتور تاور، كان يقوم على "تقديرات جزافية ومزاجية، لا يسندها أي تفكير، أو عقل،" ولا يعضّدها دُّستور ولا قانون، كما يرى الدكتور الطيب زين العابدين؛ إلا أن هذه الانتقادات لم تمنع الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، من اعتماد المقترح المشار إليه كحلٍّ مؤقتٍ للمشكلة النابعة من توزيع الدوائر الجغرافية، وفق نتائج التعداد السكاني الذي رفضته الحركة الشعبية، بوصفها أساساً لتقسيم الدوائر الجغرافية. هكذا أثر سلباً تدخل الجهات الدستورية في عمل المفوضية، وجعلتها عُرضت للانتقادات القادحة في أدائها المهني.

ثانيّاً: السجل الانتخابي
واجهت المفوضية القومية للانتخابات جملة من الاعتراضات المرتبطة بالسجل الانتخابي، ونذكر في مقدمتها المنشور الذي أصدرته المفوضيّة بشأن تسجيل القوات النظامية، والذي يقضي بتسجيل "منسوبي القوات المسلحة، والجيش الشعبي، والشرطة الموحدة، وشرطة جنوب السُّودان، وشرطة الولاية، وجهاز الأمن، والمخابرات في أقرب مراكز التسجيل التي تتبع لها وحداتهم العسكرية، والحكمة في ذلك أن هذه القوات ستكون في حالة استعداد دائم حتى نهاية الاقتراع". ووصفت بعض القُوى السياسية ذلك الإجراء بالخرق الفاضح للمادة 12/1 من قانون الانتخابات القومية لسنة 2008م، والتي تنصّ على أن "التسجيل في السجل الانتخابي حقُّ أساس، ومسؤولية فردية لكلّ مواطن تتوفر فيه الشروط المطلوبة قانوناً"، ومن الشروط التي نص عليها القانون أن يكون المواطن "مقيماً في الدائرة الجغرافية لمدة ثلاثة أشهر". وارتبط الاعتراض الآخر باعتماد شهادات السكن الصادرة عن اللجان الشعبية بدلاً عن الأوراق الثبوتية في بعض المناطق الحضرية، الأمر الذي أفضى إلى تسجيل بعض الناخبين الذين لم تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها قانوناً، مثل المؤهل العُمري، والإقامة لثلاثة أشهر بوصفها حداً أدنى. والشاهد في ذلك الحالة التي ذُكرت عن الدائرة 83 الشجرة، حيث سجلت لجنة مركز الرميلة رقم (1 و2) خمسة عشر ناخباً من خلوة الشيخ التوم بدون أوراق ثبوتية؛ لأن ضابط المركز اكتفى بتحليفهم اليمين على أنهم مقيمون في المنطقة، وبالغون السن القانونية، رافضاً قبول أي اعتراض على ذلك الإجراء، بحجة أن الطلاب المتقدمين للتسجيل هم "حفظة قرآن، ومتدينون، وحلفوا على المصحف." وارتبط الانتقاد الثالث بعجز المفوضيّة ولجانها الولائية العليا من نشر السجل الانتخابي الأولي في مراكز التسجيل، لتمكين الناخبين من مراجعته، وتقديم الاعتراضات اللازمة بشأن الذين سجلوا أسماءهم دون استيفاء شروط الأهلية، أو الذين سقطت أسماؤهم من السجل بالرغم من أنهم يحملون إشعارات التسجيل التي حصلوا عليها من مراكز التسجيل التابعين لها، أو الذين حصلت أخطاء مطبعية بشأن بياناتهم الشخصية. ويبدو أن المفوضيّة لم تتمكن من نشر السجلات حسب التاريخ المعلن في العاشر من ديسمبر 2009م، لذا فقد نُشرت عدة اعتراضات في هذا الشأن، ونذكر منها ما جاء في المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد بيرق أدروب مصطفى، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، بولاية كسلا، حيث انتقد تأخر نشر الكشوفات الأوليَّة في كلِّ مراكز الولاية، واحتجَّ بأن هذا الإجراء يُعدُّ مخالفة صريحة للمادة 23/ج من قانون الانتخابات القومية لسنة 2008م، والتي تنصُّ على: "إتاحة السجل الانتخابي للجميع لمراجعة تفاصيل الناخبين والاعتراض على التسجيل"، وإن حزبهم قد خاطب المفوضيّة في هذا الشأن ولم يحصل على رد شافٍ؛ إلا أن السيد عوض طه، كبير ضباط الانتخابات باللجنة العليا للانتخابات بولاية كسلا، قد صرح لصحيفة التيار بأن عملية تأجيل نشر السجل الانتخابي الأولي للولاية تعزى لضخامة الكشوفات، وأن لوحات الإعلانات المتوفرة بالمراكز لا يمكن أن تستوعبها. ويبدو أن لجان الانتخابات العليا في معظم أنحاء السُّودان قد واجهت عدداً من المشكلات الفنية التي حالت دون نشر السجلات الأولية في الميعاد المضروب لها، ومن ثم آثرت تسليم الأحزاب السياسية كشوفات إلكترونية مدمجة تحوي أسماء الناخبين المسجلين؛ إلا أن هذا الإجراء أسهم في إحداث أخطاء كثيرة في السجل الانتخابي، فمثلاً يُذكر أن كشف قرية اللعوتة بولاية الجزيرة قد نُشر في السجل الانتخابي لمركز الحارة 13 الثورة أمدرمان، ولاية الخرطوم، وأن كشف حي الميرغني بكسلا قد نُشر في السجل التابع لحلفا الجديدة، فضلاً عن وجود أسماء مكررة، وأسماء لم تستوف الشروط القانونية في بعض الكشوفات. وقد برزت هذه الإشكالية بصورة واضحة في مرحلة الاقتراع، ونستشهد في هذا المضمار بالطعن الذي قدمه يوسف آدم بشر المحامي عن موكله الصادق علي حسن المحامي (المرشح المستقل للدائرة الثانية أمدرمان برمز العنقريب)، إلى رئيس المفوضيّة القومية للانتخابات، حيث التمس من المفوضيّة إيقاف عملية الاقتراع بالدائرة المذكورة، وذلك استناداً إلى الوقائع المتمثلة في أن السجل الانتخابي الذي استلمه مرشح الدائرة، الصادق علي حسن المحامي، من المفوضيّة القومية للانتخابات يحوي 41116 ناخباً مسجلاً، وأن السجل الصادر من اللجنة العليا للانتخابات بولاية الخرطوم، والذي تمت بموجبه إجراءات الاقتراع، يحوي 43944 ناخباً، أي أن الفارق بين السجلين يقدر بـ 2828 ناخباً، وذلك مما دفع الأستاذ يوسف آدم بشر إلى اتهام جهات الاختصاص بتزوير السجل الانتخابي للدائرة الثانية أمدرمان، وبموجب ذلك نادى بإلغاء الاقتراع في الدائرة المذكورة.
لاشك أن أوجه القصور التي أشرنا إليها يمكن أن تُعزى إلى ثلاثة مصادر رئيسة، أولها إنَّ أداء المفوضيّة القومية للانتخابات ولجانها العليا في الولايات قد اتسم في بعض الأحيان بقلة المهنية، والحياد الإداري في تنفيذ بعض الإجراءات المرتبطة بعملية التسجيل، الأمر الذي أدى إلى تراكم الملاحظات السالبة والخروقات الموثقة التي تمت في مختلف مراحل العملية الانتخابية، دون أن تجد الإصلاحالمطلوب والممكن، وذلك ابتداءً من مرحلة تقسيم الدوائر الانتخابات، ومروراً بالتسجيل،وانتهاء بالترشيح والاقتراع. ويتمثل المصدر الثاني للقصور الذي شاب العملية الانتخابية  في ضعف أداء الأحزاب السياسية، التي يقدر كمها بثلاثة وثمانين حزباً مسجلاً، والتي كرَّست جهدها في رصد التجاوزات التي حدثت في مرحلة التسجيل، وتتبع عثرات حزب المؤتمر الوطني الحاكم، بدلاً من أن تكون عنصراً فاعلاً في دعم عملية التسجيل، ومراقبة إجراءاتها، وبذلك فرطت في حقِّها المشروع في الرقابة والإشراف اللصيق على إجراءات إعداد السجل الانتخابي. ويرتبط المصدر الثالث بقطاع كبير من الناخبين السودانيي، الذين لا يملكون وعيّاً انتخابيّاً كافيّاً، يؤهله للحفاظ على حقوقه الدُّستورية، بل كانوا يعيشون في حالة لامبالة وعزوف عن التسجيل. ويعزو الأستاذ محجوب عروة ذلك العزوف إلى سوء الأوضاع المعيشية، والإحساس العامّ بأن الانتخابات لن تقوم أساساً بسبب الخلافات بين الشريكين، وتلويح بعض القُوى السياسية بمقاطعتها. فضلاً عن أن حالة البداوة التي يعيشها بعض أهل السُّودان، الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتيةً، تعينهم في عملية التسجيل وحفظ حقوقهم الدُّستورية، دون أن يكونوا عرضة لشهادات اللجان الشعبية التي تتسم بعدم الشفافية والنزاهة في كثير من الأحيان، أو إفادات العِرِّيفين التي تخضع إلى مؤثرات المزاج الشخصي، أو هوى الانحياز السياسي الذي يقدم كسب القُوى القطاعية على حساب المصلحة العامّة.
وبالرغم من الإخفاقات المشار إليها إلا أن عدد المسجلين داخل السُّودان قد فاق تصور القُوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي وصفت عملية التسجيل بالمتدنية، إذ بلع عددهم 16176232 ناخباً مسجلاً، أي بزيادة تقدر بـ 127.8% مقارنة بالمسجلين في الانتخابات البرلمانية لعام 1986م، والذين يقدر عددهم بـ 7099506 ناخباً مسجلاً؛ وبنسبة تقدر بـ 83% من مجموع الشريحة السكانية الناخبة المؤهلة حسب نتائج التعداد السكاني الخامس لعام 2008م. فمن حيث الكم فإن نسبة الناخبين الذين سجلوا أسماءهم داخل السُّودان تعتبر نسبةً عاليةً بكل المعايير الدولية؛ أما نسبة التسجيل خارج السُّودان فكانت متدنية؛ لأسباب ارتبطت بسوء توزيع مراكز التسجيل، وعدم استيفاء معظم اللاجئين السُّودانيين والنازحين في معسكرات دول الجوار لشروط التسجيل المنصوص عليها قانوناً، فضلاً عن عزوف بعض المهاجرين السُّودانيين عن التسجيل، بحجة أن العملية الانتخابية في مجملها تفتقر إلى الحرية والنزاهة في ظل نظام الحكم القائم. أما من حيث الكيف فالسجل الانتخابي يحتاج إلى مراجعةٍ دقيقةٍ، لتنقيته من الأخطاء المطبعية، والأسماء المكررة، فضلاً عن إدراج الذين سقطت أسماؤهم لأسباب غير موضوعية.

ثالثاً: الاقتراع ومشكلاته
أكًّدت جهات المراقبة الدولية والمحلية أن عملية الاقتراع قد صحبتها بعض المشكلات الفنية والإدارية المرتبطة بتبديل الرموز، وسقوط أسماء بعض المرشحين، والناخبين الذين يحملون إشعارات تسجيل، والانتهاكات الأمنية في الجنوب، وبعض الخروقات القانونية المصاحبة لعملية الاقتراع نفسها، لكنها اختلفت في الرأي عن مدى تأثير هذه المشكلات على عملية الاقتراع الكلية ونتائجها. فوصف مركز كارتر عملية الاقتراع بعدم "الدقَّة والشفافية المطلوبتين لبناء الثقة في مجمل العملية الانتخابية"، وأنها "لم تستوف المعايير الدولية، والتزامات السُّودان في إجراء انتخابات حُرّة ونزيهة"، لكنه في الوقت نفسه أَمَّن على أنها خطوة أساسية إيجابية تجاه تطبيق اتفاقية السلام الشامل. وثمَّنت بعثة الاتحاد الأوروبي عملية الاقتراع بأنها تمَّت بطريقة مرضيَّة في 70% من الحالات التي أشرفت على مراقبتها، واتسمت في 30% بالارتباك الفني والإداري، والخروقات القانونية التي أفقدتها الشفافية والنزاهة.  أما تقرير المنتدى المدني القومي فوصف عملية الاقتراع بعدم الالتزام بالمعايير الدولية للانتخابات الحُرّة والنزيهة، وعزى ذلك لأسباب ترتبط بالمناخ السياسي الذي جَرَتْ فيه الانتخابات، والتشريعات واللوائح والأنظمة الإدارية التي حكمت العملية الانتخابية في مراحلها المختلفة.
وواضح من هذا العرض أن الجهات الرقابية والقُوى السياسية المعارضة قد اتفقت في وجود العديد من المشكلات الفنية والإدارية التي رافقت عملية الاقتراع، وعزت تلك المشكلات إلى المناخ السياسي والقانوني الذي جَرَتْ فيه الانتخابات، وألقت باللائمة على المفوضيّة القومية للانتخابات التي عيَّرتها بالضعف الإداري وعدم النزاهة. ولا جدال أن ذلك الواقع جعل الاقتراع في اليوم الأول أشبه بالولادة المتعثرة كما يرى الدكتور الطيب زين العابدين، الذي وصف "الأخطاء الفنية العادية"، حسب بيان المفوضيّة، بأنها "أخطاء جسيمة في العملية الانتخابية"؛ لأنها تؤكِّد أن "موظفي المفوضيّةالذين سافروا إلى بريطانيا، وجنوب إفريقيا، وغيرها لمراقبة طباعة بطاقاتالاقتراع، إما أنهم لم يأخذوا النموذج الصحيح للبطاقة، أو أنهم لم يكلفواأنفسهم عناء التدقيق في البطاقة المطبوعة حتى تكون مطابقة للنموذج الذيسُلِّم إليهم في الخرطوم. وكلا الاحتمالين يدلان على إهمال شنيع لا يليق بموظف صغير، دعك من شخص مسؤول في جهاز المفوضيّة. ووصف الطيب سقوط عشرات الآلاف من أسماء الناخبين من السجل الانتخابي بالخطأ الفاحش، علماً بأن "تقريرمركز كارتر الذي نُشر قبل أكثر من عشرين يوماً من بداية الاقتراع قد نبَّه لهذهالمشكلة، وطلب تأجيل الانتخابات لنحو عشرة أيام حتى تطمئن المفوضيّة لنقلأسماء الناخبين بصورة صحيحة من كشف السجل اليدوي إلى الكشف الإلكترونيالذي تتعامل معه لجان الانتخابات الولائية، ولكن تنبيهالمركز وجد آذاناً صمَّاء من المفوضية، وتقريعاً لاذعاً من قمة المسؤولين فيالدولة.
ولعلنا نتفق مع الدكتور الطيب زين العابدين بأن عملية الاقتراع كانت "ولادة متعثرةً"، ألقت بظلالها السالبة على نزاهة العملية الانتخابية، وأوضحت بجلاء عدم جاهزية المفوضيّة القومية للانتخابات، وقدحت في حيادها؛ لأنها رفضت مقترح التأجيل الذي طرحته بعض الأحزاب السياسية والجهات المراقبة للانتخابات. وبذلك ساندت المفوضيّة، بقصد أو دون قصد، موقف حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الذي أصرَّ على ضرورة إجراء الانتخابات في مواعيدها المعلنة دون أدنى تأجيل، فضلاً عن أنها أعلنت في الصحف السيارة أن الاستعدادات الإدارية والفنية قد بلغت ذروتها، وأن الانتخابات القومية "تُجرى بـمَنْ حَضر". ولا يدري أحد على أي حسابات فنية وإدارية، ولمصلحة مَنْ، أسست المفوضيّة إعلاناتها الصحافية المتكررة، التي كانت تبشر الناخب السُّوداني ببلوغ الاستعدادات الانتخابية غاياتها المنشودة، دون استجابة إلى إرشادات الخبراء والجهات المراقبة التي شككت في صدقية تلك الإعلانات، أضف إلى ذلك أنها ادعت بأن الانتخابات حسب الضوابط الانتخابية التي وضعتها المفوضيّة لا يمكن تزويرها بأي حال من الأحوال؛ إلا أن واقع الاقتراع في اليوم الأول كشف زيف تلك التصريحات غير المدروسة، وجعل المفوضيّة القومية للانتخابات عُرضةً للاتهام، الطاعن في نزاهتها الاعتبارية وأهليتها المهنية. 

رابعاً: يجب أن لا نُقيم أداء المفوضية القومية للانتخابات بمعزل عن الواقع السياسي التي نشأت فيه، والمناخ الانتخابي العام. فإذا كان الحياد المهني مفقود في أجهزة الخدمة المدينة التي تأثرت بسياسات التمكين القائمة على تقديم الولاء على الكفاءة، فليس من العدل أن نلقي باللائمة على المفوضية القومية للانتخابات في أداء الدور المناط بها على الوجه الأكمل، فهي عبارة عن جهاز إداري-فني، من المفترض أن يعضد بثقافة الديمقراطية العامة التي تعاني من نقصها الأحزاب الحاكمة والمعارضة، وكذلك الحال بالنسبة للأجهزة التنفيذية والقضائية المساعدة التي تأثرت بانتمائها السياسي للحزب الحاكم على حساب المهنية الوظيفية. فالمفوضية بالرغم من جمال هيكلها التنظيمي، والكفاءات الأكاديمية والإدارية التي تضمها بين ظهرانيها؛ إلا أنها تعاني كثيراً في فقدان المحتوى الديمقراطي في القطر؛ فلذلك لا يستقيم الظل والعود أعوج.

المصدر: صحيفة السوداني، الجمعة 12 أغسطس 2014م.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.