(الحلقة الثالثة)


: قراءة تقويمية؟

مقدمة

أشرنا في الحلقة السابقة أنَّ صراع الأحزاب السياسية أقعد الحكومة الائتلافية عن أداء الدور المناط بها، وقاد إلى حدوث فوضى سياسية، وفساد إداري في أجهزة الدولة ومرافقها العامة، ممهداً بذلك الطريق لانقلاب السابع عشر من نوفمبر 1958م، ذلك الانقلاب الذي عطَّل العمل بالدستور، وحلَّ البرلمان، وأقال الحكومة المنتخبة، وحلَّ الأحزاب السياسية والنقابات، ومنع التجمعات والمواكب والمظاهرات، وأغلق دور الصُحف السيارة إلى حين إشعار آخر. وبالرغم من تعطيل المؤسسات الدستورية إلا أنَّ العسكر حُظوا بمباركة "السيِّدين الجليلين"، وكسبوا ودَّ زعماء الإدارة الأهلية في الأرياف والبوادي، وعلى النقيض فشلوا في إقناع الأحزاب العقدية، والتنظيمات النقابية، والطلاب، ودعاة الفيدرالية في الجنوب. وأخيراً أسهمت معارضة هذه القطاعات السياسية (أو القوى الحديثة) في انفجار ثورة أكتوبر 1964م التي أرغمت العسكر على العودة إلى ثكناتهم، وأعادت الحياة الديمقراطية إلى مجاريها، وفق ميثاق سياسي ينادى بإطلاق الحريات العامة وإلغاء القوانين المقيدة لها،  والدعوة إلى قيام حكومة مدنية انتقالية، تكون غايتها إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية في موعد أقصاه مارس 1965م. وبموجب ذلككوَّنت القوى الحديثة ما يُعرف بـ "جبهة الهيئات"، التي أشرفت على تشكيل الحكومة الانتقالية، وأسهمت في صوغ برنامجها السياسي، الذي تأثر بأدبيات الحزب الشيوعي السُّوداني صاحب الحضور الكثيف في فعاليات الجبهة ومناوراتها السياسية. وفي المقابل ظهرت الجبهة المتحدة التي ضمَّت عضويتها حزب الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وكانت تلك الأحزاب المتحدة تمثل تطلعات القوى التقليدية، والحركة الإسلامية المتحالفة معها آنذاك. وعند هذا المنعطف برزت التقابلية الأيديولوجية في السياسة السُّودانية، حيث ظهر محور اليسار الذي تزعمه الحزب الشيوعي السُّوداني، ومحور اليمين ممثلاً في حركة الإخوان المسلمين (أو جبهة الميثاق الإسلامي) وأنصار السُّنة المحمدية. وفي ظل ذلك الواقع السياسي المكتظ بالمتناقضات تشكَّلت حكومة الأستاذ سر الختم الخليفة، التي شملت عضويتها سبعة وزراء من جبهة الهيئات، ووزيرين جنوبيين، وخمسة وزراء آخرين يمثلون الأحزاب السياسية: الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والحزب الشيوعي السُّوداني، وجبهة الميثاق الإسلامي. وقد تبنت حكومة سر الختم الخليفة، الواقعة تحت تأثير الحزب الشيوعي السُّوداني، بعض الأطروحات الرامية إلى تفكيك البنية التقليدية للمجتمع السُّوداني، وإعادة تنميطها وفق مؤشرات حديثة تتوافق مع استراتيجيات الحزب الشيوعي وتطلعاته في السُّودان. ومن هنا جاءت الدعوة إلى حلِّ الإدارة الأهلية، وتشكيل محكمة خاصة للنظر في قضايا الثراء الحرام والفساد وتخريب الاقتصاد، وتكوين لجنة لتقديم مقترحات للإصلاح الزراعي، ووضع استراتيجية اقتصادية لمساعدة الشركات السُّودانية تولي زمام التجارة الخارجية بدلاً عن الشركات الأجنبية والبيوتات التجارية الوطنية، ووضع الترتيبات اللازمة لتنشيط التجارة مع شرق أوروبا، والدعوة بإقرار حق المرأة في التصويت والترشيح في الانتخابات القادمة، وتخصيص 50 % من مقاعد الجمعية التأسيسية للعمال والمزارعين. ولا شك أن تلك التوجهات القطاعية قد أثارت حفيظة المؤسسات التقليدية بشقيها الطائفي والقبلي في السُّودان، ودفعتها إلى معارضة حكومة جبهة الهيئات، والدعوة إلى تكوين حكومة قومية من الأحزاب التقليدية ذات الثقل السياسي في السُّودان، ونتيجة لذلك استقالت الحكومة الانتقالية الأولى في الثامن عشر من فبراير 1965م، وكُلف سر الختم الخليفة للمرة الثانية بتكوين حكومة قومية من الأحزاب السياسية، شملت في عضويتها الأمة، والوطني الاتحادي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وبعض الأحزاب الجنوبية، وقاطعها الحزب الشيوعي السُّوداني، وحزب الشعب الديمقراطي.

وبناءً على أجندة جبهة الهيئات تمكنت الحكومة الانتقالية الثانية من عقد مؤتمر المائدة المستديرة في مارس 1965م، بحضور ثمانية عشر ممثلاً عن الأحزاب الشمالية، وأربعة وعشرين من السياسيين الجنوبيين، فضلاً عن المراقبين الأجانب الذي حضروا من غانا، وكينيا، ويوغندا، ونيجيريا، ومصر، والجزائر. وكان ذلك المؤتمر أول محاولة سودانية جادة لحلِّ مشكلة الجنوب سياسياً ودستورياً، حيث طرح ثلاثة خيارات مهمة، شملت الفدرالية، والوحدة غير المشروطة مع الشمال، والانفصال. وقد أبدى الساسة الجنوبيون في إجرء استفتاء عام بشأن الخيارات الثلاثة؛ إلا أن الأحزاب الشمالية عارضت مقترح الاستفتاء، وأوصت بإمكانية قيام حكومة إقليمية في الجنوب، تتكون من مجلس تشريعي، ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في الأمور الخدمية، مثل الصحة، والتعليم، والزراعة والتجارة. مما دفع بالساسة الجنوبيين إلى رفض ذلك المقترح، والمطالبة بالفدرالية الكاملة. وبذلك انتهى المطاف بمداولات المائدة المستديرة وتوصيات لجنة الأثني عشر عند مفترق طرق، أفضى إلى استمرار الحرب الأهلية في الجنوب، والشروع في الإعداد للانتخابات البرلمانية في الشمال.

لجنة الانتخابات العامة

عملاً بالبند 43/1 من دستور السُّودان المؤقت والمعدل لسنة 1964م، عيَّن مجلس السيادة، بعد التشاور مع مجلس الوزراء الانتقالي، اللجنة العامة للانتخابات، في 17 نوفمبر 1964م، برئاسة القاضي محمد يوسف مضوي، وعضوية الإداريين إسماعيل محمد بخيت، ومنوة مجوك، وسكرتارية عبد الماجد عوض الكريم، ومحمد الشيخ جميل نائباً للسكرتير. وواضح من هذا التعيين أنَّ مجلس السيادة اعتمد على أربعة معايير رئيسة لاختيار أعضاء اللجنة، أولها: الكفاءة المهنية، وثانيها الخبرة الفنية المتراكمة، وثالثها الحياد السياسي، ورابعها تمثيل جنوب السُّودان.ونلحظ أن المعايير الثلاثة الأولى تبلورت بجلاء في سيرةالقاضي محمد يوسف مضوى (ت. 2004م)، الذي تخرَّج في كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم لاحقاً) عام 1947م، مع مجموعة من القانونيين النابهين، أمثال: جلال علي لطفي، وحسين عثمان وني. وبعد تخرجه انخرط القاضي محمد يوسف مضوي في العمل القضائي إلى أنرُقي إلى منصب قاضي مديرية عام 1964م. وفي عام 1957م تمَّ اختياره عضواً في لجنة الانتخابات العامَّة التي ترأسها حسن علي عبد الله، وبعد ثورة أكتوبر 1964م رئيساً لجنة الانتخابات العامة، حيث اجمعت الأحزاب السياسية على استقامته المهنية، وخبرته السابقة في مجال العمل الانتخابي. وفي عهد حكومة مايو (1969-1985م) تمَّ فصله مع نخبة من القضاة البارزين، ونتيجة لذلك آثر الهجرة إلى نيجريا، ومنها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أسهم في تأسيس النظام القضائي وثوابت العمل القانوني. وبعد عودته إلى السُّودان، حسب رواية الأستاذ السفير أبوبكر عثمان محمد صالح، عرض عليه الرئيس نميري العديد من الوظائف المرموقة، ومن ضمنها رئاسة مجلس الشعب القومي، المكلف بوضع دستور السُّودان الدائم؛ إلا أنه رفضها بعفَّة وكبرياء. ولذلك ذكره الدكتور منصور خالد ضمن أولئك الذين "تأبوا الانخراط في النظام؛ لأسباب مبدئية، رغم ما قُدِّم لهم من عُروض مُغرية." وفي عهد الحكومة الانتقالية (1985-1986م)، طُرحت عليه رئاسة لجنة الانتخابات القومية؛ إلا أنه اعتذر دون إفصاحٍ. وعندما استقال السيد محمد الحسن عبد الله يس، عضو مجلس السيادة، رشَّح الحزب الاتحادي الديمقراطي الدكتورأحمد السيد حمد خلفاً له؛ إلا أنَّ حزب الأمة القومي عارض ترشيح أحمد السيد، محتجاً بأنه كان سادناً ومستشاراً للرئيس جعفر نميري (1969-1985م)، فضلاً عن مجاهرته بعداء حزب الأمة. ونتيجة لأصرار الحزب الاتحادي الديمقراطية على مرشحه الوحيد، قدَّم حزب ثلاثة أسماء بديله كحلٍ وسط للحزبين المؤتلفين، وشملت قائمة الأسماء المرشحة لعضوية رأس الدولة الأستاذ محمد يوسف مضوي، والدكتور الجزولي دفع الله، والأستاذ ميرغني النصري؛ إلا أنَّ الأولين اعتذرا عن قبول المنصب، وأخيراً وقع الاختيار الأستاذ ميرغني النصري. لذلك وصف الأستاذ مصطفى عبد العزيز البطل القاضي محمد يوسف مضوي بـ "المعتذر المحترف".ونتيجة لهذه الاعتذارات المتكررة ابتعد الأستاذ مضوي عن الأضواء، آثراً العمل المهني في مجال المحاماة، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، ورئاسة مجلس جامعة الخرطوم لعدة دوراتٍ، لذلك كرَّمته الجامعة بالدكتوراه الفخرية في القانون عام 1991م. هكذا كان القاضي محمد يوسف مضوي صاحب قدم راسخ في مجال القانون، ومواقف مبدئية مشرفة، تدل على نزاهته، واعتداده برأيه، واحترامه لأمانة المثقف. ولذلك وصفه الأستاذ الزين يحيى عثمان، قائلاً: "فظلت الشجاعة والنزاهة زاده،والاستقامة والصدق مع النفس والناس ديدنه، فخط كتاباً مليئاً بالبذل والعطاء في كلمجال ارتاده، وأنجز كل مهمة اُسندت إليه."وأكد صدقية هذه الشهادات الدكتور بيتر بكتول، الذي زار السُّودان أثناء انتخابات عام 1965م، بصفته مراقباً أجنبياً (أمريكياً) وباحثاً أكاديمي.

وفي ضوء هذه التوطئة عن أهليَّة لجنة الانتخابات العامة، يمكن أن نطرح الأسئلة الآتية: ما طبيعة الإجراءات التي قامت بها لجنة الانتخابات العامة واللجان الفرعية المساعدة لها؟ وما الدور الذي قامت به لتضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها؟ وما طبيعة الصعوبات التي واجهتها في تنفيذ الدور المناط بها؟

بدأت اللجنة أعمالها في 20 ديسمبر 1964م، وبعد ذلك عقدت سلسلة من الاجتماعات التي مكنتها من وضع قانون انتخابات عام 1965م، واللوائح الإجرائية والتنظيمية المصاحبة له، وتعيين لجان الانتخابات، وعقد المؤتمرات التنويرية، ودورات التدريبية للعاملين تحت إشرافها. وعلى هدي السلطات الممنوحة لها بموجب قانون الانتخابات لعام 1965م وضعت اللجنة المبادئ التالية لتنظيم العملية الانتخابية في السُّودان.

أولاً: تقسيم الدوائر الانتخابية

أعادت لجنة الانتخابات العامة النظر في توزيع الدوائر الجغرافية، وذلك وفق الأسس والقواعد التالية:

أولاً: أن تتم عملية إعادة تقسيم الدوائر الجغرافية على أساس الإقليم، بحيث تنحصر الدائرة في منطقة معينة من الأرض، تشمل كل الأشخاص المقيمين بها دون اعتبار إلى انتماءاتهم القبلية.

ثانياً: لا يشترط أن يكون تقسيم الدوائر وفق حدود الإدارات الأهلية أو المجالس المحلية داخل المديرية الواحدة.

ثالثاً: يجب أن يتراوح النصاب السكاني لكل دائرة انتخابية بين خمسين ألف وسبعين ألف نسمة من السكان المقيمين في الدائرة.

رابعاً: أن تتم عملية إعادة تقسيم الدوائر الجغرافية داخل نطاق المراكز بقدر المستطاع، بحيث لا تقع دائرة واحدة في مركزين، ولا يجوز إطلاقاً أن تقسم دائرة واحدة بين مديريتين.

خامساً: يستحسن أن تكون حدود الدائرة الانتخابية محصورة في جزء متصل من الأرض، دون أن تفصلها عوائق طبيعة، ويستثنى من ذلك الجُزر الواقعة في نهر النيل وروافده.

وبناءً على هذه الأسس والقواعد، أعادت لجنة الانتخابات العامة تقسيم الدوائر الجغرافية، وعرضتها على مجلس الوزراء، الذي وافق عليها دون تعديل، وقد بلغ عددها 218 دائرة، منها 158 دائرة في المديريات الشمالية، و60 دائرة في المديريات الجنوبية، جاء توزيعها على النحو الآتي:

المديرية

عدد الدوائر الجغرافية

الزيادة بالنسبة

المئوية

عام 1958م

عام 1965م

بحر الغزال

16

22

37 %

النيل الأزرق

35

45

28 %

دارفور

22

24

09 %

الاستوائية

15

20

33 %

كسلا

16

23

43 %

الخرطوم

9

13

44 %

كردفان

29

36

51 %

الشمالية

16

17

06 %

أعالي النيل

15

18

20 %

العدد الكلي

173

218

26%

ثانياً: توسيع الوعاء الانتخابي

سنَّ قانون انتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1965م مبدأين أساسين، كان لهما أثر كبير في توسيع الوعاء الانتخابي، وذلك بإقرار حق المرأة في التصويت، وخفض سن الناخب من واحد وعشرين إلى ثمانية عشر عاماً. وواضح أن الإقرار بهذين المبدأين قد جاء بناءً على رغبة القوى الحديثة، التي كانت تسعى إلى تأسيس حركة سياسية مستقلة عن تلك الفئات التي تداولت السلطة مدنياً أو عسكرياً قبل قيام ثورة أكتوبر 1964م. إلا أن بعض القوى التقليدية كانت رافضةً لإقرار حق المرأة في التصويت، بدليل أن بعض القُرى في المديرية الشمالية ومديرية كسلا استنكرت هذا الإقرار، ورفضته "اعتماداً على العادات والتقاليد، وقد بلغ الحماس ببعض دعاة هذا الاتجاه في بعض الأماكن إلى الإجماع- بصرف النظر عن اتجاهاتهم السياسية أو الطائفية- على إبعاد المرأة تماماً من عملية التسجيل". وبين مؤازرة القوى الحديثة ورفض القوى التقليدية لحق المرأة في التصويت برز اتجاه وسط، لا يرفض حق المرأة في التصويت من الناحية المبدئية، ولكن يطالب بوضع بعض النظم الكفيلة لتسجيل النساء وتصويتهن دون أن يحدث بينهن والرجال اختلاط. وبالرغم من تباين الآراء في حق المرأة في التصويت لانتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1965م إلا أن مشاركتهن في الانتخابات كانت معقولة من حيث الكم، أما من حيث الكيف فتأثرت إلى حدّ كبير بتوجهات العنصر الذُكوري في المجتمعات الريفية والبوادي.



ثالثاً: دائرة الخريجين

لاحظنا في الحلقة الأولى من هذا المقال أنَّ قانون الحكم الذاتي لعام 1953م قد خصص خمسة مقاعد للخريجين في مجلس النواب، وذلك مراعاة لتمثيل القوى الحديثة في العملية الديمقراطية الوليدة في السُّودان آنذاك. وكان الفوز في تلك المقاعد من نصيب الحزب الوطني الاتحادي (ثلاثة مقاعد)، وحزب الأمة (مقعد واحد)، والجبهة المعادية للاستعمار (مقعد واحد). إلا أن تلك المقاعد الخمسة قد أُلغيت بموجب قانون الانتخابات البرلمانية لعام 1958م، الذي صاغته حكومة الأمة-الشعب الديمقراطي الائتلافية، وعمدت بذلك إلى تقليل نفوذ الحزب الوطني الاتحادي، الذي كان يشكل حضوراً سياسياً واسعاً في المدن وفي أوساط الخريجين. وبذلك قُلص دور الخريج في انتخابات عام 1958م، بيد أن حكومة أكتوبر الانتقالية كانت تنظر لأمر الخريجين من الزاوية ذاتها التي انطلق منها مشرعو قانون الحكم الذاتي لعام 1953م، حيث أنها خصصت خمسة عشر مقعداً للخريجين في قانون انتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1965م، وكوِّنت لجنة فرعية خاصة للإشراف على انتخابات مقاعد الخريجين، برئاسة السيد علي محمد أحمد، مساعد الوكيل الدائم لوزارة الحكومة المحلية آنذاك، وعضوية الفاتح يوسف، وبديعة محمد عبد الرحمن، وسكرتارية محمد الفاتح حامد. وقد أشرفت تلك اللجنة الفرعية على تسجيل الخريجين داخل السُّودان بمساعدة ضبَّاط تسجيل منتدبين لتلك المهمة من وزارات مختلفة، وخارج القطر عن طريق الملحقين الثقافيين الذين كانوا يعملون في سفارات السُّودان وقنصلياته. وقد بلغ عدد الخريجين الذين سجلوا أسماءهم في الجداول المعدة لانتخابات عام 1965م تسعة عشر ألف ناخب، بينهم 588 ناخبة.

رابعاً: إلغاء مجلس الشيوخ وقيام الجمعية التأسيسية

ابتدع قانون الحكم الذاتي لعام 1953م نظاماً برلمانياً مزدوجاً يقوم على مجلسين، أحدهما مجلس النواب، والآخر مجلس الشيوخ؛ إلا أن القوى الحديثة كانت دائماً تشكك في فاعلية مجلس الشيوخ، وتعُدُّه امتداداً طبيعياً لترسيخ نفوذ القوى التقليدية داخل البرلمان، علماً بأن معظم أعضائه المنتخبين كانوا يمثلون القطاعات التقليدية في المجتمع السُّوداني. وبناءً على ذلك التوجه السياسي ألغت الحكومة الائتلافية الأولى مجلس الشيوخ، وعدّلت اسم مجلس النواب إلى الجمعية التأسيسية، التي حُددت مهامها في الميثاق الوطني، والفقرة الثانية من دستور عام 1956م المؤقت والمعدل لسنة 1964م، بأن تكون مهمتها الرئيسة محصورة في وضع الدستور الدائم وإصداره. لكن الجمعية التأسيسية، كما يرى إبراهيم حاج موسى، "شغلت نفسها بمسائل التشريع والمناورات السياسية والمؤامرات الحزبية، تاركة مهمتها الأساسية المتعلقة بوضع الدستور الدائم، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أقدمت على إدخال تعديلات متعددة على الدستور المؤقت،" ومهدت بذلك الطريق إلى صياغة قيم دستورية أسهمت بدورها في اغتيال النظام الديمقراطي الليبرالي في عقر داره، واستبداله بنظام عسكري، دق قادته إسفيناً في نعش الديمقراطية الثانية، ووصفوها بأنها نوع من العبث والمتاجرة بمقدسات الشعب السُّوداني، سواء اتفقنا مع تلك التُرهات العسكرية أو لم نتفق، فقد كانت هذه هي نهاية الديمقراطية الثانية التي سعت لحتفها بظلفها.

وفي ضوء الأسس والقواعد المشار إليها أعلاه بدأت عملية التسجيل للانتخابات في كل الدوائر الإقليمية في 11 فبراير 1965م، واستمرت حتى 12 مارس 1965م، وذلك حسب شروط أهلية الناخب التي حددتها المادة الخامسة من قانون الانتخابات لسنة 1965م، وتمثلت تلك الشروط في الهُويَّة السُّودانية، وتحديد عمر الناخب بثمانية عشر عاماً كحد أدنى، وضرورة توفر السلامة العقلية، والإقامة في الدائرة الانتخابية مدة لا تقل عن ستة أشهر من تاريخ قفل جداول الانتخابات. وبعد أربعة أيام من نهاية فترة التسجيل نشرت لجنة الانتخابات العامة قوائم الناخبين، واستمرت فترة النشر لمدة سبعة أيام، أعقبتها عملية الطعون، وأخيراً نُشرت القوائم النهائية للناخبين في 6 أبريل 1965م. وجاء تصنيف الناخبين المسجلين في الدوائر الإقليمية على النحو الآتي:

المديرية

الدوائر

عدد السكان

الناخبين المسجلين

النسبة المئوية

النيل الأزرق

45

2736351

696393

25 %

دارفور

24

1467690

209905

14 %

كسلا

23

1394060

234335

17 %

الخرطوم

13

756932

214363

28 %

كردفان

36

2090312

440669

21 %

الشمالية

17

975046

175400

18 %

العدد الكلي

158

9420391

1971065

20 %

نسبة لتدهور الأوضاع الأمنية في جنوب السودان أُجريت الانتخابات في الدوائر الإقليمية على مرحلتين؛ الأولى منها بالمديريات الشمالية الست في أبريل 1965م بعد الدوائر الانتخابية في الجنوب، والثانية في معظم دوائر المديريات الجنوبية الثلاث في أبريل 1967م. وجاء نتيجة انتخابات المرحلة الأولى على النحو الآتي:

الحزب

دوائر إقليمية

مقاعد خريجين

المجموع

حزب الأمة

92

-

92

الحزب الوطني الاتحادي

71

2

73

المستقلون

15

-

15

الحزب الشيوعي السوداني

-

11

11

اتحاد أبناء جبال النوبة

10

-

10

حزب سانو

10

-

10

مؤتمر البجا

10

-

10

جبهة الميثاق

5

2

7

حزب الأحرار الجنوبي

2

-

2

حزب الوحدة

2

-

2

العدد الكلي

218

15

233

قراءة تقويمية

نخلص بهذا العرض إلى أنَّ اختيار لجنة الانتخابات العامة وأداءها المهني اتسما بالموضوعية والشفافية؛ إلا أنَّ الصراعات السياسية الحادة بين الأحزاب كان لها إسقاطات سالبة على المشهد الديمقراطي القام؛لأنَّ نزاهة الانتخابات لا ترتبط بإداء لجنة الانتخابات العامة فحسب، بل تتعداها إلىديمقراطية الأحزب المتنافسة نفسها، وكيفية إعدادقانون الانتخابات، وتقسيم الدوائر الانتخابية حسب الثقل السكاني، ووعي الناخب السُّوداني المرتبط باختيار ممثليه في البرلمان، فضلاً عن المشاركة المهنية للجان المساعدة والأجهزة الإدارية والقضائية والضبطية في الدولة.وتتبلور حصيلة ذلك في النقاط الآتية:

أولاً: يُعدَّ التزام الحكومة السُّودانية بمراعاة معايير الكفاءة المهنية، والخبرة الفنية المتراكمة، وتمثيل جنوب السُّودان في اختيار أعضاء لجنة الانتخابات العامة خطوة إيجابية تحسب لصالح مجلسي السيادة والوزراء الحاكمين آنذاك.

ثانياً: أنَّالأداء الإيجابي للجنة العامة للانتخابات تمثل في تقسيم الدوائر الانتخابية بطريقة موضوعية، وإدارة الانتخابات بمهنية عالية حسب الجدول المعلن لها، والتعامل مع القضايا الخلافية بشفافية وحكمة إدارية، ولذلك حظيت اللجنة بتثمين كل الأطراف المتصارعة سياسياً، دون أن يحدث أي يطعن في نزاهتها المهنية.

ثالثاً: أنَّ قرار المحكمة العليا في قضية المرشحين الذين فازوا بالتزكية في جنوب السُّودان بتاريخ 4 أبريل 1965م ضد قرار مجلس السيادة القاضي بتأجيل الانتخابات في 6 أبريل 1965م في جنوب السودان يُعدُّ ضرباً من ضروب المهنية واستقلالية القضاء السُّوداني آنذاك؛علماً بأن قاضي المحكمة العلياختم حيثات القرار بقوله: "لقد راجعت المحكمة مواد الدستور، وقانون انتخابات الجمعية التأسيسة، والقواعد الصادرة بموجبه، ولم أجد في أي منها ما يعطي مجلس السيادة الحق في إلغاء الانتخابات، ولذلك فإني أقرر بطلان هذا الأمر الصادر منه، وأقرر فوز المدعين العشرة بالتزكية في الدوائر الإقليمية التي رشحوا فيها."

رابعاً: أنَّ مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي وعدم إمكانية إجراء الانتخابات في معظم دوائر جنوب

السُّودان قد جعلت الانتخابات منقوصة، ومطعون في شرعيتها السياسية، بحجة أنها وُظفت لخدمة أحزاب سياسية بعينها دون مراعاة للواقع السياسي الراهن آنذاك بصورة كاملة. والشاهد في ذلك النداء الذي أصدره حزب الشعب الديمقراطي إلى: "جميع اللجان الفرعية لحزب الشعب الديمقراطي. قاطعوا الانتخابات، ولا تشتركوا في التصويت، فهي خيانة للوطن. نبهوا المواطنين بالابتعاد عن الخيانة العظمى، خيانة فصل الجنوب عن طريق هذه الانتخابات. واعملوا على مقاومة الانتخابات، وعدم السماح بها. إن المعركة ضد هذه الانتخابات معركة وطنية عظيمة، وهي معركة صيانة وحدة البلاد، والحفاظ على وحدة متماسكة، ودولة موحدة، للسودان بحدوده الحالية."

خامساً: أنَّ صراع الأحزاب السياسية خلال الفترة الانتخابات وبعدها ظل ذا طابع ثنائي (الختمية والانصار، والشيوعيين والإسلاميين، والقوى الحديثة والقوى التقليدية) يدور في الفلك السؤال العقيم: مَنْ يحكم السُّودان؟ ومن هنا نشأت عملية إلغاء دائرة الخريجين عام 1958م،وإعادتها عام 1965م، وإلغاء مجلس الشيوخ عام 1965م باعتباره أحد "أوكار" القوى التقليدية، ورفض الاقتراح القاضي بتطبيق الفدرالية في جنوب السُّودان دون مسوغات موضوعية، وأخيراً طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان. كل هذه الممارسات السياسية التي افتقرت إلى الرؤية المستقبلية، والتفكير الجاد في معالجة السؤال المُلح: كيف حكم السُّودان؟ كانت واحدةً من الأسباب الرئيسة التي أسهمت في تعقيد المشهد السياسي،وتقويض النظام الديمقراطي الوليد في السُّودان.

المصدر: صحيفة السوداني، 22 أغسطس 2014م