(الحلقة الأولى)

 

مضى على أول انتخابات برلمانية أُجريت في السُّودان عام 1953م أكثر من ستة عقود من الزمن المُهْدَر في المشاكسات السياسية التي اقعدت السُّودان عن مواكبة ركب الدول الناهضة، وكان الهدف من تلك الانتخابات وضع السُّودان على مسار ديمقراطي صحيح، تمثل الانتخابات الحرة والنزيهة حجر زاويته الذي تستند إليه لبنات البناء الديمقراطي، وثقافة الرأي والرأي الآخر. وتحقيقاً لهذا الهدف اختارتحكومة السُّودان رجلاً، تتوفر فيه المؤهلات اللازمةلرئاسة لجنة الانتخابية العامة المختلطة، التي نصَّت المادة السابعة من اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان لعام 1953م أن تُشكلمن سبعة أعضاء، ثلاثة منهم سودانيين، يعينهم الحاكم العام بموافقة لجنته الاستشارية، وبقية الأعضاء يتمَّ اختيارهم من مصر، والمملكة المتحدة (بريطانيا)، والولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وأن يكون العضو الهندي رئيساً للجنة.اختارت حكومة الهند الديمقراطية السيد سُكومارسن (Sukumar Sen )، الذي شغل منصب أول رئيس للجنة الانتخابات الهندية عام 1950م.

وُلِدَ سكومارسن في أسرة هندوسية في إقليم البنغال عام 1898م، ودرس في كلية الرئاسة بكلكتا، وتخرج في جامعة لندن بالميدالية الذهبية في الرياضيات. التحق بالخدمة المدنية في الهند عام 1922م، وعمل في السلك القضاء (1928-1947م)، وأخيراً عُين رئيساً لإدارةإقليم غرب البنغال (1947-1950م). وبعد عام من تأسيس لجنة الانتخابات العامةالهندية تمَّ تعيينه رئيساً لها، لمدة ثماني سنوات، بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان الهندي، وكانللجنة التي ترأسها شخصية اعتبارية مستقلة.وتثميناً لعطائه المتميز،وصفه الصحافي الهندي رادف"بالرجل الخارق" الذي أسس نظاماً انتخابياً استثنائياً في الهند، التي بلغ عدد ناخبيها آنذاك 176 مليون ناخباً، 85% منهم أميون، لا يعرفون القراءة والكتابة. تلك هي الهند التينعتهاونستون تشرشل (Winston Churchill) عام 1930م بأنها "مجرد فضاء جغرافي. تَرْكَها لحكم البراهمة سيكون عملاً قاسياً وجهلاً مدقعاً. ستنهار مصلحة القضاء، والطب، والسكك الحديدية، والأشغال العامة، وستعود الهند بسرعة متناهية إلى عهود البريرية." لكن الهنود بكياستهم السياسية أثبتوا العكس، فالهند اليوم تمثل أسرع معدل نمو اقتصادي في العالم، وأكبر دولة ديمقراطية من حيث التمثيل الشعبي، وأشهرمنتج للأفلام السينمائية المشاهدة على نطاق عالمي واسع، وأكبر دولة يتحدث شعبها اللغة الإنجليزية على أديم الأرض، وفوق هذا وذاكفإنها الدولة الحائزة على بطولة الكركت عالمياً.

سكومار سن في السودان الإنجليزي-المصري

بناءً على المادة السابعة من اتفاقية الحكم الذاتي لسنة 1953م، أصدر حاكم عام السُّودان آنذاك، السير روبرت هاو (Robert Howe)، قراراً بتعيين أول لجنة للانتخابات في السُّودان في 8 أبريل 1953م، وشملت عضوية اللجنة الآتية أسماؤهم:

الاسم

الدولة

الوظيفة

1. سكومار سن

الهند

رئيساً

2. جي. سي. بني

المملكة المتحدة

عضواً

3. عبد الفتاح حسن

مصر

عضواً

4. واريك بيركنـز

الولايات المتحدة الأمريكية

عضواً

5. عبد السلام الخليفة

حزب الأمة

عضواً

6. خلف الله خالد

الحزب الوطني الاتحادي

عضواً

7. غردون بولي

جنوب السُّودان

عضواً

8. حسن علي عبد الله

حكومة السُّودان

سكرتيراً

وحدد الملحق الثاني من اتفاقية الحكم الذاتي لسنة 1953م مهام لجنة الانتخابات العامة، وسلطاتها على النحو الآتي:

1) دراسة مشروع قواعد الانتخابات، وإعادة النظر فيه إذا اقتضى الحال تعديلاً، وبموجب ذلك لها الحق في إصدار القواعد اللازمة لإجراء الانتخابات في جميع أنحاء السُّودان في أقرب فرصة ممكنة.

2) الفصل في مؤهلات الناخبين لمجلس الشيوخ، وعدد الدوائر الانتخابية غير المباشرة لمجلس النواب، وتحديد عدد مقاعد الخريجين بشرط أن لا تتجاوز خمسة مقاعد.

3) الإشراف على التحضير للانتخابات، وإجرائها، وكفالة حيدتها.

4) وضع اللوائح الخاصة بتعيين لجان الانتخابات الفرعية، وتحديد مهامها، وسلطاتها.

5) تحديد الدوائر التي تجرى فيها الانتخابات المباشرة.

6) ترفع اللجنة تقريراً إلى الحكومة المصرية وحكومة المملكة المتحدة عن سير الانتخابات.

ونَصَّ الفصل الخامس من قانون الحكم الذاتي على تكوين برلمان من مجلسين: الشيوخ والنواب، ويشكل الحاكم العام والمجلسان معاً السُّلطة التشريعية في السُّودان. ويتكون مجلس الشيوخ من خمسين عضواً، يعين الحاكم العام عشرين منهم حسب تقديراته الشخصية، بينما يُنتخب ثلاثون عن طريق كليات انتخابية قوامها أعضاء مجالس الحكومات المحلية، ومجالس المديريات، وتُوزع مقاعدها حسب الجدول أدناه.

اسم الدائرة

المقاعد المخصصة

مديرية بحر الغزال

3

مديرية النيل الأزرق

5

مديرية دارفور

4

المديرية الاستوائية

2

مديرية كسلا

3

مديرية الخرطوم

2

مديرية كردفان

5

المديرية الشمالية

3

مديرية أعالي النيل

3

العدد الكلي

30

ويتكون مجلس النواب من خمسة وتسعين عضواً منتخباً، يمثلون اثنتين وتسعين دائرة جغرافية، ودائرة للخريجين تتكون من ثلاثة مقاعد، وتكون الانتخابات في خمس وثلاثين دائرة جغرافية انتخابات مباشرة، وفي سبع وخمسين دائرة جغرافية غير مباشرة، وفي دوائر الخريجين يتمّ الانتخاب عن طريق البريد المسجل. وتُوزيع الدوائر الجغرافية حسب الجدول أدناه.

اسم الدائرة

مباشرة

غير مباشرة

المجموع

مديرية بحر الغزال

0

7

7

مديرية النيل الأزرق

11

7

18

مديرية دارفور

1

10

11

المديرية الاستوائية

0

7

7

مديرية كسلا

4

4

8

مديرية الخرطوم

8

1

9

مديرية كردفان

4

13

17

المديرية الشمالية

7

0

7

مديرية أعالي النيل

0

8

8

العدد الكلي

35

57

92

وفي الجزء الرابع من الملحق الأول لقانون الحكم الذاتي،تمَّ تحديد الشروط المؤهلة لناخبي مجلس النواب، وفي مقدمتها أن يكون الناخب سودانياً، وذَكَراً، ولا يقل عمره عن إحدى وعشرين سنة، وأن يكون سليم العقل، ومقيماً في دائرته الانتخابية بصورة عادية لا تقل عن ستة أشهر قبل نهاية تسجيل الناخبين. وأُقر أيضاً مبدأ التأهيل الأكاديمي للخريجين، ومُنح كل خريج حق التصويب في دائرة الخريجين والدائرة الجغرافية التابع لها، وأُسقط شرط الإقامة، وشرط الذكورة بالنسبة للخريج، وبذلك أضحت المرأة صاحبة حق في التصويت في دائرة الخريجين.

وعلى هدي هذه القواعد القانونية العامة باشرت لجنة الانتخابات العامة عملها في 9 أبريل 1953م، واتخذت سلسلة من القرارات الإجرائية المرتبطة بتنظيم العملية الانتخابية في السُّودان، والتي يمكن أن نجملها فيما يلي:

أولاً:أصدرت اللجنةقراراً يقضيبتأجيل الانتخابات إلى نوفمبر 1953م، أي بعد حلول موسم الخريف. وعندما طُرح هذا القرار للمناقشة عارضه السيِّد عبد السلام الخليفة و ج. س. بني، معارضة قوية، لأنهما كانا يفضلان إجراء الانتخابات قبل موسم الأمطار، تحسباً بأن التعجيل سيصب في مصلحة الأحزاب الاستقلالية، إلا أن خلف الله خالد وعبد الفتاح حسن عارضا هذه الفكرة، وآثرا تأجيل الانتخابات، بحجة عدم اكتمال قوائم الدوائر الانتخابية، المباشرة منها وغيرها، لأن أي أجراء دون كمال نصابها يجرح في نزاهة العملية الانتخابية. ويبدو أن موقفهما هذا قد حاز استحسان رئيس اللجنة سُكومار سن، وبيركنـز، وغردون بولي، وبموجب ذلك حصل اقتراح التأجيل وإعداد قوائم لكل الدوائر الانتخابية على موافقة أغلبية أعضاء اللجنة. وقد علَّق بني على قرار التأجيل وإعداد القوائم بصورة ساخرة، حيث وصف سُكومار سن، بأنه "يميل إلى رأي الأغلبية، وأن بيركنـز لا يستطيع أن يفكر إلا بنمط الممارسة الديمقراطية الأمريكية، وأن غردون بولي يعتقد أنه سوف يخذل الجنوبيين إذا اعترف بأنهم ليسوا بمستوى يمكنهم من خوض الانتخابات بكل زخارفها الديمقراطية الحديثة." ويؤكد هذا التعليق الساخر أن الجدل الذي كان دائراً داخل لجنة الانتخابات يبرز جانباً من الروح التنافسية التي عقَّدت أعمال اللجنة، لأن اللجنة كانت متنازعة بين تيار الوحدة الذي يتزعمه عبد الفتاح حسن وخلف الله خالد، وتيار الاستقلال الذي يسانده بني وعبد السلام الخليفة، ويسعى كل واحد منهما لتحقيق كسب سياسي في الرهان الانتخابي القادم.

ثانياً: إن قضية تحديد عدد الدوائر الانتخابية-الجغرافية المباشرة وغير المباشرة كانت من بين القضايا الساخنة التي تجادلت حولها اللجنة. فقد ابتدر عبد الفتاح حسن النقاش برفض التقسيم الوارد في قانون الحكم الذاتي، بحجة أنه تقسيم أعدته "هيئة تشريعية مهدوية كان غرضها الأساس تحسين الفرص الانتخابية للأحزاب الموالية للحكومة، وذلك بتصنيف أكبر عدد من الدوائر غير مباشرة لإخضاع الناخبين للنظار المهدويين." وعليه اقترح زيادة الدوائر المباشرة وتقليل عدد الدوائر غير المباشرة، وبالرغم من معارضة بني وعبد السلام الخليفة اللذين تعللا بعدم مواكبة ناخبي الريف لنظام الانتخاب المباشر، إلا أن الاقتراح قد حُظي بموافقة أغلبية أعضاء اللجنة، وبناءً على ذلك تم ترفيع الدوائر الانتخابية-الجغرافية المباشرة إلى 68 دائرة، وتقليص غير المباشرة إلى 24 دائرة. ويبين الجدول أدناه عدد السكان التقريبي لكل مديرية، وعدد الناخبين المسجلين، وتوزيع الدوائر المباشرة وغير المباشرة.

اسم الدائرة

عدد السكان التقريبي

عدد الناخبين

الدوائر الانتخابية

مباشرة

غير مباشرة

المجموع

مديرية بحر الغزال

796000

185000

1

6

7

مديرية النيل الأزرق

1678000

375000

17

1

18

مديرية دارفور

1037000

181000

7

4

11

المديرية الاستوائية

640000

152000

5

2

7

مديرية كسلا

579000

149000

7

1

8

مديرية الخرطوم

438000

106000

9

0

9

مديرية كردفان

1692000

301000

13

4

17

المديرية الشمالية

687000

129000

7

0

7

مديرية أعالي النيل

724000

127000

2

6

8

العدد الكلي

8271000

1687000

68

24

92

ثالثاً: استجابت اللجنة إلى طلب ممثلي الأحزاب السياسية برفع عدد مقاعد دائرة الخريجين إلى خمسة مقاعد، توافقاً مع السقف الذي حدده قانون الحكم الذاتي لسنة 1953م. وأقرت اللجنة أيضاً الشروط العامة الواجب توفرها في الناخب من حيث الجنسية، والعمر، وسلامة العقل، وأجازت قراراً يقضى بإعادة النظر في المؤهلات العلمية للناخب، ليشمل الفئات التعليمية التالية:

1. الذين أكملوا المرحلة الثانوية من مدرسة معترف بها.

2. الذين اجتازوا امتحان شهادة كمبردج أو ما يعادله.

3. الذين حصلوا على الشهادة العالمية من المعهد العلمي.

4. الذين أكملوا تعليمهم بقسم المعلمين والقضاة بكلية غردون التذكارية.

5. الذين حصلوا على دبلوم أو درجة علمية من جامعة أو كلية معترف بها.

وبموجب ذلك أضحى الخريج مميزاً عن غيره من المواطنين، إذ مُنح خمسة أصوات في دائرة الخريجين، وصوت واحد في الدائرة الجغرافية التي يقيم فيها، وعدد من الأصوات في انتخابات مجلس الشيوخ يساوي عدد المقاعد المخصصة لدائرة المديرية التي ينتمي إليها.

رابعاً: تطرقت اللجنة إلى وضع النُظَّار والعُمد والمشائخ في العملية الانتخابية، ووصلت إلى شبه إجماع مبدئي يقضي بمنعهم من المشاركة في الأحزاب السياسية والدعاية الانتخابية المصاحبة لها، وحجتها في ذلك أن هؤلاء الزعماء القبليين ربما يستغلوا سلطاتهم الإدارية والقضائية، ونفوذهم الاجتماعي، بطريقة "غير لائقة" تؤثر في نزاهة الانتخابات وحياديتها. بيد أن هذا التوجه قد أثار حفيظة عضو اللجنة البريطاني بني، ودفعه إلى كتابة رسالة شديدة اللهجة إلى سكومار سن رئيس اللجنة، أوضح فيها مجافاة موقف هذا الأخير للصواب، وفي أحدى فقراتها يقول:

أنني أشعر بأن رأيك ربما يكون ناجماً عن سوء فهم لمكانة الزعماء القبليين في هيكل الحكومة وللمسؤوليات المتضمنة في تلك المكانة.[...] إذا قامت الحكومة السُّودانية رسمياً بمنع النُظَّار من أداء ما يفهمون أن مكانتهم تؤهلهم له، بل تجعله واجباً عليهم، وفعلت ذلك استجابة للجنة (التي يحملها الرأي العام على أي حال نتيجة تدخلها)، لا سيما إذا ما أتى المنع في الصياغة اللغوية شديدة اللهجة التي تقترحها أنت، فإن الحصيلة النهائية قد تكون أكثر بؤساً وتعاسة.

إلا أن هذا الموقف البريطاني المحابي لزعماء الإدارة الأهلية قد واجه رفضاً من العقيد عبد الفتاح حسن وخلف الله خالد، تعللاً بأنه سيمهد الطريق لفوز الحزب الجمهوري الاشتراكي الذي يستمد شعبيته من مؤازرة النُظَّار والعُمد والأعضاء الجنوبيين، وفي المقابل يؤثر سلباً في كسب الأحزاب الاتحادية في الانتخابات، ويضيِّق دائرة خيار الوحدة مع مصر. وبالرغم من هذا الرفض إلا أن مذكرة بني قد أثرت في موقف اللجنة الأول، ودفعت رئيسها إلى اتخاذ موقف تصالحي يقضي بإقرار وضع النُظَّار حسبما جاء في مذكرة جي. سي. بني، مصحوباً ببعض التحوطات اللازمة للحفاظ على نـزاهة الانتخابات. ويبدو أن هذا الموقف التصالحي قد أغضب عبد الفتاح حسن، ودفعه إلى الانسحاب من مداولات اللجنة، بعد أن وصف أساليب رئيسها بـ"الدكتاتورية"، وتضامناً مع موقف عبد الفتاح حسن امتنع خلف الله خالد عن التصويت على الاقتراح التصالحي الذي حظي بموافقة بقية أعضاء اللجنة.

خامساً: أقرت اللجنة شرط الإقامة المعتادة في الدوائر الانتخابية بالنسبة للناخبين في مجلس الشيوخ، وحددت فئاتهم العمرية بخمس وعشرين سنة في الشمال، وإحدى وعشرين سنة في الجنوب، ثم عدلت مؤهلاتهم لعضوية الكليات الانتخابية في المديريات التسع على النحو التالي:-

1. أعضاء منتخبون في مجالس الحكومة المحلية المعترف بها ومجالس المديريات.

2. أعضاء معينون في مجالس الحكومة المحلية المعترف بها ومجالس المديريات.

3. نظار ومعلمو المدارس الثانوية ونظار المدارس الوسطى.

4. في المديريات الجنوبية: معلمو كل المدارس الوسطى، ونظار ومعلمو كل المدارس الابتدائية.

5. الخريجون، حسبما هو وارد في شروط ناخبي دائرة الخريجين.

6. في المديريات الجنوبية: كل من لديه شهادة إكمال من مدرسة وسطى.

7. الأعضاء المنتخبون في مجلس النواب.

8. الأفراد الذين أجيز ترشيحهم لانتخابات مجلس النواب إلا أنهم لم يفوزوا.

سادساً: أصدرت اللجنة سلسلة من اللوائح والأمور التنظيمية الخاصة بإجراء الانتخابات، ورشحت رؤساء اللجان الانتخابية في المديريات إلى الحاكم العام؛ ليصدر أمراً بشأن تعيينهم، وعقدت عدداً من الدورات التدريبية في الخرطوم لضباط الانتخابات، لمساعدتهم على تدريب موظفي الانتخابات الذين سيعملون معهم. وبموجب ذلك أعلنت اللجنة بداية فتح باب الترشيح لعضوية المجلسين، وأعلنت بداية الحملة الانتخابية التي قادتها خمسة أحزاب سياسية رئيسة، هي: الوطني الاتحادي، والأمة، والجمهوري الاشتراكي، وحزب الجنوب، والجبهة المعادية للاستعماري.

ملاحظات عامة:

هناك حزمة من الملاحظات العامة المرتبطة باختيار لجنة الانتخابات العامة المختلطة، وكيفية ممارستها للمهام الإدارية والتنفيذية التي أوكلتإليها، ودرجة التزامها بمبدأ الحياد والشفافية والنزاهة في إشرافها على الاجراءات الانتخابية، ومراحل تنفيذها المختلفة.

أولاً:يعكساختيار اللجنة المختلطة للانتخابات العامةالروح الثنائية للوجود الاستعماري في إدارة السُّودان، بدليل أنَّ اتفاقية الحكم الذاتي أقرَّت أن يكون في اللجنة عضواً ممثلاً لمصر (عبد الفتاح حسن) وآخر لبريطانيا (جي. سي. بني)؛ ويبرز من طرف آخرطبيعة الصراع المحلي الذي كان سائداً بين الحزب الوطني الاتحادي (خلف الله خالد) وحزب الأمة (عبد السلام الخليفة)؛ فضلاً عن الاعتراف بخصوصية وضع جنوب السُّودان،واختيار السيد غردون بولي ممثلاً له. كل هذه الاعتبارات تؤكد أن العملية الانتخابية في أي بلدٍ ناشئ مثل السُّودانكانت تحتاج إلى نوعٍ من التوافق بين القوى السياسية المتصارعة؛لتوفير الحد الأنسب لأجراء الانتخابات العامة بنزاهة وشفافية.

ثانياً:كان تعيين سكومارسن رئيساً للجنة، وواريك بيركنز عضواً، وحسن عليعبد الله سكرتيراً تعييناً موفقاً، يؤكد روح الاهتمام بالشفافية والنزاهة المهنية في العملية الانتخابية، فضلاً عن أنه أسهم في صونسلامة الإجراءات الإدارية، وتهيئة المناخ الإداري لتحقيق خبرة تراكمية فيفنإدارة الانتخابات. والشاهد في ذلك أن الإداري حسنعلي عبد الله قد تمَّ اختياره لاحقاً رئيساً للجنة الانتخابات العامة عام 1957م.

ثالثاً:وصفت الصحافة السُّودانية والأجنبية سكومار سن بقوة الشخصية، وسعة الثقافة، والخبرة الواسعة بالنظم والقوانين الانتخابية، كما شهدت له بالنزاهة والحيدة التامة، وإمتلاك مهارة التوفيق بين وجهات النظر المتباينة. كل ذلك أسهم في نجاح التجربة الانتخابية الوليدة في السُّودان، وجعل منها مرجعية مهنية؛ استندت إليها انتخابات عام 1958م.

رابعاً: أنَّ معظم قرارات اللجنة تمَّ اتخاذها بطريقة ديمقراطية، رُوعي فيها احترام وجهات النظر المختلفة، وتحقيق المصلحة العامة من أجل إجراء انتخابات حرة ونزيهة. ولذلك جاء تعليق السيد الصديق المهدي، رئيس حزب الأمة آنذاك، على إجراءات الانتخابات العامة تعليقاً إيجابياً، مفاده أن الانتخابات: "أُجريت بطريقة حسنة جداً، والذي تمَّ أمس في العاصمة كان صورة مكملة للطريقة التي أُجريت بها الانتخابات في الأقاليم، فقد كان المواطنون مُشرِّفين، وكان موقفهم مما يشرِّفنا أمام المواطن الأجنبي [...] مهما كانت النتيجة فأننا نتقبلها شاكرين."

خامساً:بالرغم من المكايدات والتدخلات السياسية التي رافقت العملية الانتخابية في ظل الوجود الاستعماري الثنائي ومصالحه المتعارضة في السودان، والصراع التقليدي بين طائفتي الختمية والأنصار؛ إلا أن رئيس لجنة الانتخابات العامة قد استطاع أن يدير الإجراءات الانتخابية بمهنية عالية، بدليل أنَّمعظم الأطراف السياسية أمنَّت على نزاهته، وإدارته الحسنة للانتخابية. وفضلاً عن ذلك قدمت اللجنة تقريراً مفصلاً عن سير العملية انتخابية، والمشكلات التي واجههتا، ثمختمت ذلكبتوصيات مهمة، كان المفترض أن تُسهم في ترقية الإداء الوظيفي للانتخابات العامة في السُّودان مستقبلاً، وتمهد الطريق لإدارة الانتخابات القادمةبكفاءات سودانية خالصة، ترسخ لمفهوم التداول السلمي للسُّلطة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المصدر: صحيفة السوداني، 8 أغسطس 2014م