Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

في يوم الخميس الموافق الأول من أكتوبر 2009م اتصل أخي الأستاذ محمد إبراهيم أبوشوك هاتفياً من الدوحة، وأبلغني معزياً بوفاة الدكتور أحمد السيِّد حمد، الذي وافته المنية على فراشه بالخرطوم بحري في 29 سبتمبر 2009م، وأحسستُ من محادثته الهاتفية أن في صوته نبرة حزن دفين، وأسًى جامح، لأن الأخ محمد كان أكثرنا تواصلاً مع الدكتور أحمد السيِّد حمد في أيامه الأخيرة، وأرجحنا إلماماً بالإرث الطيب الذي خلفه والده السيِّد حمد أبوسوار في منطقة قنتي، قبل أن يهاجر إلى الكوة، كعادة أقرانه في ذلك العهد، ويطيب له ولأسرته المقام بالنيل الأبيض. وكان حزن الأخ محمد ينطلق أيضاً من تثمنيه للعلاقة العامرة بالود المتبادل بين الفقيد ووالدنا إبراهيم أبوشوك على المستوي الاجتماعي الأسري، والمستوي السياسي الحزبي، الذي تبلورت بعض مشاهده في مساندتهما لتأسيس حزب الشعب الديمقراطي في خمسينيات القرن العشرين، على حساب عضويتهما السابقة في الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يُوصف برائد الاستقلال وحزب الطليعة المستنيرة في السودان.

وفي هذه الكلمة الراثية لا أدعي معرفة تامة بتراث الدكتور أحمد السيِّد حمد النضالي في الحركة الوطنية، أو السياسي بعدها، لأن الفقيد لم يدون مذكراته، أو طرفاً من تاريخه السياسي، كما فعل رفاقه في الحركة الوطنية الاتحادية، ونذكر منهم: إسماعيل الأزهري (الطريق إلى البرلمان)، وخضر حمد (مذكرات: الحركة الوطنية السودانية؛ الاستقلال وما بعده)، والدرديري محمد عثمان (مذكراتي، 1914-1958م)، ومحمد أحمد يس (مذكرات)، وعبد اللطيف الخليفة (مذكرات عبد اللطيف الخليفة: وقفات في تاريخنا المعاصر بين الخرطوم والقاهرة). لكن يحدوني الأمل أن تشجع هذه الكلمة المتواضعة في حق الدكتور أحمد السيِّد حمد بعض الدارسين، أو الحادبين على توثيق تاريخ الحركة الوطنية ونضالها السياسي ضد المستعمر في داخل السودان وخارجه أن يضعوا الدكتور أحمد السيِّد في قائمة أولوياتهم البحثية، ومشروعاتهم الأكاديمية المرتقبة، لأن مواقف الرجل السياسية، سواء اتفقنا معها، أو اختلفنا، جديرة بأن تُرشح للدراسة والتمحيص، لأنها ربما تكشف الحجب عن كثير من القضايا الخلافية والحيوية في تاريخ السوداني الحديث. 

        إذاً ما مسوغات هذه الدعوة للكتابة عن الدكتور أحمد السيِّد حمد؟ ومَنْ الدكتور أحمد السيِّد حمد الذي يمكن أن يُرشح بأن يكون مشروع أطروحة أكاديمية؟ وُلد الصبي أحمد السيِّد حمد عام 1918م، في أسرة تجارية ذائعة الصيت في مدينة الكوة، ترجع أصولها إلى البديرية الدهمشية بمنطقة الدفار (قنتي). وبعد أن أكمل تعليمه الأولى بمدينة الكوة، والأوسط بكلية غردون التذكارية، شد رحاله إلى مصر، حيث درس المرحلة الثانوية بمدارس حلوان، والجامعية بجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً). وبعد حصوله على درجة الليسانس في الحقوق من جامعة الملك فؤاد الأول، حصل على منحة دراسية من الحكومة المصرية، أهلته لنيل درجة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة تولوز بفرنسا. وخلال هذه المسيرة التعليمية الحافل بالعطاء الأكاديمي والنضال السياسي ضد المستعمر خارج السودان وداخله رافق الدكتور أحمد السيِّد حمد نفر أجلاء من أهل السودان، ونذكر منهم: الدكتور محي الدين صابر، والدكتور عقيل أحمد عقيل، والدكتور بشير البكري، والدكتور أحمد الطيب عبدون. ومع هؤلاء النفر وغيرهم كوَّن أحمد السيِّد حمد أول تنظيم للطلبة السودانيين في القاهرة عام 1935م، تحت اسم رابطة الطلبة السودانيين، التي قامت بدور طليعي في الدعاية للمسألة السودانية، وفي ربط الحركة الوطنية السودانية بالحركة الوطنية المصرية، لأن نضالهما ضد الاستعمار البريطاني كان نضالاً مشتركاً في ذلك الوقت، جمع بين دفتيه حِزَمٌ من المصالح الثنائية بين البلدين.

        وبعد حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة تولوز الفرنسية عاد أحمد السيِّد حمد إلى السودان، وانضم إلى صفوف الحركة الوطنية الاتحادية التي كانت في عفوان مجدها البازخ، والتي رشحته لرئاسة صحيفة صوت السودان عام 1946م. صدر العدد الأول لصحيفة صوت السودان في 13 مايو ١٩٣٩م، تحت امتياز شركة مطبعة السلام المحدودة التي كان يملك السيِّد علي الميرغني ٩٠% من أسهمها، فضلاً عن أنها كانت منافساً لشركة الطبع والنشر التابعة لدائرة المهدي. وأُسندت رئاسة تحرير الصحيفة أولاً إلى الأستاذ محمد عشري الصديق، وفي عهده نشب عراك صحافي حاد بينه ومحرر صحيفة النيل الأستاذ أحمد يوسف هاشم، وأخيراً أفضى ذلك الصراع إلى استقالة محمد عشري الصديق، وبعده تولى رئاسة تحرير الصحيفة عدد من الصحافيين اللامعين، أشهرهم الأساتذة إسماعيل القباني، وعبد الله ميرغني، ومحمد أحمد السلمابي، والدكتور محي الدين صابر، والدكتور أحمد السيِّد حمد، والمحامي محمد زيادة حمور. عُرفت صحيفة صوت السودان في ذلك الوقت بميولها الختمية، وعدائها السافر للأنصار وحزب الأمة.

وفي تلك المرحلة العصية من عمر النضال الوطني أشتهر أحمد السيِّد حمد بمقالاته النارية التي أزعجت الحكومة الاستعمارية، ورفعت أرقام توزيع الصحيفة بين القراء والمهتمين بالشأن السياسي السوداني آنذاك. ويصف الصحافي يحيى محمد عبد القادر الدكتور أحمد السيِّد في هذا الشأن، بقوله: "ذو أسلوب بارع في التكتيك الحزبي... يعتبر من الخطباء المعدودين في السودان... يحسن انتقاء ألفاظه وتوقيعها، ويحسن إبراز معاينها وتوكيدها، يحسن الإثارة في موضعها، والتهدئة في موضعها... فهو قدير في التلاعب بعواطف الجماهير، وتعبئتها، ودفعها حيث يريد، مثله في ذلك مثل الصانع الماهر، يحول المادة الخام ويشكلها في سهولة ويسر، وإتقان متحرر في تفكيره من غير شطط... يلتزم التوسط، فلا اندفاع يصل إلى حدود التهور، ولا بطء يصل إلى حدود الجمود. يخلص لبلاده، ويعمل لخيرها وسعادتها، يؤمن إيماناً قاطعاً بالدعوة الاتحادية، ويرى في تحقيق أهدافها ما يدعم سلطان وادي النيل على أرضه وأبنائه، ويعزز مقامه الدولي، ويعنيه على التقدم، والنهوض بكل ما يدعم ويعزز كلمة المعذبين والمقهورين في إفريقيا السوداء جميعاً."

        وبفضل بذلك العطاء الصحافي السابل، والنشاط الحزبي الدءوب، والقدرة الحوارية البالغة في إقناع الآخر انتخب الأشقاء الدكتور أحمد السيِّد حمد عضواً في الهيئة الستينية لمؤتمر الخريجين في دورته الخامسة (1951-1952م)، وبعد أن توحدت الأحزاب الاتحادية في حزب واحد يحمل اسم الوطني الاتحادي عام 1953م، انتقل الدكتور أحمد السيِّد إلى رئاسية صحيفة العلم التي حلّت محل صحيفة وادي النيل، وأضحى السيِّد إسماعيل الأزهري صاحب امتيازها بصفته رئيساً للحزب الوطني الاتحادي. وفي تلك الأثناء لمع نجم العلم كصحيفة يومية سياسية أثناء الفترة الانتقالية وبعد الاستقلال، وصاحبة سبق صحافي في نقل الأنباء الحكومية في كثيرٍ من الأحيان، لأنها كانت على صلة وثيقة برموز الحكم في السودان. وبعد أن أوقف الزعيم إسماعيل الأزهري جريدة الاتحاد ذات الميول الاتحادية الصارخة عام 1955م انتقلت رئاسة تحرير العلم من الدكتور أحمد السيِّد إلى الأستاذ علي حامد. وكان لمقالات الدكتور أحمد السيِّد التي تُنشر في صحيفة العلم، كما يصفها الصحافي يحي محمد عبد القادر، "الأثر الحاسم في جلاء الغموض الأزهري حتى حصحص الحق واستبان الطريق." والإشارة هنا إلى موقف الزعيم الأزهري الذي لم يكن واضحاً في بادئ أمره من قضية الاستقلال؛ هل يكون الاستقلال استقلالاً تاماً؟ أم في إطار وحدة وادي النيل؟ وكما نعلم فإن واقع الحراك السياسي في السودان ونشاط الصحف السيارة، ومن بينها العلم، جعل مفردات القرار التاريخي الذي أصدره البرلمان السوداني في التاسع عشر من ديسمبر 1955م تصب في محصلة الاستقلال التام الذي اشتركت الحكومة والمعارضة معاً في تحقيقه.

 

أحمد السيِّد حمد والعمل الحزبي

نتيجة للخلاف السياسي الذي نشب بين رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وبعض قيادات الختمية في الحكومة الائتلافية الأولى مع حزب الأمة، أعلنت مجموعة الختمية تأسيس حزب الشعب الديمقراطي في 26 يونيو 1956م، واتفقت على انتخاب علي عبد الرحمن الضرير رئيساً، ومحمد نور الدين أميناً عاماً، وأحمد السيِّد حمد أميناً للجان المحلية، والسيِّد علي الميرغني راعياً للحزب. ثم انتخب الحزب لجنته التنفيذية برئاسة الشيخ علي عبد الرحمن، وسكرتارية الدكتور أحمد السيِّد حمد. وبعد ذلك أسس الحزب مقره الرئيس في أم درمان، وأصدر صحيفة "الجماهير" إلى جانب "صوت السودان"، ثم أجاز دستوره الدائم الذي يقضي بالعمل على "تحقيق وحدة الأمة العربية، ووحدة الوطن العربي"، والإقرار بالإسلام ديناً رسمياً للدولة مع مراعاة حقوق الأقليات غير المسلمة. وبغض النظر عن الدور الذي حققه الحزب في سبيل إنجاز الوحدة العربية؛ إلا أن تأسيسه قد شق الصف الاتحادي صاحب الأغلبية البرلمانية، وأسهم في تكوين حكومة ائتلافية مع حزب الأمة، عُرفت في ذلك الوقت بـ "حكومة السيِّدين"؛ لأنها كانت تحظى بتأييد السيِّد عبد الرحمن المهدي وجماهير الأنصار من طرف، والسيِّد على الميرغني وجماهير الختمية من طرف ثانٍ. وعندما تكوَّن حزب الشعب الديمقراطي كان لديه حوالي سبعة عشر نائباً في مجلس النواب، أحد عشر من الختمية، وستة من مجموعة محمد نور الدين وميرغني حمزة. وبتلك القيادة السياسية والسند الجماهيري-الختمي أعد حزب الشعب الديمقراطي للحملة الانتخابية عدتها، وخاضها في ظل تحالف مهزوز مع حزب الأمة ضد الحزب الوطني الاتحادي. وحصل الحزب علي 32 مقعداً في البرلمان، ومن ضمنها مقعد الدكتور أحمد السيِّد حمد الذي فاز في الدائرة 103 القضارف الغربية بأغلبية مريحة، أهلته لدخول البرلمان، ورشحته ليكون وزيراً في الحكومة الائتلافية مع حزب الأمة.

وبعد ثورة أكتوبر 1964م، رُشح الدكتور أحمد السيِّد وزيراً للري في حكومة الانتقالية، وفي الوقت نفسه أشترك في مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي للانتخابات البرلمانية لعام 1965م ومقاومتها، حيث أصدرت صحيفة الجماهير، الناطقة باسم الحزب، نداءً إلى رؤساء وأعضاء اللجان الفرعية للحزب، تحثهم فيه بأن يجندوا رجالهم "لمقاطعة الانتخابات، مقاطعةً تامةً"، وأن يعملوا "علي بث النداء المرسل إليهم بين جماهير الدوائر الانتخابية على مختلف أحزابهم ومعتقداتهم"، وأن ينبهوا "جماهير الحزب ليكونوا على أتم يقظة واستعداد، وأن لا يذهب أحد إلى صناديق التصويت؛ لأن التصويت جريمة في حق الوطن." وأن يبذلوا وقتهم وراحتهم "في سبيل إحباط المؤامرة الاستعمارية الكبرى عن طريق مقاطعة الانتخابات التي تهدف إلى فصل الجنوب عن الشمال." وبناءً على مثل هذه النداءات التحريضية أعلن أنصار حزب الشعب الديمقراطي مقاطعتهم للانتخابات، وشرعوا في مقاومتها بكافة السبل. وفي قرية ود الفضل برفاعة، مثلاً، أعلنت جماهير حزب الشعب الديمقراطي مقاومة الانتخابات، ومنعت الدعاية الانتخابية في قريتهم؛ إلا أن السلطات الرسمية اعتبرت ذلك الموقف مخالفاً للقانون، وقامت بسجن قيادة الحزب وبعض أعضائه، وبلغ عدد المعتقلين ستين شخصاً. وفي تلك الأثناء وردت أيضاً عشرات البرقيات والرسائل إلى مركز الحزب العام بالخرطوم من معاقل جماهير "الإشارة" في مديرتي كسلا والشمالية، معلنةً مقاطعتها للانتخابات، ومقاومتها للحملات الداعية المصاحبة لها. وفي اليوم الأول من الاقتراع وقعت أحداث شغب في القرية نمرة واحد بحلفا الجديدة، راح ضحيتها عشرة مواطنين من أعضاء حزب الشعب الديمقراطي، وأربعة من رجال الشرطة، نتيجة للصدامات التي نشبت أمام صناديق الانتخابات بين الطرفين. وبذلك حمَّل رئيس حزب الشعب الديمقراطي، الشيخ علي عبد الرحمن الأمين، السيِّد رئيس مجلس الوزراء المسؤولية الأدبية والقانونية لحوادث حلفا الجديدة، لأنه، حسب وجهة نظره، قد تجاهل "إجماع المواطنين الأحرار على عدم الاشتراك في الانتخابات، بل مقاومتها." وتساءل عن الحكمة وراء "إصرار الحكومة على الاستمرار في انتخابات مجهولة النتيجة، تتم في ظل حراسة مشددة، ووابل من الرصاص، واضطرابات ودماء في جميع أنحاء القطر، ولا يعلم إلا الله ماذا سيحدث في العاصمة يوم 28 إبريل."

لكن الأحزاب المؤيدة لإجراء الانتخابات في شمال السودان اعترضت بشدة على موقف حزب الشعب الديمقراطي، وحثَّ الناطق الرسمي باسم الحزب الوطني الاتحادي، السيِّد عبد الماجد أبو حسبو، الحكومة على "أن تتخذ الإجراءات القانونية ضد رئيس حزب الشعب، وأقطابه، وصحيفته التي تنشر الدعوة للمقاومة، كما طالب رئيس الحكومة بفصل وزراء حزب الشعب من الحكومة، لعدم أمانتهم وتقديرهم للمسؤولية." وكان الدكتور أحمد السيد من أولئك الوزراء الذين وصى السيد أبوجسبو على فصلهم من الحكومة؛ لأنهم كانوا ضالعين في معارضة الانتخابات. وبموجب هذه الإيماءات الحزبية طلب مدير بوليس العاصمة من قاضي جنايات الخرطوم اعتقال السادة علي عبد الرحمن، ومحمد أمين حسين، وعبد الله النجيب، وعبد المنعم حسب الله، ومحمد زيادة حمور، وأحمد جبريل، وعثمان عبد الهادي، تحت المادة 127 الإثارة، إلا أن القاضي أحمد الشيخ البشير رفض الطلب بالاعتقال، متعللاً بأن النائب العام قد أفتى بأنه ليس من حق مجلس السيادة أن يقرر إجراء الانتخابات للجمعية التأسيسية، وأن الحفاظ على الأمن لا يعالجه القبض على الأشخاص المذكورين، وإنما يعالج بأن تكفَّ الحكومة عن استخدام الأجهزة التنفيذية في تنفيذ أمر غير دستوري، وأن القضاء لا يمكن أن يكون كلب حراسة." وبموجب أمر قاضي جنايات الخرطوم تمَّ إحضار السيِّد علي عبد الرحمن الأمين للتحقيق معه بشأن الاتهام المثار تحت المادة 127، وفي تلك الأثناء أمرت المحكمة العليا بإيقاف صحيفة الجماهير إلى أن ينظر في القضية المرفوعة ضدها. وفي اليوم التالي نظرت محكمة جنايات الخرطوم في القضية، و"قررت أن ما نشرته جريدة الجماهير لا يعتبر تحريضاً، وبرأت ساحة الرئيس علي عبد الرحمن، كما أمرت بإطلاق سراح السيِّد عبد المنعم حسب الله"، رئيس تحرير الجماهير، في الحال.   

وبعد هذه القراءة الاستقرائية نصل إلى أن قرار إجراء الانتخابات في الشمال وتأجيلها في الجنوب قد ترك بعض الإفرازات السالبة على المشاهد القانوني والسياسي في السودان، وقد انعكس ذلك على أدبيات الحملة الانتخابات، وجعلها رهاناً سياسياً بين أولئك الذين يؤيدون إجراء الانتخابات في الشمال دون الجنوب، وأولئك الذين يشككون في نزاهة الإجراء، ويتخوفون من تداعياته السالبة على وحدة السودان. ويبدو أن الصراع الحزبي حول قضية الانتخابات كان صراعاً سياسياً مفهوماً، لكن الغريب في الأمر أن مؤسسات الدولة القانونية والضبطية أضحت جزءاً من ذلك الصراع، ويتجلى ذلك في موقف النائب العام الذي كان يعبر بطريقة غير مباشرة عن موقف جبهة الهيئات الرافض لإجراء الانتخابات، وكذلك موقف قاضي جنايات الخرطوم الذي رفض اعتقال رئيس حزب الشعب تحت المادة 127، وحاول أن يأتي بتبرير قانوني لدحض التهمة المثارة ضده، وفي الوقت نفسه كان قومندان البوليس أحمد كرار يشكك في نزاهة المحكمة، ويتهمها بتعطيل أعماله الضبطية الخاصة بالقبض على المتهمين، إلا أن القاضي لفت نظر الاتهام بأن المحكمة قد قامت بكل الإجراءات اللازمة، وما يجب القيام في إطار سلطاتها القضائية، فلا يجوز للاتهام أن يشكك في نزاهة المحكمة بهذه الطريقة الفاضحة. ولاشك أن هذا المشهد السياسي يؤرخ لواحد من المواقف السياسية الحساسة في تاريخ السودان، والتي ساندها الدكتور أحمد السيِّد حمد بضراوة، وناصب في شأنها أصدقاء الأمس الخصومة السياسية.

وعندما أُعلن اندماج حزب الشعب الديمقراطي والوطني الاتحادي في حزب واحد تحت اسم "الاتحادي الديمقراطي" تمَّ اختيار الدكتور أحمد السيِّد حمد سكرتيراً عاماً للحزب الوليد، ثم تُرشيحه ممثلاً للحزب في الدائرة 21 الخرطوم الشمالية، والتي فاز بقسط وافر من الأصوات فيها، أهله لدخول الجمعية التأسيسية، وشغل وزارة التجارة في الحكومة الائتلافية. وبعد ذلك ظل وزيراً لوزارة التجارة إلى تمَّ اعتقاله بعد انقلاب مايو 1969م، وحُوكم في محكمة صورية بتهمة الفساد، وأصدر النظام المايوي أحكاماً قاسيةً ضده، جمعت بين السجن والغرامة؛ إلا أن حكومة مايو عدلت حكمها الصادر بعد فترة وجيزة من الزمن، وأطلقت سراح الدكتور أحمد السيِّد.

وعقب العفو عنه انضم الدكتور أحمد السيِّد إلى صفوف المعارضة الاتحادية التي كانت تحت قيادة الشريف حسين الهندي في الخارج، مع نفر من قيادات الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، والإخوان المسلمين، ونذكر من القيادات الاتحادية: محمد عبد الجواد، والدكتور عثمان عبد النبي، وأحمد زين العابدين، وإبراهيم محمد حمد، ومحمد الحسن عبد الله يس، وأحمد سعد عمر. وبعد المصالحة الوطنية عاد الدكتور أحمد السيِّد حمد إلى السودان، وآثر العمل السياسي من الداخل؛ إلا أنه هذه الخطوة كانت مرفوضة من الشريف حسين الهندي، الذي هاجم بشأنها الدكتور أحمد السيِّد حمد هجوماً سافراً، ووصف موقفه التصالحي مع النظام المايوي بـ"الفجيعة".  

وبناءً على ذلك الموقف رشحت حكومة مايو الدكتور أحمد السيِّد حمد إلى منصب الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية، وظل في ذلك منصبه إلى أن قررت الجامعة العربية تجميد عضوية مصر، ونقل مقر الجامعة إلى تونس بدلاً عن القاهرة، وذلك احتجاجاً على اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس محمد أنور السادات مع الحكومة الإسرائيلية دون مشورة الزعماء العرب آنذاك، وكان من بينهم الرئيس جعفر محمد نميري. أما الدكتور أحمد السيِّد فكان له موقف آخر، مناهضاً لقرار الجامعة العربية والإجماع العربي؛ لأنه كان يقف في صف الحكومة المصرية، ويرفض الانصياع إلى قرار الجامعة العربية، فبدلاً من الذهاب إلى تونس، آثر العودة إلى الخرطوم، حيث عُين وزيراً للمواصلات.

 

أحمد السيِّد حمد واتفاقية كامب ديفيد

كما نعلم أن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات قد وقَّع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م مع ورئيس وزراء إسرائيل آنذاك، مناحن بيجن، وتحت رعاية أمريكية، أشرفت عليها إدارة الرئيس جيمي كارتر؛ إلا أن التوقيع المصري على تلك الاتفاقية كان له صدًى داوياً في العالمين العربي والإسلامي، وبموجب ذلك جُمدت عضوية مصر في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. وكان الرأي الرسمي والشعبي في السودان مناهضاً لتلك الاتفاقية. وأذكر أنني رافقتُ والدي في زيارة إلى الدكتور أحمد السيِّد بعد عودته إلى السودان، وكانت تلك الزيارة بمنـزل أسرة حرمه الفضلى السيِّدة فتحية أحمد فؤاد شكري، ودار فيها بينهما نقاش ساخن حول شرعية اتفاقية كامب ديفيد، وتأثيرها علي العالم العربي، والقضية الفلسطينية. فكان موقف والدي يمثل موقف المعارضين الذين يحلمون بمسح إسرائيل من الخارطة السياسية؛ لأنهم كانوا مفعمين بخطابات الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ومقررات مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث: لا تفاوض مع إسرائيل، ولا اعتراف، ولا مصالحة. إلا أن الدكتور أحمد السيِّد كان يفكر بمنهج آخر، مستمد من واقع قراءاته المستقبلية للسياسية الدولة في المنطقة، وإلمامه الواسع بتطلعات قطاع كبير من الشعب المصري، لا يرغب في استمرار حرب الاستنزافية، ويرى في اتفاقية كامب ديفيد كسب سياسي لصالح لمصر، دون أن يقدح ذلك في موقفه المناهض للتطبيع مع إسرائيل. ولا شك أن تلك القراءات السياسية، اتفقنا معها أو اختلفنا، كانت تمثل موقفاً مفصلياً بالنسبة للدكتور أحمد السيِّد تجاه اتفاقية كامب ديفيد. وأذكر أنه كان يحلل ذلك الموقف في حواره مع الوالد بثقافة منبسطة في شؤون السياسة الدولية، وإلمام عميق بسيناريوهات الصراع السياسي في مصر والعالم العربي، وقدرة فائقة في الإقناع، وفقه الحوار مع الآخر. فلا جدال أن موقفه من كامب ديفيد يحتاج إلى دراسة فاحصة في ظل التحولات السياسية التي شهدت منطقة الشرق الأوسط بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وانهيار حلف وارسو لصالح الهيمنة الأمريكية في العالم، وبروز بعض الدراسات الاستراتيجية مثل: صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون، ونهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما. ولعل مثل هذه الدراسة تجيب عن طبيعة الحكمة التي ارتكن إليها موقف الدكتور أحمد السيِّد، الذي كان يُعدُّ نشازاً في منظومة الرأي العام في السودان، والرأي الآخر في بلدان العالم العربي والإسلامي.       

 

أحمد السيِّد حمد في سنواته الأخيرة

في خواتيم حياته السياسية لم يكن الدكتور أحمد السيِّد حمد على ودٍّ مع الحركة الإسلامية التي كانت دائماً تقدح في بعض مواقف السياسية، وفي مقدمتها موقفه الساخر من اعتقالات رموزها في أواخر عهد النظام المايوي، والتي وصف إجرائها المباغت بأنه "ضربة معلم". وعندما جاءت الإنقاذ إلى سدة الحكم أعلن الدكتور أحمد السيِّد معارضته الصريحة لنظامها الحاكم، وبذلك آثر الانضمام إلى صفوف المعارضة الخارجية في قاهرة المعز، وظل معارضاً في ذلك المنفى الاختياري إلى أن عاد إلى السودان في نوفمبر 2001م، بصحبة المرحوم السيِّد أحمد الميرغني. وبعد عودته إلى السودان ظل على طهره ونقائه السياسي، فلم تمتد يد إلى خزائن المال العام، أو استجداء أهل السلطان، بل آثر أن يؤجر جزءاً من منـزله الخاص، ليكون محلاً تجارياً لتأمين موارد دخله المحدودة، ومواجهة تكاليف الحياة الباهظة. وإلى جانب رقة حاله المالي، ظل الدكتور أحمد السيِّد حمد يجاهد في أسر محبسي الشيخوخة والمرض العارض، إلى أن وافته المنية في يوم الثلاثاء الموافق 29 سبتمبر 2009م. وفي صبيحة اليوم الذي يليه، وري جثمانه ثرى مقابر السيِّد المحجوب بالخرطوم بحري، حيث صلى عليه السيِّد محمد عثمان الميرغني صلاة وداع جامعة لجمهرة من أهل السودان. وبعد الصلاة الكافية والدعاء الواجب، أصدر الميرغني بياناً عدد فيه مآثر الفقيد، وصفاً إياه بأنه "رمز من رموز الحركة الاتحادية في شطري وادي النيل، قدم جهده، وعلمه، وشبابه، وقدراته، وخبراته لخدمة بلاده وشعبه. بدأ بمقاومة الاستعمار أبان حكمه للسودان، وصارعه بالعمل النضالي السياسي، ثم بالقلم، كاشفاً وفاضحاً لممارساته ضد حريات المواطنين، وحقهم في الحياة الكريمة. وظل عطاءه الوطني القوي مستمراً حتى نال السودان استقلاله مطلع عام 1956م". وبرحيله "فقدت البلاد قائداً وطنياً فريداً، وفقد حزب الحركة الوطنية ابناً من أبنائه البررة...".

ألا رحم الله الدكتور أحمد السيِّد حمد رحمة واسعة، بقدر ما قدم للوطن وأهله، فقد عاش شريفاً، ومات نزيهاً، لا يملك ذهباً ولا فضة في هذه الدنيا الفانية غير حب الناس له، ودعواتهم الصالحات إليه، بأن يغفر الله ذنبه، ويبارك له في علمه، ويحشره في زمرة الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. فالعزاء موصول إلى أرملته الصابرة الحاجة فتحية أحمد فؤاد شكري، التي قاسمت الفقيد سنوات حياته العامرة بالعطاء والابتلاءات، وإلى آل السيد حمد أبوسوار، وأصهارهم، وأقاربهم.

 

* نقلاً عن صحيفة الأحداث