Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

أجرى الأستاذ صلاح شعيب سلسلة من الحوارات الصحافية الحاذقة مع نخبة من ألوان الطيف السياسي والأكاديمي في السودان، تناول فيها قضايا محورية، ترتكز محصلتها الوسطى على قاعدة المُشكل السوداني،  وتدور جزئياتها حول قضية الهُويَّة، والإسقاطات الأثنية والجهُويَّة على واقع الدولة القطرية في السودان، وطبيعة العلاقة الجدلية بين السلطة الحاكمة، والنُّخبة المثقفة، وآفاق حلّ مشكلة دارفور، وقراءة مستقبل الانتخابات القومية القادمة في السودان. ومهَّد الأستاذ شعيب لهذه الحوارات باستهلال جيد الصنعة، مفاده أن: "الأسئلة التي يثيرها تهدف إلى معرفة آراء الخبراء، والأكاديميين، ونشطاء المجتمع المدني في بعض القضايا والموضوعات التي فرضت نفسها على واقع الجدل السياسي، بعضها منذ الاستقلال، وأخرى جاءت في السنين الأخيرة، ولا تزال معلقةً، ولم تجد حلولاً ناجعة من قبل الحكومات المتعاقبة." ووضَّح أن غايته المبتغاة من الحوار تتبلور في خلق "مساحة لحرية التداول، تتنوع فيها الآراء، ليحدد القُرَّاء مواقفهم من الإجابات المطروحة بكل حرية وموضوعية، سواء من المنتمين إلى هذه التيارات السياسية، أو تلك." وكان شعاره المرفوع لهذا التداول الفكري "الحرية لنا ولسوانا"، وذلك من منطلق يقضي بـ"تعزيز ثقافة الحوار الديمقراطي حول هموم المهتمين بالقضايا الوطنية وأسئلتها الملحة، وتعميق أمر الاعتراف بالآخر، والاستنارة برؤى الناشطين في حقول الحياة السودانية مهما كان الاختلاف الفكري حولها." لا جدال أن الأستاذ شعيب قد أفلح في تحقيق جزءٍ كبيرٍ من هذا الهدف المنشود، عندما نشر الطرف الأيسر من حواراته مسلسلاً في صحيفة الأحداث السودانية التي تعهدت ببثه للناس أجمعين، والطرف الأعسر، الذي لم يكن مهضوماً لأهل السلطان، عبر وسائط صحافية إلكترونية أخرى مثل سودانايل، والسودان للجميع؛ لأنَّ هيئة الرقابة الصحافية منعت نشر الحوارات ذات الخطاب السياسي الصارخ في وجه السلطة وسدنتها، ونذكر من تلك الحوارات المحظورة الحوار الذي أجراه مع الدكتور حيدر إبراهيم علي، مدير مركز الدراسات السودانية (الخرطوم).

تحاول هذه القراءة أن نحلل مادة تلك الحوارات، لأنها تعكس أبعاد الرأي والرأي الآخر حول مشكلات جوهرية تمثل ذروة سنام الحراك السياسي في السودان، وتشكل طرفاً من جدلية الصراع القائم حول السلطة وعلاقتها بالنُّخبة المثقفة، وإسقاطات ذلك الصراع على المشهد السياسي السوداني. وتسعى القراءة أيضاً إلى توطين مادة تلك الحوارات المفيدة في واقع البيئة السودانية، وتضاريسها السياسية والاجتماعية والفكرية المعقدة، وجدلها الذاهل عن مقاصد الحلول المرجوة. وعلنا بذلك نصيب هدفاً في تحقيق الغاية التي ينشدها الصحافي النابه صلاح شعيب، ومَنْ سار في ركابه سعياً وراء ترسيخ مبدأ الحرية أولاً، وتوسيع دائرة الحوار مع الآخر ثانياً، ليكون الحوار حواراً هادفاً ومقنعاً حول معطيات المشكل السوداني المتنازع حولها، وكيفية معالجتها معالجة موضوعية فاحصة. وسيكون عرضنا لهذه الحوارات مسلسلاً في حلقات معنونةٍ على النحو الآتي: الهُويَّة والسُلطة والنُّخبة في السودان؛ والمثقف والسلطة؛ والقيادات السياسية بين الحركة والجمود؛ ومشكلة دارفور: تحدياتها وآفاقها؛ والانتخابات القومية وسيناريوهات التحالفات والاستفتاء؛ ونختم ذلك بتقويم عام للمنطلقات السياسية والفكرية للشخصيات التي استضافها الأستاذ صلاح شعيب عبر حواراته المتعاقبة، ثم مناقشة التوصيات والمقترحات التي تمخضت عنها، ودرجة فاعليتها في وضع حلول مستدامة لبعض مشكلات السودان. 

 

مفهوم الهُويَّة السُودانيَّة وتداعياته

يشير مصطلح الهُويَّة إلى وعاء الضمير الجمعي الذي يستند إلى ثلة من القيم، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات التي تميز كلّ مجموعة بشرية عما سواها، وتُسهم في الوقت نفسه في تكيف وعيها الذاتي وتشكيل طبيعة وجودها المادي والمعنوي في الحيز الجغرافي الثابت الذي تشغله، والبُعد الزماني المتغير الذي تعيش فيه. ولا يعني هذا التعريف المجمل أن قضية الهُويَّة قضية ثاوية لا تتبدل، بل يؤكد أنها في حراك ديناميكي مع المؤثرات الخارجية المحيطة بها، والمرتبطة بالجدل الفكري حول ماهيتها الوظيفية، وكيفية تفعيلها في إطار صراع السلطة، وجدلها السياسي الماكر. فلا غرو أن هذه التوطئة تبرز وضعية الهُويَّة المحورية لأية جماعة بشرية تنشد الاستقرار والسكون، وتسعى لتأطير وجودها المادي والمعنوي داخل إقليمها الجغرافي وحدوده السياسية المتعارف عليها. وبهذه الكيفية نلحظ أن قضية الهُويَّة ترتبط بمصطلحين مفتاحيين هما: الوطنية والقومية. وكثير من الباحثين، كما يرى البروفيسور مدثر عبد الرحيم، لا يدرك كنه هذين المصطلحين، ويعاملهما من منطلق أنهما مصطلحان مترادفان، وبهذا الفهم الخاطئ يحدث نوع من الخلط المنهجي عند مناقشة قضية الهُويَّة؛  لأن الوطنية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالحيز الجغرافي الذي يمثل الركن الأول لبناء الدولة القُطرية، والقاعدة التي يستند إليها الركنان الآخران: الشعب والسيادة (السلطة العامة). أما القومية فهي بمثابة الخيط الناظم لأفراد المجموعة البشرية (الشعب) ذات التاريخ المشترك، واللغة الجامعة، والانتماء العرقي، والاعتقاد الديني، علماً بأن قاعدة القومية أحياناً تتجاوز حدود الدولة القُطرية الواحدة، وتتعداها إلى أكثر من دولة، وأحياناً أُخر تضيق داخل وعاء الدولة القُطرية الذي يحمل بين ثناياه جملة من القوميات المتباعضة. فمفهوم الوطنية بهذه الكيفية يمثل المرجعية الأنسب لتوصيف الهُويَّة القائمة على إقرار مبدأ الوحدة داخل حدود الدولة السياسية، وتثمين التنوع القومي الناسج لشبكة العلاقات الوحدوية في نهاياتها العليا، واحترام الآخر في نهاياتها الدنيا.

في ضوء هذه التوطئة يمكننا القول إن سؤال الهُويَّة السودانية سؤال قديم ومتجدد في أوساط القطاعات المثقفة السودانية، إلا أن آليات طرحه الأدبية-الأكاديمية من طرف، والسياسية من طرف ثانٍ كانت تنطلق من قومية الأغلبية الخُلاسية، كوعاء جامع لمفهوم الهُويَّة العام دون استصحاب لمفهوم الوطنية كإطار أكثر رحابة في دولة متعددة الأعراق والثقافات والأديان. وهنا مربط الفرس، حيث انطلق دعاة الهُويَّة السودانية في شقها الأدبي من فضاء قومية متأثر بمخرجاته الأدبية وواقعه الثقافي المتدثر عن واقع القوميات الأخرى التي لا تشاركه الشعور نفسه والهموم الأدبية ذاتها. وفي هذه البيئة المثقلة بإرث الثقافة العربية صدع صوت الشاعر المجدد حمزة الملك طنبل، الذي نادى بإحياء الروح السودانية في المنتج الأدبي الثقافي؛ ليكونَ له ذاته المميزة عن ذوات الآخرين، وخصَّ بالدعوة الشعراء الإحيائيين، أمثال محمد سعيد العباسي، ومحمد عمر البنا، وأحمد المرضي، لأنهم كانوا مولعين بتقليد العرب القدامى في مطالع قصائدهم، وفي مفاخرهم، ومبالغاتهم الوصفية في حقِّ الموصوف، والتي كانت لا تعكس واقع البيئة السودانية بصورة جليَّة، ولا تجسد قومية الشعر السوداني.  فلا جدال أن هذه الدعوة القومية انتقلت من قومية الشعر إلى قومية الذات السودانية التي تَشكل طرفٌ من معالمها في أدبيات جماعة الفجر، وتحديداً في نزر من كتابات محمد أحمد المحجوب، وعرفات محمد عبد الله، ومحمد عشري الصديق، وفي أشعار محمد المهدي مجذوب لاحقاً. ونستوثق لتلك البشائر الداعية لبناء سياج وطني يستوعب جملة أهل السودان بنص مقتبس من مقال الأستاذ محمد عشري الصديق، الموسوم بـ "ماذا وراء الأفق؟"، والذي تفاءل فيه بمستقبل السودان الوطن الواحد، قائلاً: "مَنْ قال إنه ليس بأمة. فليس هناك ما يمنع أن يكون كذلك في وقت قريب، فلا اختلاف أديانه، ولا اختلاف عاداته، ولا اختلاف شعوبه، ولا اختلاف أجوائه، وظروف المعاش فيه، بحائلة دون تحقيق هذه الأمنية العذراء. ليس يمكن أن تكون الأمم في بدء تكوينها غير ذلك: فالمصالح المشتركة، والتفاهم المتبادل، وأحداث التاريخ، وتُقرِّب شقة الاختلاف، وتصل الأبعدين برباط متين".  وبهذا التوجه الوطني حاول الأستاذ محمد عشري الصديق أن يضع إطاراً فضفاضاً لمفهوم الأمة السودانية الذي كان مفقوداً آنذاك، ولايزال البحث عنه جارياً وفق مضامين سياسية معاصرة. 

وتجلت بعض إشراقات هذا التوجه القومي في "تيار الغابة والصحراء" الذي برز إلى حيز الوجود في العقد السادس من القرن العشرين، والذي يصفه الأستاذ محمد المكي إبراهيم بأنه ليس "مجرد دعوة للأدب القومي، على غرار دعوة المحجوب، أو نداءات حمزة الملك طنبل، فقد كان أولئك يريدون أدباً عربياً بقسمات محلية، ولكننا مضينا أبعد قليلاً، ونادينا بتوطين ما هو سوداني داخل الأدب العربي. بكلمة أخرى كان المحجوب يرى نفسه شاعراً عربياً يريد أن يكون أميناً للبيئة السودانية، ولكنني شخصياً أريد أن أكون شاعراً سودانياً قبل كل شيء، وأن أفرض ذاتي على اللغة العربية، وأن اتخذ لنفسي مقعداً خاصاً في محفل الثقافة العربية. وقد عبَّرت عن ذلك مراراً بالرغبة في نحت بلاغة جديدة من جسم اللغة العربية للتعبير عن قيم وأحلام كاملة الصلة بالحيز الوجودي السوداني."  هكذا أُسس تيار الغابة والصحراء وفق منطلقات شعرية وثقافية، تنشد التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الإفريقية في السودان. فالغابة كانت تعنى لرواد هذا التيار رمزية العنصر الإفريقي، والصحراء رمزية العنصر العربي، وبلغت هذه الرمزية ذروتها في مشروع "إنسان سنار" الذي نصبَّه الدكتور محمد عبد الحي ورفاقه الخُلاسيون إنساناً معيارياً لهُويَّة أهل السودان، لأن السلطنة الزرقاء من وجهة نظرهم كانت تجسد معالم التلاقح السياسي، والاجتماعي الذي حدث بين العبدلاب (العرب) والفونج (الزنوج)، والذي أفضى بدوره إلى تشكيل هُويَّة أهل شمال السودان ذات السحنة الخلاسية. إلا أن نجم الغابة والصحراء بدأ يخفت بعد مضي سنوات التكوين الأولى ذات النزعة الثقافية، ولاح في الأفق مصطلح الأفروعربية كمصطلح بديل فرضته إفرازات الصدامات الإثنية في داخل السودان وخارجه، وطرحه بعض المتأثرين بتداعيات ذلك الواقع ليكون بمثابة حلٍّ أثني واجتماعي وسياسي لمأزق الهُويَّة السودانية. 

وصاحب نشوء الأفروعربية تياران آخران، تواضعا على التشكيك في حجيَّتها، ومدى صلاحيتها كأسس للهُويَّة السودانية، بل وصفها أحدهما بأنها "تحالف الهاربين" ، لأنها تتوارى خلف المكون الإفريقي لتنال من قسط الثقافة العربية الإسلامية الأوفر حظّاً في السودان. وينفي أنصار هذا التوجه الرافض لشرعية الأفروعربية أهلية الأصل الإفريقي في شمال السودان الذي تسوده الثقافة العربية الإسلامية، متعللين بمناهج علم الإثنوغرافيا أو الأنثربولوجيا التي درجت على عدم مغالطة أهل الأنساب في أنسابهم، بغية حملهم على صواب يحسبه الباحث حقيقة مطلقة، وذلك وفق قراءات أكاديمية قائمة على أدوات بحثية وفرضيات تناقض في بعض الأحيان الموروثات الشائعة والمتداولة بين معظم قبائل شمال السودان التي تدعي النسب العربي. وفي الاتجاه المعاكس قدح بعض المثقفين الجنوبيين في التركيبة الثنائية لتيار الأفروعربية، بحجة أنها لا تنطبق عليهم وعلى واقعهم المعيش، لأنهم قد احتفظوا بإفريقيتهم في صورها كلها، ولا يريدون أن يكونوا طبعة لاحقة لإنسان سنَّار الذي يمثل أساس التركيبة الهجينة للسودانيين الشماليين، وأن التمازج الثقافي بهذه الكيفية، من وجهة نظرهم، هو نوع من "الغش الثقافي لا الحوار".

تجاوزاً لإشكالات الأفروعربية ظهر في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي مصطلح "السودانوية"، الذي تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان في وثيقة إعلان تأسيسها عام 1983م، وشرحه الدكتور جون قرنق دي مبيور في شكل معادلة رياضية، تتكون من: (س = أ + ب + ج)، حيث تعني "س" الهُويَّة السودانية، و"أ" التنوع التاريخي، و"ب" التنوع المعاصر"، و"ج" المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي.  وبذلك حاول مُنظِّر الحركة الشعبية أن يخرج من ضيق القوميات وإشكالاتها المصاحبة إلى سعة الإطار الوطني الخالي نسبياً من إيماءات التعقيدات الأثنية. وعلق الدكتور منصور خالد على هذا المنحى الإيجابي بقوله: "الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ليست هي العروبة ولا الزنوجة، وإنما السودانوية. كما أن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج، وإنما هو أيضاً السودانوية. السودانوية نتاج عروبة تنوبت وتزنجت، ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات لا العبادات شية من وثنية".  ثم يمضي في الاتجاه ذاته، ويقول: "السودانيون، إذن، ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولجي أو السلالي، وإنما هم شعب واحد –بالمفهوم السياسي- تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، وكل واحد منها مزاج. [...] فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو إما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هُويَّاتها الصُغرى، دينية كانت، أم عرقية، أو ثقافية. الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة؛ لأن التحصين بالهُويَّات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتك الهُويَّة، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هُويَّته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه، وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصي لن يرى – بمنطق ردِّ الفعل- في إبداعات الآخر أكثر مَنْ إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء". 

وصف الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا أطروحة "السودانوية" بأنها مماثلة لأطروحة "الغابة والصحراء" من حيث الجوهر، ولا تختلف عنها سوى أنها طرحت الاصطلاح الجديد خروجاً عن ثنائية الأفروعربية، وبذلك اكتسبت أعضاءً جُدداً في الساحة السودانية، مثل: البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين، والأستاذ كمال الجزولي، والدكتور نور الدين ساتي، والبروفيسور أحمد محمد علي حاكم، والدكتور عبد الهادي صديق.  ربما يكون الأستاذ عجب الفيَّا محقاً فيما ذهب إليه؛ إلا أننا نختلف معه في توصيف النقلة الاصطلاحية المشار إليها؛ لأنها لا ترتبط فقط بتحسين صورة المصطلح الجاذبة، وإنما تدعو إلى انتقال معياري من وعاء القومية الضيق إلى وعاء الوطنية الأرحب، الذي ربما يُسهم في إصدار تشريع دستوري، يتواضع أهل السودان عليه لتجاوز خصوصياتهم المحلية، والعرقية، والدينية لحساب الوطنية العامة، وذلك بهدف الارتقاء بالهُويَّة الوطنية حضارياً وقيمياً، ثم إفساح المجال لمفهوم المواطنة القائم على حق الدم أو الأرض لينبسط بين الناس، ويكون وسيط تآلف بين المتنافرات.  

       

الهُويَّة والدولة في حوارات صلاح شعيب

في خضم هذه الرؤى المتعارضة والأطروحات المتخاصمة حول مفهوم الهُويَّة السودانية طرح الأستاذ صلاح شعيب سؤال الهُويَّة بصفة متكررة على رهط من الأكاديميين، والسياسيين، ونشطاء المجتمع المدني الذين حاورهم، وجاء سؤاله على صيغة استفهام فردي للطرف المُحَاوَر وفي جدلية مركبة من الهُويَّة والنُّخبة والدولة: "هل ترى أن هناك أزمة في فهم الهُويَّة السودانية مما دعا النخب المتعلمة إلى الفشل في إنجاز مشروع الدولة السودانية؟"

        أجمع المجيبون عن هذا السؤال بأنه سؤال مأزوم، يدلّ على فشل متأصل في قدرة النُّخبة المتعلمة على إنجاز مشروع الدولة السودانية. وتراوحت إجاباتهم في انبساطها بين طرح صدامي، أُسست مفرداته على فرضيات تقود إلى حتمية انهيار الدولة السودانية، وطرح توفيقي تشبث بخيوط الأمل وفق قراءة جديدة لمفهوم الهُويَّة، وكيفية توظيفها لإنجاز مشروع دولة السودان الجديد.

يأتي في مقدمة أنصار الطرح الصدامي الدكتور حيدر إبراهيم الذي يرى أن "الأزمة ليست في فهم الهُويَّة، ولكن في طرح سؤال الهُويَّة كأولوية في المشروع القومي السوداني، وأيضاً تكمن الأزمة في الطريقة التي طُرح بها السؤال، والظروف التاريخية التي جاء ضمنها. فالإجابات عن السؤال خاطئة؛ لأن السؤال في أصله خطأ. فمن البدء لا يوجد تعريف جامع، ومانع، وشامل، وعقلاني، وعملي للهُويَّة، ولابد من الوقوف على تعريف جوهري، وتجريدي، ولا تاريخي وثقافي".  ومن ثم يرى الدكتور حيدر أن النسبة إلى عروبة اللسان "حل هروبي"؛ لأنها لا تلبي متطلبات العقل الشعبي الذي نسب نفسه جزافاً إلى العباس، وأن الدعوة للأفريقانية دعوة جوفاء، لأنها تتخذ من الجغرافيا واللون أساساً لتعريف ذاتها، "فالهُويَّة الدينكاوية أكثر تماسكاً من أفريقانية بلا ضفاف".  وبذلك يجرح الدكتور حيدر في مشروعية الأفروعربية كأساس لبناء الهُويَّة السودانية. وعليه يرى في وجود السودان على الخارطة السياسية مجرد وجود وهمي؛ لأن السودان من وجهة نظره لم تتبلور هُويَّته المزعومة عبر تراكم ثقافي تاريخي يصب في وعاء الوحدة والتوحد، بل جمع بين ثناياه متناقضات واقعه السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والديني، فضلاً على أن النُّخبة المتعلمة لم تكن في مستوى ذلك التحدي لتحول "الوهم إلى حقيقة وواقع" ؛ لأنها أضاعت فرص المستقبل والانطلاق نحو الغد الأفضل في أكثر من مرة، ويذكر منها: الاستقلال، وثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة أبريل 1985م، واتفاقية السلام الشامل يناير 2005م. وفي ضوء هذا المشهد الكئيب يصل الدكتور حيدر إلى القول: بأن "التاريخ لا يعيد نفسه، دعنا نكمل دورة الانهيار بلا نقصان، ونفكر منذ الآن في إعادة البناء، فالموجود الآن لا يمكن إصلاحه. لقد سرق الإسلامويون المستقبل، وتمَّ تأميم الإنسان السوداني تحت شعار إعادة صياغة الإنسان السوداني. المستقبل أدواته العقل، والمعرفة، والاقتصاد، والقيم، وكل هذه المكونات خُرِّبت، أو استولى عليها نظام تعليمي يعتمد الجهل بشهادات من كل المستويات، عقل غيبـي خرافي حيث يعالج الطبيب نفسه بالأعشاب والمحاية، كما أن الشياطين تتجول معنا وتجالسنا وتنافسنا، واقتصاد طفيلي فاسد أقرب إلى مصباح علاء الدين، حيث يأتي الثراء في ليلة واحدة! هل تعرف مستقبلاً لا يصنعه العقل، والعلم، والتكنولوجيا، والإنتاج، والإبداع؟ وهذه هي الفروق بين اليابان، وماليزيا، وكوريا الجنوبية من جهة، والسودان، واليمن، وموريتانيا، والصومال من جهة أخرى". 

ويشترك مع الدكتور حيدر إبراهيم في رؤيته الصدامية أولئك الذين يطعنون في شرعية الهُويَّة السودانية المنشودة وفق هدي المشروع الحضاري، الذي يعُدُّونه مشروعاً إقصائياً وكارثياً على وحدة السودان؛ لأنه يجعل الدين الإسلامي إطاراً معيارياً لتحديد الهُويَّة، وبذلك يتم إقصاء التنوع الثقافي، والاجتماعي، والديني، وآليات طرحه الحرة في فضاء وحدة السودان السياسية. ويرى الدكتور أسامة عثمان "إن الفشل في التوفيق بين رؤيتي السودان الذي يسع الجميع وتكون المواطنة أساس العلاقات فيه ورؤية دولة الشريعة هو الذي قاد إلى تبني فكرة دولة واحدة بنظامين، حيث جرت مقايضة مبدأ تقرير المصير بالإبقاء على الشريعة في الشمال عندما تبين من موقف المتشددين من الإسلاميين الذين لا يتورعون في التفريط بوحدة السودان إذا صارت الوحدة عقبة في [سبيل] تطبيق الشريعة الإسلامية".  ويشاطره في الرأي الدكتور النور حمد الذي يعتقد أن "مخطط فرض الهُويَّة العربية الإسلامية على القطر برمته عملاً معوقاً لمشروع الدولة السودانية، ولقيام أمة سودانية موحدة تحتكم إلى دستور يعطي الحقوق علي أساس المواطنة، وليس على أساس الانتماء الديني، أو السياسي، أو العرقي، أو الجندري، أو الجهوي، أو الطبقي. لقد قادنا مخطط الاستعراب والأسلمة القسريين وإلباس اللبوس الإسلامي الفقهي السلفي لجهاز الدولة بواسطة النخب النيلية بمختلف توجهاتها عبر عقود ما بعد الاستقلال [إلى واقع أصبحنا فيه] غاب قوسين أو أدني من خطر انفصال الجنوب عن الشمال"، والذي سيتبعه انفصال أجزاء أخر من السودان.  وعلى الضفة اليمني المقابلة يقف بعض الإنقاذيين الذين ينظرون إلى خصومهم على ضفة النهر اليُسرى بعين الريبة والتشكك، بل أن عرَّاب الإنقاذ السابق، الدكتور حسن الترابي، يصفهم بقوله: "إن مناصري العلمانية منافقون، مارقون من بين صفوف المسلمين، لا يستطيعون الجهر بمعارضتهم للإسلام، بل يتصنعون الغيرة على حقوق المواطن السوية، وأنهم بحماية الأقلية غير المسلمة في الجنوب يريدون أن يلقِّنوا تلك الأقلية، لتعبَّر عن أهوائهم التي لا يستطيعون أن يفصحوا عنها".  فلا مندوحة أن مثل هذا الخطاب السياسي الجارح في شأن الآخر يغلق أبواب الحوار أمام الخصوم، ويفتح نوافذ للخصومة الفاجرة التي تتمترس في مصالحها القطاعية دون النظر إلى المصلحة العامة. 

        أما التيار التوفيقي فينقسم إلى عدة تيارات ثانوية. يتصدرها تيار الدولة الوطنية والتنمية الذي يرفض سدنته صهر الهُويَّة السودانية في بوتقة الوسط التي تمثل بالنسبة لهم عملة واحدة، لها وجهان، هما: العروبة والإسلام. فثنائية العروبة والإسلام لم تكن من وجهة نظرهم وعاءً جامعاً لاستيعاب قوميات السودان المختلفة في فضاء وحدوي شامل، قوامه المواطنة وسداه احترام الآخر؛ فضلاً عن ذلك فإن هذه الانتقائية قد أفضت إلى تجاهل أهمية العلاقة الجدلية الرابطة بين الهُويَّة الديناميكية والتنمية المتوازنة. علماً بأن الحكومات الوطنية المتعاقبة قد تجاهلت وضع سؤال الهُويَّة في نصابه "السوسيولوجي والمعرفي لقياس العلاقة المتبادلة ودرجة الانتماء بين المواطن والدولة، لتحديد نصيب الفرد من الدولة - ثروة وسلطة وثقافة - ونصيب الوطن من عطاء بنيّه؟"   وذروة سنام قولهم إن استقصاء كُنه الهُويَّة بهذه الكيفية سيؤدي إلى "تنمية الوطن، والمواطن، والدولة" تنمية مستدامة، ويعزز فُرص التوحد داخل وعاء الوطن الجامع، ويفعِّل تصالح المواطنين مع أنفسهم واعتزازهم بوطنهم الذي ينتمون إليه، بعيداً عن سجال النُّخبة المتعلمة حول مفهوم الهُويَّة القائم على ثنائية العروبة والإسلام، والذي أفضي إلى تفضيل السودانيين على بعضهم درجات فوق بعض. ويتوافق مع هذا الطرح التنموي للدكتور عبد السلام نور الدين موقف الدكتور أحمد عثمان، الذي يصف جدل الهُويَّة بتياراته المتخاصمة بأنه ترف ذهني، لا يخدم مشروع الدولة السودانية، وتطلعاتها إلى النهضة والرُقي. ومن ثم يرى أن الارتقاء بالوعي الجمعي يجب أن يكون من خلال توسيع قاعدة التعليم بدرجاته المختلفة، والخدمات الاجتماعية الأخرى، والبحث العلمي الذي يؤطر لقيام "دولة حديثة، قوامها العدل والمساواة، واحترام حقوق الإنسان من حيث هو إنسان"، فالنتيجة الحتمية لمثل هذا التوجه المعرفي والخدمي ستتبلور، حسب وجهة نظره، في قيام "دولة المواطنة" التي تربو بنفسها عن "دولة العرق، والحسب، والنسب" الموروثة، وانسحاباً على ذلك ستنحسر مشكلة الهُويَّة وترف جدلها الفكري، وتغيب عن الواجهة السياسية حركات الهامش والأطراف المطلبية.   

        والتيار التوفيقي الثاني يتمثل في تيار الهُويَّة والديمقراطية، والذي يعزي أحد أنصاره، الأستاذ عبد العزيز الصاوي، فشل إنجاز مشروع الدولة السودانية في المقام الأول إلى فشل "النُّخبة السودانية في تأسيس مشروع الديمقراطية، الذي هو صنو لمشروع التنمية، كما أثبتت التجارب العالمية في الهند وماليزيا".  ويرى أن تمكين الديمقراطية وفق متطلباتها المتعارف عليها يُسهم في ترسيخ "الولاء للدولة السودانية في عواطف وأمزجة الجميع مهما اختلفت هُويَّاتهم، فليست وحدة الهُويَّة شرطاً لازماً للوحدة" ، ويعلل هذه الفرضية بواقع الحال في الصومال، حيث تتوفر المقومات الأساسية للهُويَّة الواحدة، لكن مشروع الدولة الصومالية لم ينجز بعد. ويبرئ الأحزاب السياسية والانقلابات العسكرية من ضعف التجارب الديمقراطية في السودان؛ لأنه يرى أن أسباب الضعف الأساسية تكمن في "انعدام البنية التحتيَّة للديمقراطية التي [تتمثل] في سيادة العقلانية والتنوير في المجتمع"؛ لأنهما يمثلان الركيزتين اللتين قامت عليهما الديمقراطية في الغرب، وأثبت نجاحها في محيط الممارسة السياسية.  وبهذه الكيفية يختلف موقف الأستاذ عبد العزيز الصاوي عن موقف البروفيسور فرانسيس دينق الذي يرى أن أس المُشكل السوداني يرتبط بأزمة الهُويَّة، لأنها الأساس الذي يجب أن يستند إليه النظام الديمقراطي الرشيد، ومن ثم يجب أن يكون حسم أزمة الهُويَّة سابقاً لإنجاز مشروع الديمقراطية في السودان. 

        أما التيار التوفيقي الثالث فيتجلى في تزاوج الهُويَّة والمواطنة، إذ يقول أحد أنصاره، الدكتور نور الدين ساتي، الهُويَّة السودانية هي "سودانوية"، لا تميز فيها لأحد ببسب العنصر، أو الدين، أو اللغة، أو الثقافة، أو الجهة، وإن السودانوية هي البوتقة التي تتفاعل فيها كافة الانتماءات، وتتم فيها بلورة كافة الرؤى والمآلات. وبهذا التصور يكون التنوع مصدراً من مصادر الثراء، وليس سرطاناً ينخر في عظم الأمة، ويفت في عضدها".  وبذلك يرى الدكتور ساتي أن "الحلّ النهائي لقضية الهُويَّة هو الانتقال من التركيز المفرط على هذه المسألة كمسألة ثقافية إلى كونها ترتبط عضوياً بالمواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. ودولة القانون هي الفيصل في ذلك، فالمواطنة هي حلقة الوصل اللازمة بين الحقوق الثقافية، والدينية، والاجتماعية، وبين الحقوق السياسية، والدستورية، والقانونية. ولذا فأني أرى أن يأتي الحديث عن الهُويَّة دائماً مرتبطاً بالحديث عن المواطنة، وذلك لأنهما يتكاملان تكاملاً منطقياً، ويدعم أحدهما الآخر".  ويمضي في الاتجاه ذاته ويقول: إذا فشل السودانيون "في توصيف جدلية (الهُويَّة/المواطنة) توصيفاً صحيحاً بوصفها الوحدة البنائية الأساسية للمجتمع والدولة، فإنه يترتب على ذلك انهيار المشروع الوطني لهشاشة العنصر الأول من عناصره الأساسية، ألا وهو ما يمكن أن نسميه الحزمة البنائية (هُويَّة- مواطنة)، ولا يجدي بعد ذلك إن كان المشروع جذاباً في صياغته، أو أطروحته الأدبية، أو الأكاديمية، أو في مرجعياته الفكرية، أو المذهبية، أو السياسية إذا كانت تلك لا تستند إلى واقع معاش، أو تعوزها العناصر الأساسية الصالحة للبناء الاجتماعي".

        في خاتمة عرضنا لمحور الهُويَّة ومشروع الدولة السودانية يمكننا القول إنَّ النصوص المختارة من الحوارات التي أجراها الأستاذ صلاح شعب قد تدثرت ببعض الإسقاطات الأيديولوجية التي انعكست سابقاً في مداولات نيفاشا، وأفضت إلى تشريع دستور انتقالي لعام 2005م، نحسبه قد أجاب عن معظم الإشكالات التي أثارها ضيوف صلاح شعيب بشأن الهُويَّة وإنجاز مشروع الدولة السودانية؛ لأن المبادئ العامة الموجهة لهذا الدستور قد تصدت لكثير من الإشكالات المثارة وعالجتها بموضوعية. ويأتي في مقدمة هذه الإشكالات تحديد طبيعة الدولة السودانية بأنها "دولة مستقلة ذات سيادة،[...] ديمقراطية لامركزية، تتعدد فيها الثقافات، واللغات، وتتعايش فيها العناصر، والأعراق، والأديان". وتلتزم الدولة من جانبها "باحترام وترقية الكرامة الإنسانية، وتُؤسس على العدالة، والمساواة، والارتقاء بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتتيح التعددية الحزبية". ويصف الدستور القُطر السوداني بأنه "وطن واحد جامع، تكون فيه الأديان والثقافات مصدر قوة وتوافق وإلهام"، والسيادة فيه للشعب، "وتُمارسها الدولة طبقاً لنصوص هذا الدستور والقانون دون إخلال بذاتية جنوب السودان والولايات"؛ وإن وحدة السودان تُؤسس "على الإرادة الحُرة لشعبه وسيادة حكم القانون والحكم الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة"، و"الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني"، و"التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة". وأن "تكون الشـريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشـريعات التي تُسنُّ على المستوى القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان"، وأن "يكون التوافق الشعبي، وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدراً للتشريعات التي تُسنُّ على المستوى القومي، وتُطبق على جنوب السودان أو ولاياته". و"تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين"؛ و "جميع الُلغات الأصلية السودانية لغُات قومية يجب احترامها وتطويرها وترقيتها"؛ وأن تكون العربية والإنجليزية هم اللغتان الرسميتان لأعمال الحكومة القومية ولغتي التدريس في التعليم العالي؛  و"يجوز لأي هيئة تشريعية دون مستوى الحكم القومي أن تجعل من أي لغة قومية أخرى، لغة عمل رسمية في نطاقها، وذلك إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية". 

ويبدو أن هذه النقلة النوعية في الصناعة الدستورية ومستلزمات السلام الشامل المصاحبة لها هي التي دفعت الدكتور حيدر إبراهيم إلى القول بأن "اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م" كانت واحدة من الفرص الضائعة في تاريخ السودان الحديث؛ لأن المبادئ القائم الدستور عليها لم يُروَّج لها بالصورة المرجوة في أوساط السواد الأعظم من أهل السودان، ولم تخضع للتقويم الموضوعي من قبل القطاعات المثقفة، ولم يقم طرفا نيفاشا (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) بترجمتها على صعيد الواقع بنوع من الشفافية والروح المحاسبية. إذاً مشكلة السودان الأساسية لا تكمن في صياغة الدساتير والنُّظم السياسية، أو تحديد المواطنة أساساً للانتماء للدولة، وإنما تتبلور في عجز النُّخب الحاكمة في إدارة الدولة ومؤسساتها إدارة تصبّ في وعاء المصلحة الوطنية العامة، والتمهيد للتحول الديمقراطي المنشود؛ وفي عجز المعارضة في إدارة الصراع بطريقة حضارية تُسهم في تمكين الوعي الديمقراطي، وتفعيل الحوار السوداني-السوداني الذي ينعكس عائده المادي في إعداد الدراسات والخُطط الاستراتيجية الجادَّة لتنمية موارد السودان البشرية، والاقتصادية، والسياسية، دون أن يكون همُّ الحكومة والمعارضين لها منصباً حول التضخم الذاتي المرتبط بتسنم المناصب الدستورية، أو الاعتماد الطفيلي على موارد الخزينة العامة التي تضخُّ معظم بنود صرفها في مصروفات الفصل الأول للميزانية العامة لحكومة السودان، أو في عقد التحالفات السياسية باهظة الكُلفة وقليلة العائد، أو في الاحتماء الآخرين لوضع حلول آنية مدفوعة الأجر لمعالجة مشكلات السودان المزمنة.