الدكتور غازي صلاح الدين ونداء الإصلاح في السُّودان:

المُسوغات والتحديات والفُرص

أحمد إبراهيم أبوشوك


نشرت بعض الوسائط الإلكترونية، ومن ضمنها موقع التواصل الاجتماعي للدكتور غازي صلاح الدين، وثيقةً سياسيةً أطلق عليها مؤلفها "الورقة التأسيسية"، وجعل عنوانها الخطابي "نداء الإصلاح: الأسس والمبادئ"، وختمها بملحوظة مفادها: "ستظل هذه الورقة التأسيسية مفتوحة للجدل، والإضافة، والاستدراك من قِبَل المطلعين عليها، عملاً بمبدأ الشورى المفتوحة التي تهدف للتجويد والتكميل." والأمر المُلفت للانتباه أن هذه الوثيقة صدرت بعد أن ظهرت في الأفق بعض التصريحات السياسية بشأن التعديل الوزاري المرتقب، والتكهنات السياسية التي صحبت هذه التصريحات، ومن بينها تصريح الدكتور قطبي المهدي، الذي أجمل القول بأنَّ التعديلات الوزارية تشمل بعض القادة الإصلاحيين، أمثال الدكتور غازي صلاح الدين، والفريق معاش صلاح عبد الله (قوش)، والعميد معاش محمد إبراهيم عبد الجليل (الشهير بود إبراهيم).
نود في هذا المقال أن نعرض المُسوغات التي استند إليها الدكتور غازي صلاح الدين في ندائه الإصلاحي، والتحديات التي تواجه الاعتراف بهذا النداء، ثم الإقرار بما جاء فيه، والعمل على تنفيذه على صعيد الواقع. ونطرح إلى جانب هذه التحديات حزمة من الأسئلة المشروعة: مَنْ المُخاطب بهذا النداء الإصلاحي؟ وإذا كان الخطاب موجهاً إلى الشعب السُّوداني، كما أشار صاحب النداء، فهل حصل هذا النداء على موافقة الجهة التي ينتمي إليها الدكتور غازي سياسياً (المؤتمر الوطني)؟ وإذا افترضنا جدلاً أنً هذا النداء رُفِضَ من المؤتمر الوطني، ما موقف أصحاب النداء المترتب على مثل هذا الرفض؟ هل يلتزمون بقرار المؤسسية الحزبية؟ علماً بأن الالتزام يعني أن حظ النداء يصبح "كدقيق وفق شوكٍ نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريحٍ أجمعوه"، ويضحى حال الإصلاحيين مثل "جمل العَصَّارة"، كما يقول الراحل الأستاذ محمد طه محمد أحمد، لم يبارحوا مكانهم. أم أنهم سيخرجوا على المؤسسية الحزبية بطلاقٍ بائنٍ بينونةً كبرى لا رجعة فيه؟ وإذا تمَّ خروجهم على المؤسسية الحزبية بهذه الكيفية، هل يعني ذلك البحث عن مظلة سياسية أخرى، تمكنهم من تنفيذ مشروعهم الإصلاحي؟ نحاول في هذا المقال أن نستنبط بعض الإجابات عن هذه الأسئلة المحورية والمثيرة الجدل من خلال عرضنا وتحليلنا لمفردات هذا النداء الإصلاحي، لكن بعض الأسئلة تظل الإجابات عنها حكراً لأصحاب النداء وحدهم لا شريك لهم.



مُسوغات النداء الإصلاحي
أسس الدكتور غازي صلاح الدين مُسوغات ندائه الإصلاحي على نتيجة مفادها أن السُّودان "قد خسر تحدي استقراره السياسي، وأقعدته الخطوب عن القيام بواجبات النهوض والتنمية، بل أنه ليكاد في هذه اللحظة التاريخية يعود كَرَّة أخرى ليواجه تحدي وجوده الذي يفترض أنه قد تجاوزه." وبمعنى آخر يذكِّرنا صاحب النداء أنَّ الدولة السُّودانية قد فقدت "كفاءتها، وحيدتها، وهيبتها؛ وانحازت إلى وظيفة التنفيذ على حساب وظائف التشريع، والرقابة؛ وإلى هموم الحكومات، ومن يمسكون بها على حساب هموم المجتمع وسواد الناس، وقد غدت مؤسسات الدولة بلا استراتيجيات هادية، وضعف التزامها بحقوق المواطن، وفي مقدمتها حرية التعبير، وحرية التجمع والتنظيم؛ واختل نظام العدالة، سواء أكانت سياسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية؛ وأعدى داء الفساد المالي والإداري، الذي أضحى مسلكاً لا يرتكبه بعض الأفراد فحسب، بل نهجاً تسير به مؤسسات وهيئات باسم القانون والإجراءات الاستثنائية..." وبناءً على هذا المُسوغ ومُسوغات أخرى مثيلة له يرتقي الدكتور غازي بالقول إلى: "إن المسؤولية الأخلاقية توجب النقد والمراجعة، دون خوف أو مواربة، ليس على صعيد الممارسة العملية فقط، بل على صعيد الأطروحات الفكرية والسياسية، حتى ينطلق مشروع إصلاحي حقيقي، يملك من الضمانات ما يكفي لعدم إعادة إنتاج التاريخ." لعمري أنَّ هذا المسوغ الذي استند إليه الإصلاحيون، وصنفوا العمل من أجله لأنقاذ الوطن في خانة الالتزام الأخلاقي، يشكل تحدٍ أساسٍ للنظام السياسي الحاكم في السُّودان (المؤتمر الوطني) من طرف، ولمجموعة الإصلاحيين داخل المؤتمر الوطني من طرف آخر؛ لأن الاعتراف به، يعني ضرورة طرح هذا النداء على مؤسسات الحزب الحاكم والدولة، ومناقشته بكل صراحة وشفافية وديمقراطية؛ لأنه بمثابة طرح ثقة في صدقية الحزب الحاكم والحكومة المنبثقة عنه، علماً بأن هذا المُسوغ قد صنف الدولة السُّودانية ضمنياً في خانة الدول الفاشلة، وفشل الدولة بهذه الكيفية يعني ضرورة تنحي القيادة السياسية للحزب الحاكم، وتولي الإصلاحيين زمام القيادة والتنفيذ، ويترتب على ذلك التعديل الجذري للقيادة السياسية للحكومة؛ لأن هذه الوثيقة التأسيسية تشكل قاعدةً لخطاب استقالتها، إذا أقر الحاكمون بما جاء فيها، وهنا مربط الفرس. 

التحديات التي تواجه نداء الإصلاح
أولاً: إنَّ نداء الإصلاح لم يأت من فراغ سياسي، لكنه تشكل في رحم معاناة ومماحكاتٍ سياسيةٍ داخل أروقة المؤتمر الوطني، كان الخاسر الأول فيها، حسب تحليلات الدكتور عبد الوهاب الأفندي، الدكتور غازي صلاح الدين؛ لأنه شرع في نداء الإصلاح الداخلي بعد توليه أمانة المؤتمر الوطني عام 1996م، لكنه قبل أن يعبر الجسر تمت الإطاحة به لصالح الأستاذ علي عثمان محمد طه، ثم جاءت مذكرة العشرة، فكان حصادها وبالاً على الحركة الإسلامية في السُّودان، وآخر السيناريوهات السياسية هو أبعاد الدكتور غازي من رئاسة الهيئة البرلمانية للمجلس الوطني على خلفية تصريحه الذي يقضي بعدم دستورية ترشيح رئيس الجمهورية عمر حسن البشير لولاية ثالثة. إذا كانت العُصبة الحاكمة وذات الشوكة لا ترى أهمية للإصلاح أصلاً، بل ترى أن الحال على أحسن ما يمكن، وترفض كل الاتهامات المرتبطة بالفساد الإداري والمالي، والسلوك الإقصائي تجاه الآخرين، وتدعي تحقيق العدالة والأمن الاجتماعي والاقتصادي في ربوع السُّودان كافة، وترفض وصف الدولة بأنها دولة فاشلة، كيف يستطيع الدكتور غازي وأنصاره الإصلاحيون أن يقنعوا أهل السلطان بموضوعية طرحهم؛ لأن إقناعهم يعني أن يفسحوا المجال للإصلاحيين؛ لينفذوا برنامجهم الإصلاحي لأنقاذ الوطن من الحالة المأساوية التي وصفوها إلى واقع حراك سياسي، من  وجهة نظر الإصلاحيين، "يؤسس لإقامة مجتمع مؤمن، وشعب حر، ودولة عادلة، وسلام مستدام، ووطن متحد، يستمد نهجه من سبل التدافع السلمي، وتنظيم الإرادة الجماهيرية، ودفعها وفق الدستور، والقانون، والأطر المدنية."

ثانياً: إنَّ القارئ المتمعن في موقع التواصل الاجتماعي للدكتور غازي (facebook) يلحظ أنه يحاول الانعتاق من ضيق التنظيمات السياسية القطاعية إلى رحاب القومية الجامعة، التي يمكن أن ترفع الوطن عن عثراته، حيث يقول: "المواطن الصالح هو الذي يدعم الوطن، لا المؤتمر الوطني، ويحرص علي مصلحة الأمة، لا حزب الأمة، وهمه الاتحاد، لا الاتحادي... المواطن الصالح هو الذي يتخذ قول الزعيم الأزهري شعاراً: "الوطن هو الحزب مكبراً، والحزب هو الوطن مصغراً"... كونوا صالحين في وطنكم محبين له." ومن خلال هذه العدسة الوطنية المقعَّرة صاغ الدكتور غازي مفردات نداء الإصلاح التي وضعته تحت طائلة المسؤولية الأخلاقية التي توجب النقد والمراجعة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما مصير الأسس والمبادئ التي تبناها الإصلاحيون إذا رفضها دهاقنة المؤتمر الوطني؟ هل سيقول زعيمهم: وما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود، أم يخفضوا رؤوسهم للعاصفة، ثم يبحثون عن مخرج آخر للإصلاح. لا مندوحة أن الجمع بين الموقفين الأخلاقي المبدئي والترضيات السياسية التي تبرز في الأفق لامتصاص مثل هذه المواقف الأخلاقية وتذويبها في بركة السياسة الآسنة تجعل الإصلاحيين يقفون عند مفترق طرق، بين موقفهم الأخلاق المبدئي والموقف السياسي الذي يُعرض عليهم، والذي يطلق عليه الأستاذ عبد الغني إدريس "فقه الاستيعاب" السياسي، القائم على امتصاص الأفكار، والمبادرات، وتحويلها بالقتل البطئ إلى حقائب وزارية، و"كوتات تعيين"، تسهم في تأجيل المشكلات الآنية، وتضخيمها بمرور الزمن، دون أن تعرض حلولاً جذريةً ناجعةً، وهنا بيت الداء ومكمن الأذى.

ثالثاً: إنًّ التحدي الأول والثاني يمثلان معادلة سياسية يصعب الجمع بين طرفيها، فإذا قدَّم الإصلاحيون الأخلاقي على السياسي ربما يفوزون بعطف الشارع السُّوداني، ويمهدون الطريق لتداول أفضل لنداء الإصلاح مع بقية التنظيمات السياسية المعارضة للمؤتمر الوطني. ولا جدال أن مثل هذه النقلة النوعية تحتم عليهم الخروج على ولاءاتهم السياسية السابقة، والبحث عن مظلة سياسية أخرى، لا أعتقد أن هذه السيناريوهات غائبة عن مفكرة الإصلاحيين؛ لأن الجمع بين المبدأ الأخلاقي الثابت والمناورة السياسية المتغيرة، ليس بالأمر السهل، لذلك يقول المناضل الأمريكي الأسود مارتن لوثر: "أسوأ مكان في الجحيم محجوز إلى أولئك الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة". أما إذا حاول الإصلاحيون المساومة بين النقيضين، أي بمعني أن يقبلوا المشاركة في التشكيلة الوزارية المتوقعة، بحجة أنها تمكنهم من ممارسة الإصلاح عبر وظائفهم التنفيذية، فسيكون شأنهم كالمنبتة، لا أرضاً قطعت وظهراً أبقت. لأن الإصلاح لا يتم بتغيير الأشخاص، كما ذكر الدكتور غازل في موقعه الإلكتروني، وإنما بتقديم الأطروحات والبرامج المصاحبة لها، ولذلك لا أعتقد أن للإصلاحيين مثلاً برنامج اقتصادي متكامل لإنقاذ الوضع الاقتصادي الذي وصفوه "بضعف البنية الاقتصادية واضطراب السياسية"، الناتج عنهما "تراجع التنمية، ومعاناة جميع فئات المجتمع الفقيرة، سوى قلة قليلة، مما أدى إلى اتساع الفروق الاجتماعية، ثم تضاعفت مهددات الدولة بنشوء الحركات المسلحة لانتزاع مطالبها بالمغالبة." إذاً المنطلق الأخلاقي يحتم على الإصلاحيين البحث عن البرامج الإصلاحية، ووضع القادة المناسبين في الأماكن المناسبة بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، وذلك قبل أن يفكروا في الحديث عن الحقائب الوزارية التي ربما تُعطى لهم عشوائياً دون مراعاة لمؤهلاتهم الوظيفية التي تعينهم في تنفيذ برامج إصلاحية مدورسة ومتفق عليها، وإذا غضوا الطرف عن ذلك فسيكون مثلهم كمثل "جمل العصارة" الذي أشرنا إليه من قبل.

خاتمة
في إطار الفرص المتاحة لتجاوز المرحلة التاريخية الحرجة التي وصفها النداء الإصلاحي، أرى أنَّ الوثيقة التأسيسية (نداء الإصلاح) التي طرحها الدكتور غازي صلاح الدين جديرة بالقراءة والتدبر الجاد من كل أطراف المنظومة السياسية في السُّودان؛ لأنها أشارت إلى قضايا مهمة، تأتي في مقدمتها قضية المواطنة التي تمثل أساس الحقوق والواجبات في كل دولة حديثة، ومنها ينطلق مبدأ الحريات العامة، ويتبلور حولها مفهوم الديمقراطية التعددية، وفي إطارها يوظف التنوع الثقافي والفكري والهوية الوطنية. فضلاً عن ذلك فإن الوثيقة أقرَّت مبدأ التوافق الوطني، وحجتها في ذلك أنَّ "التوافق الوطني شرط لازم لبناء الدولة الوطنية الحديثة، وليس خياراً تحتمه، أو تلغيه توازنات السياسة المحضة. وللوصول لهذا التوافق الوطني لابد من ترسيخ ذهنية الانفتاح والتواصل، التي تعد الترياق الناجع ضد التعصب القبلي، والجهوي، والأيديولوجي، الذي يهدد وجود السُّودان، ويعوق فرض نموه وتطوره." وختام ذلك الآيات القرآنية المقتبسة من سورة هود، التي استهل بها صاحب النداء الإصلاحي نداءه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.

نقلاً عن الجزيرة نت
http://www.aljazeera.net/opinions/pages/abcaced1-c81b-4bac-b5b1-18e9a97554d9

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////