تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى مصطلح "الوزير السُّوداني" الذي يرمز إلى نماذج من الساسة السُّودانيين الذين اعتلوا وظائف تنفيذية (أو الدستورية) في الدولة، نقلتهم من هامش أدبيات المعارضة الطامحة في الشفافية والطُهر والتغيير السياسي إلى دائرة تبريرات السُّلطة وشارات الحكم المتناقضة مع ذاتها ومطالب الرأي العام، ثم إلى فضاء كراسي المعاش الوثيرة، وكتابة الذكريات والمذكرات القادحة في تجربة البؤس وبؤس التجربة. ونعرض في هذا الجزء الثاني تجربة حيَّة من ثنايا كتاب الدكتور حسن عابدين الموسوم بـ "حياة في السياسة والدبلوماسية السودان"، أمدرمان: مركز عبد الكريم الثقافي، 2013م.

تجربة البؤس وبؤس التجربة (سَوْ انْدم لا تخلي تندم)
وثَّق نفر من الذين شغلوا منصب الوزير السُّوداني، طرفاً من تجارب البؤس وبؤس التجارب التي خاضوها، ونذكر من هؤلاء الأستاذ محمد أحمد محجوب (الديمقراطية في الميزان)، والأستاذ خضر حمد (مذكراتي)، والدكتور منصور خالد (النخبة السُّودانية وإدمان الفشل)، والدكتور حسن عابدين (حياة في السياسة والدبلوماسية السُّودانية). وفي هذا المقام أود أن استأنس بما كتبه الدكتور حسن عابدين بشأن التجربة التي خاضها مع حكومة مايو (1969-1985م)، وحكومة الإنقاذ (1989-الآن) من واقع نشاطه السياسي بجامعة الخرطوم، ثم تأييده لانقلاب 25 مايو 1969م بناءً على "الأوضاع السياسية السائدة بعد ثورة أكتوبر 1964م، وما عاشته البلاد من فوضى، وتخبط في المجال السياسي والاقتصادي، نسبة لفشل الأحزاب السياسية في توفير القيادة، والجو السياسي الإيجابي؛ لتطوير البلاد اقتصادياً، واجتماعياً، وانصراف السياسيين إلى المسائل الشخصية، والمناورات، والمحسوبية، والفساد"، وانطلاقاً من تقديره الباكر بأن "الوضع السياسي الجديد، ... وضعاً وطنياً سليماً، يضم كفاءات مخلصة، وعناصر وطنية أمينة، وحريصة على تطوير البلاد ... بعيداً عن الحزبية الفاشلة." (ص 86). هذا التصور الحالم استند إليه الدكتور حسن عابدين عندما كان طالب دراسات عليا بالولايات المتحدة الأمريكية مع رهط من زملاء الدراسة والأصحاب في المهجر؛ ولكنه عندما عاد إلى السُّودان وجد واقع الحال يختلف عن تصور المهجر، فاستدرك موقفه الذي وصفه بقوله: "تحولنا من أنصار ومريدين لثورة مايو البيضاء عند فجرها الباكر إلى معارضين لمايو الحمراء في ضحاها القصير، ولم تبلغ من العمر عامين." (ص: 94). وبعد تلك المعارضة العابرة التي لم تتبلور في شكل تنظيم سياسي، أو الانضمام إلى قطاع معارض "للثورة" الوليدة، دخل الدكتور حسن عابدين حكومة مايو من بوابه الاتحاد الاشتراكي عام 1974م، حيث عرض عليه "الأستاذ بدين الدين سليمان، الأمين المساعد للاتحاد الاشتراكي السُّوداني، في لقاء شخصي بمكتبه عام 1974م، تولي مسؤولية إنشاء وتأسيس معهد للدراسات الاشتراكية، وتدريب القيادات السياسية."، فوافق صاحبنا على الطلب، بشرط أن يكون منتدباً من جامعة الخرطوم لمدة عامين، احترازاً من عواقب الأمور، كما أوضح ذلك في حواره مع الأستاذ عبد الله الطيب: "والله يا أستاذ قدم في المركب، وقدم في الطوف ...، نلتمس النجاة بطوق الجامعة من الغرق في بحر السياسة وأمواجه المتلاطمة." (ص: 102-104).  ويعكس هذا التردد إحساس "الوزير السُّوداني" الأكاديمي بأن حكومة مايو لم تكن مستقرة على حال، وإذا عجز عن تحقيق التغير الذي ينشده، حسب تطلعاته الوطنية، فيجب أن تكون له خيارات أخرى، والشيء الذي يؤكد ذلك تقديم استقالته عام 1982م، ثم هجرته إلى جامعة الملك سعود (1982-1988م). وعندما يتحدث الدكتور حسن عابدين عن بعض مظاهر بؤس التجربة التي خاضها مع حكومة مايو، يميز بين الأكاديميين التكنوقراط الذين خدموا الحكومة بصدق، وأسهموا في انجاز كثير من المشروعات التنموية، وأولئك الذين يمثلون

"البطانة الفاسدة المفسدة داخل النخبة الأكاديمية التكنوقراطية، والتي تحلَّقت حول النميري، فإنها بطانة السوء في قصر الحاكم، كل حاكم، وحول كل رئيس، وفي كل نظام شمولي (يسارياً كان، أم يمينياً علمانياً أم إسلامياً)، فلم يخل قصر الحكم في مايو، وقصور أخرى كانت، وكائنة اليوم من أمثال هؤلاء. غفل عنهم النميري، أو ربما هم استغفلوه واستغلوه ... إنها خطأ وخطيئة وآفة من آفات النظام الشمولي، وكل نظام شمولي، ونهاية كل حاكم يستمرئ الانفراد بالسُّلطة، وإنما يركن إلى هذه البطانة، يطمئن لها؛ لأنها تسبح صباح مساء بحمده، وتنافقه، وتطبل له، فيغض الطرف عن أهوائها، وسوءاتها، وفسادها، وإفسادها، وبل عن فساده هو نفسه." (ص: 118).

وبهذه الكيفية يؤكد الدكتور حسن عابدين بؤس التجربة المايوية، بدليل أن كل قررات رئيس الاتحاد الاشتراكي ورئيس الجمهورية كانت "أحادية فردية"، تُحال إلى "المؤسستين السياسية والتشريعية للعلم، والتأييد، والمباركة بالصم والتصفيق" (ص: 129). هكذا كانت هامشية الوزير السُّودان في العهد المايوي، والدكتور حسن عابدين كان أفضل رفاق البصم والتصفيق حظاً؛ لأنه آثر الهجرة على البقاء تحت وطأة نظام يهضم حقوق الكفاءات، للعمل أستاذاً بجامعة الملك سعود (1982-1988م). وبعد ثلاث سنوات من سقوط حكومة مايو عاد للعمل مرة أخرى بجامعة الخرطوم، متندراً على تلك العودة، بقوله: "العرجاء لمراحها". 
مرت الأيام والدكتور حسن عابدين في موقع المراقب الحصيف لتطورات الأحداث في السُّودان، حكومات ديمقراطية-ائتلافية متشاكسة، ثم نظام عسكري قابض. وبعد بضعة أشهر من انقلاب الإنقاذ لعام 1989م، تمَّت استضافة الدكتور حسن عابدين في مكتب العميد عثمان أحمد حسن، عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، الذي أبلغه "أن مجلس قيادة الثورة قرر الاستعانة بعدد من الشخصيات القومية المستقلة، من أهل المعرفة والكفاءة؛ لدعم وزارة الخارجية في وظائف سفراء، وأضاف بأن الاختيار والترشيح"، يشمل شخصه. (ص: 141). قَبِلَ الدكتور عابدين الرهان بالرغم من مرارات التجربة المايوية، وفي مخيلته نصيحة أستاذه الدكتور عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي: "سَوْ انْدم لا تخلي تَنْدم"، وفي مفكرته القواسم المشتركة بين الدبلوماسية والأكاديميات التي تتمثل في "المنهج العلمي الموضوعي في تقصي الحقائق، وجمع المعلومات، والتحري عن صحة الحقائق، ودقتها، وإبداء الرأي الصريح، وإسداء النصح النزيه، دون تردد، أو مواربة، أو رغبة، أو رهبة."
فلا جدال أن هذه المنطلقات الفكرية قد مكَّنت الدكتور عابدين من تحقق بعض النجاحات في مجال عمله الدبلوماسي، لكن هناك بعض المواقف والتجارب البائسة التي عارضها بالقلب، واللسان الخافت، دون يتخذ موقفاً واضحاً يرقى إلى درجة الاستقالة من الوظيفة. ونذكر منها قضية الجواز الدبلوماسي السُّوداني الذي منحته حكومة السُّودان إلى الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة التونسي؛ والجواز السُّوداني العادي الذي أصدرته سفارة جمهورية السُّودان بلندن إلى المواطنة السُّودانية فاطمة أحمد إبراهيم. يصف الدكتور حسن عابدين لقاءه الأول بالشيخ راشد الغنوشي، قائلاً:

"جاء الغنوشي لمقر سفارتنا [بالجزائر]، يستفسر عن رسالة له من الخرطوم، تصله بالحقيبة الدبلوماسية ... أقول كان لقاءً بلا موعد، أو اتفاق؛ إلا ربما بترتيب خفي من لدن الدبلوماسي "الرسالي" بالسفارة؛ لعلاقة له بالغنوشي، لم يطلعني عليها، خلافاً لتقاليد وأعراف العلاقة بين السفير ومرؤوسيه من الدبلوماسيين... اعتذرت له أن الرسالة التي يتوقعها لم تصلنا بعد، ولكن ربما تصل في الحقيبة القادمة... وها هو الغنوشي يزورني للمرة الثانية بعد الزيارة الأولى قبل أسبوع؛ ليتسلم مظروفاً مغلقاً بأحكام، وبالشمع الأحمر، جاء من الخرطوم، مكتوباً عليه "لا يُسلم لغيره، ولا يفتح إلا بواسطته"، تحسست الظرف، فبدا لي ثقيل الوزن صغير الحجم، لا مجرد رسالة كتبت على صفحات من الورق الخفيف .. وعلمت فيما بعد إنه جواز دبلوماسي سُّوداني، من منن وبركات الدبلوماسية "الرسالية" للزعيم الإسلامي الغنوشي. غضبت أن تجعل الدبلوماسية الرسالية من السفير، وهو المؤتمن على أسرار الدولة والوطن كافة، حماراً يحمل أسفاراً. فكتبتُ بذلك للوكيل في الخرطوم، متسائلاً ومستنكراً ومتعجباً، وأنا حديث عهد بالعمل الدبلوماسي، وبمناهجه الإدارية ومنعرجاته .... ولم يشأ الوكيل الرد على رسالتي. فقلت لنفسي... مسكين الوكيل، فربما لا علم له هو الآخر بأمر الجواز! ... وبعيد لقائي الثاني جاءني سفير تونس لدي الجزائر، علي جراد؛ ليقول لي إن بلاده تعتبر منح السُّودان الغنوشي جوازاً دبلوماسياً سُّودانياً موقفاً عدائياً يسئ للعلاقات الأخوية الممتازة بين تونس والسُّودان ... فقررت تونس استدعاء سفيرها من الخرطوم، بلا عودة قريبة، وغلبت على علاقة البلدين حالة من التوتر والتردي بلا مثيل في تاريخ السُّودان المستقل وتونس المستقلة."  (ص: 178-180).

هكذا يكون العطاء المهني بائسًا عندما يعلو العمل التنظيمي القطاعي على المهنية والتقاليد الكلاسيكية الموروثة، وينحني الوزير السُّوداني للعاصفة، وتسقط معايير المهنية، ويضحى الوزير أمام خيارين، لا ثالث لهما: الاستقالة من الوظيفة، أو الخضوع لأدبيات الدبلوماسية الرسالية، التي يصفها الدكتور حسن عابدين بأنها: "تفسد وتبطل مفعول الدبلوماسية الذكية، وتودي بعلاقات السلام والوئام السياسي، وتسد قنوات التواصل، وتبادل المنافع والمصالح بين الدول." (ص: 181). وحصيلة ذلك يتراكم البؤس المهني، إذا آثر الوزير السُّوداني البقاء في الوظيفة على حساب قرار الاستقالة الصعب.
أما الموقف الآخر فيرتبط بقضية جواز الأستاذ فاطمة أحمد إبراهيم التي هاتفت الدكتور حسن عابدين، سفير السُّودان لدي المملكة المحتدة (لندن) آنذاك، معلنةً عن رغبتها وقرارها بالعودة للسُّودان، ثم طلبت استخراج جواز لها، وآخر لابنها الدكتور أحمد الشفيع. رحب السيد السفير بعودتها إلى السُّودان، ودعاها لزيارة السفارة. ولسان حاله يقول:

"تمَّ استخراج الجواز لها ولابنها الدكتور أحمد، وهي جالسة في مكتبي، ولم يستغرق ذلك سوى أربعين دقيقة... وأبرقت وزارتنا في الخرطوم بقراري منح فاطمة أحمد إبراهيم جواز سفر سُّوداني جديد للعلم. وأنها تزمع العودة للسُّودان أول أيام العيد (24-25 أكتوبر 2005م)، ولكن تلقيت رسالة من مكتب الوزير الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، تعاتبني على اتخاذ القرار، قرار استخراج الجواز لفاطمة، قبل الرجوع إليه!".  (ص: 252-253).

يبدو أن الدكتور عابدين قد استهجن هذا الموقف، فكتب برقية عاتبة إلى رئاسة وزارة الخارجية، مفادها: "إن سياسة الدولة المعلنة تدعو وتشجع كل المعارضين وزعماء المعارضة على العودة للسُّودان، كما أن قوائم حظر سفر السياسيين خروجاً ودخولاً قد رُفعت ... فكيف يلام السفر على حسن التصرف، وتطبيق سياسة الدولة المعلنة ...؟" (ص: 253).

هذان الموقفان يشهدان على تدني الأداء الوظيفي على امتداد القطر، وفي فضاءات العمل الدبلوماسي، نسبةً لتقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية، وإبدال الأعراف المرعية دولياً بالمصالح القطاعية الضيقة. فواقع التجربة التي عاشها الدكتور حسن عابدين لم تكن نشاز عن تجارب رصفائه الآخرين، لكن فضيلته عليهم، تتمثل في أنه وثَّق لتجربته بخيرها وشرها، مؤكداً أن عبء المسؤولية العامة القائم على أمانة المشاركة، وأوزار الممارسة وأخطائها تقع على عاتقه، بالرغم من أنه برئ الذمة من انتهاك أي حق خاص، أو عام. (ص: 99). لكن هذا الإقرار الشجاع لا يمنعنا من أن نعاتب الدكتور حسن عابدين على بعض المواقف السالبة التي اتخذها، ونثمن أداءه المهني في بعضها، ونعضد ما جاء في مقاله الأخيرة، الموسومة بـ"الشمال الجديد والجمهورية الثانية"، حيث أشار فيها إلى بعض القضايا المهمة التي تعكس الأسباب الكامنة وراء مظاهر البؤس السياسي والإداء المهني البائس في السُّودان. ويأتي في مقدمة تلك المقترحات غياب الرؤية الاستراتيجية في مفكرة الوزير السُّوداني، التي لخص أبعادها في عجز الحكومات السُّودانية المتتالية -سواء أكانت مدنية أم عسكرية- في وضع دستور دائم يتعاهد الناس عليه، باختلاف ألوان طيفهم السياسي، ومشاربهم الفكرية. وتعني مرجعية الدستور بالنسبة له الاستقرار السياسي القائم على التسامح الوطني عبر مؤسسات ديمقراطية راشدة، وتعني تطوير قدرات القوى القطاعية (الأحزاب) لتحقيق كسبها الجماهيري المشروع، وتوجيه ذلك الكسب في خدمة الصالح العام، وتعني عدم تسييس الخدمة المدنية، وتعني تحقيق التنمية المتوازنة بين المركز والتخوم (أو ما يعرف بالهامش).
وتطرق الدكتور حسن عابدين أيضاً إلى أدب الاستقالة أو الإقالة (أو الإعفاء). فالاستقالة عندما تُعلن في وقتها الصحيح وبمسوغات موضوعية، تعني مهنية الوزير، وأهمية دوره الريادي في توعية المجتمع والقيادة السياسية. واستشهد في هذا المضمار باستقالة ليام فوكس، وزير الدفاع البريطاني، وعضو حزب المحافظين الحاكم، عام 2011م؛ لاتهامه بمحاباة صديقه رجل الأعمال البارز آدم وريتي، واصطحابه معه في زياراته الرسمية الخارجية، مستشاراً غير رسمي. تأمَّل أيها القارئ الكريم في هذه المهنية وهذه النزاهة، التي تعكس أهمية المنصب العام، وشفافية الرقابة الحزبية، ووعي الرأي العامّ، والصحافة التي تمثيل السُّلطة الرابعة في العالم المتحضر. فالاستقالة بهذا المفهوم، وبهذه القيم المعيارية مفقودة في السُّودان، ويجب أن يُوطَّن لها ليكون الوزير السُّوداني في موقع المسؤولية، ويخرج من دائرة البصم والتصفيق للقرارات غير المدروسة التي تُنزَّل عليه من عَلٍ، ليكون صاحب قرار، يتحمل مسؤوليته تنفيذه وتبعات ذلك. وليس من الضروري أن تؤسس الاستقالة على خطيئة إدارية أو سياسية، بل يمكن أن تأتي انصياعاً لتقدير عامٍ، أو شعور سياسي بأن الوزير قد قضي ما يكفيه في وضعه الوظيفي، فيجب عليه أن يترجَّل، والدليل على ذلك استقالة توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وزعيم حزب الحاكم العمال آنذاك، عندما نبهه الحزب (أي حزب العمال الحاكم) بأن استمراره زعيماً للحزب، ورئيساً للوزراء قد يؤثر على وضع العمال في الانتخابات العامة القادمة؛ لأن لعنة تأييده للغزو الأمريكي للعراق عام 2003م ظلت تطارده في المحافل السياسية العامة والحزبية، فترجَّل الرئيس بناءً على توصية الحزب، قبل أن تنتهي دورته، ودون أن يتعلل بأي بسبب موضوعي، أو غير موضوعي، كما يفعل قادتنا في السُّودان.
أما الإقالة أو الإعفاء من الوظيفة العامة فتعني فاعلية أجهزة الدولة، وشفافيتها تجاه الشأن العام، دون انحياز إلى حزب، أو قبيلة، أو طائفة، أو جهة، بل إمتثالاً لسيادة القانون، وهيبة الدولة ومؤسساتها الحاكمة. واستشهد الدكتور حسن عابدين في هذا الشأن بالحكم الجنائي الذي صدر ضد جيمس ديفاين، النائب البرلماني في مجلس العموم البريطاني، بتهمة تزوير فواتير لصيانة مقره الرسمي، وقيمتها ثمانية الآلف جنيه إسترليني فقط، وجاء في حيثيات الحكم والإعفاء من الوظيفة "أن سلوك النائب الشائن شكل خرقاً وانتهاكاً فاضحاً لنزاهة النائب البرلماني ... وشوَّه سمعة البرلمان أمام دافع الضرائب، وأمام الناخب البريطاني." (ص: 281). أين نحن من هؤلاء يا أيها السيد رئيس المجلس الوطني، والسادة النواب؟ أيحق لنا أن نتحدث عن الحكم الراشد؟ أيحق لنا أن نتحدث عن الشفافية والطُهر السياسي؟ إذا صدق حدسنا فالقضية تحتاج إلى مراجعة شاملة من القمة إلى القاع، حتى يخرج الوزير السُّوداني من قفص تجارب البؤس وبؤس التجارب السياسية إلى رحاب الريادة في اتخاذ القرارات المدروسة وتطبيقها على صعيد الواقع، والشفافية والطُهر السياسي في تحمل عبء الأخطاء التي يرتكبها قادتنا الأفاضل دون ضمير يؤنِّب، أو رئيس يحاسب.
ونختم هذا المقال بالفقرة الأخيرة في كتاب الدكتور حسن عابدين، التي تقرأ هكذا: "نريد التوطين والتمكين للشباب ولأجيال المستقبل؛ لتنهل وترتوي من ثقافة الديمقراطية: الاستماع للرأي والرأي الآخر، واحترام كل رأي، وكل رأي آخر عبر الحوار السلمي، والاعتراف بالخطأ والتقصير الذاتي، ونقد الذات. وفي هذا يلزم بث وتقنين أعراف وتقاليد التقاعد المبكر الطوعي من الموقع القيادي سياسياً كان، أم إدارياً، وترسيخ أدب الاستقالة قبل الإقصاء، والعزل، والإعفاء، اعترافاً بالخطأ والاعتذار عنه." (ص: 310). 
Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////