يرمُز مصطلح الوزير السُّوداني إلى نماذج من الساسة السُّودانيين الذين اعتلوا وظائف تنفيذية (أو الدستورية) في الدولة، نقلتهم من هامش أدبيات المعارضة الطامحة في الشفافية والطُهر السياسي والتغيير إلى دائرة تبريرات السُّلطة وشارات الحكم المتناقضة مع ذاتها ومطالب الرأي العام، ثم إلى فضاء كراسي المعاش الوثيرة، وكتابة الذكريات والمذكرات القادحة في تجربة البؤس وبؤس التجربة. إذاً السؤال الُملح الذي يطرح نفسه: هل هذه المنظومة الثلاثة (المعارضة، السُّلطة، المعاش) بتناقضاتها المتنوعة ومواقفها النمطية المتعارضة تشكل حالات فردية في السُّودان؟ أم إنها ظاهرة عامة تعكس نموذج الوزير السُّوداني غير الموفق عبر الحقب التاريخية التي أعقبت الاستقلال؟ وإذا كانت حالات فردية، كيف يمكن تجاوزها لوضع الدولة السُّودانية في مسارها الصحيح؟ وإذا كانت ظاهرة مسؤولة عن تدهور أداء الدولة السُّودانية منذ فجر الاستقلال وإلى هذا اليوم، فما البواعث التي أسهمت في تشكيلها؟ وكيف يمكن استئصالها من مؤسسات الدولة وروافدها؟ 

السير دوغلاس نيوبولد
يحضرني في مقدمة هذه المقالة الخطاب النموذجي الذي ألقاه السير دوغلاس نيوبولد، مدير مديرية كردفان آنذاك (1932-1938م)، في حفل الشاي الذي أقيم لوداعه بنادي الأفندية بالأبيض عام 1938م، قائلاً في بعض مقاطعه:

أين تكمن  روح (هُويَّة) السُّودان؟ لا يمكن أن توجد في مكان واحد، أو مؤسسة واحدة، أو مديرية واحدة، أو كلية غردون، أو مخيمات العرب، أو في جبال النوبة، أو في سوق أمدرمان. أنها توجد في جميع هذه الأماكن. وإنها منتشرة مثل الغبار، وبألوان مختلفة. ليس لفرد واحد، ولا لحزب واحد، ولا لقبيلة واحدة، أن تدعي احتكارها. كل من يحب السُّودان بوسعه أن يشارك فيها. 
كلنا نتحدث عن التعليم منذ صدور تقرير دي لاوور. هل كلكم تعنون ما تعنون بالتعليم؟ إنَّ التعليم مثل كل شئ جبَّار، يملك احتمالات الخير والشر. فالتعليم يجلب الحكمة، والصبر، والاحترام، والثقافة، والتعرف على الناس والعلوم، ولكنه أحياناً يجلب الكبر، والتعصب، والغرور، والتبرم، والطموح الأناني... ولكن يجب علينا أنْ نتأكد أنَّ التعليم يجب أن يبنى على الأخلاق، وعلى تقديم الخدمات، وليس لمجرد كسب المال، أو النفوذ... أرجو أن أقدم لكم بصراحة بعض النصائح، لا تحتقروا مواطنيكم الأميين ... وعندما تنتقدوا الحكومة، يجب أن يكون نقدكم بناء، وغير مشخصن، وليس هداماً، أو خبيثاً. تذكروا أن الديمقراطية تبنى على التعاون، بغض النظر عن السن، أو الجنس، أو الطبقة، أو الشطارة... عليكم الوفاء بديونكم؛ لأن الشخص المدين مكبل بالقيود، وإذا فشلتم في إدارة أموالكم بنجاح، فمن سيأمنكم على إدارة أموال الآخرين." (نيوبولد، كيف أعد السُّودان الحديث، ج1، 169-170).

الناظر في هذا النص البديع بعين اليقظة والتدبر، يدرك أن الوزير السُّوداني وصانع القرار السياسي، لا يتعلم من السلف، ولا يقرأ تاريخ بلاده بتمعنٍ، بعيداً عن الكبر، والتعصب، والغرور، والطموح الأناني الزائف.. يتحدث الوزير السُّوداني عن شعارات تأمُّلية، دون أن يدرك مقاصدها، أو يطرح استفساراً مهنياً عن كيفية تطبيقها على محيط الواقع، وهنا تبرز قضايا كُثر لا يسمح المجال بذكرها، وأهمها قضية الهوية، التي أشار إليها نيوبولد، قبل أن يُولد تيار الغابة والصحراء، وقبل أن تدرك بعض النخب أن صراع الهوية الأجوف هو الذي أفضى إلى انشطار السُّودان إلى شمال وجنوب، فضلاً عن تشظي أطرافه بفعل الوزير السياسي الذي يحتقر مواطنيه الأميين، احتقاراً يحجبهم، ويحجب مطالبهم المشروعة عن دائرة الضوء، ولذلك يشعرون بغبن الهامش، ثم ينقلون من دائرة المطالب المشروعة إلى دائر الصراع المسلح. واستجابةً إلى ذلك تنشأ معارضات النخب المترفة التي لا ترقى بنقدها إلى البناء والتعمير، بل تُوصف بقصر نظرها، وسعيها وراء المناصب، أو استمرائها لخدمات الفنادق ذات الخمس نجوم، والمكافآت التي تُدفع يومياً من خزائن الجهات المضيفة ومكارمها، ولذلك يسهل عليها الارتماء في أحضان الآخر؛ الذي ربما يكون حزباً حاكماً يعيد تنميطها واستنساخها في إطار منظومة النظام الحاكم نفسها، وبذلك يتحول المعارض إلى وزير سُّوداني، يسبِّح بحمد السُّلطة ويقدس لها. والآخر، الذي يسقط المعارض في أحضانه، ربما يكون دولة صاحبة مصلحة استراتيجية في السُّودان وموارده الطبيعية، لذلك تدعم المعارضة لتحقيق مطالبها المشروع وغير المشروعة، دون أن يسأل المعارضون أنفسهم عن كيفية تسديد فاتورة دين الآخر باهظة الثمن، التي لا تُعطى إعتباطاً، بل لتحقيق أجندة استراتيجية في أراضي الوطن الجريح. وهنا يصدق قول الصحافية المصرية أماني الطويل: بأن دولة إسرائيل طبقت مبدأ شد الأطراف ببراعة في فصل جنوب السُّودان، متعللة بأن الفصل يسهم أولاً في إضعاف دولة السُّودان الشمالي التي تُصنف في خانة الدول المعادية لإسرائيل، ويمهد ثانيًا الطريق لدولة إسرائيل لتجد حظًا في مياه النيل، أو بترول جنوب السُّودان. أما مبدأ الإحاطة والعُزلة، فقد مارسته دولة إسرائيل بجدارة في مشكلة دارفور، عبر ثلاثة مسارات. أولاً سعت إلى تصنيف الصراع في دارفور بأنه "حرب إبادة جماعية"؛ وثانيًا روَّجت لهذا التصنيف عبر منظمات المجتمع المدني وجماعات الضغط الأمريكية؛ وثالثًا دعمت بصورة مباشرة الحركات المسلحة في دارفور. ولكن الجدير بالذكر أنَّ الباحث محمود محارب لا يعزي تدخل الدولة الإسرائيلية في الشأن السُّوداني إلى سياسة المؤامرة التي يُسوق لها الوزير السُّوداني لتضليل الرأي العام، بل إلى "فشل النخب الوطنية السُّودانية في إدارة التنوع السُّوداني، الأمر الذي ساهم في تعطيل بناء مؤسسة الدولة الوطنية في السُّودان، وانهيار مبدأ المواطنة المتساوية لصالح الانتماءات الأولية، وهي الانتماءات التي وُظفت في إطار الصراع على السُّلطة في السُّودان بين جناحي الحركة القومية الإسلامية السُّودانية، التي قسمت الحركة من ناحية، وروَّجت للمفاهيم والسياسات الإقصائية السُّودانية المحلية على أسس عرقية ودينية من ناحية أخرى." (انفصال جنوب السُّودان، المخاطر والفرص، ص: 255).
ويرتبط أيضاً إخفاق الوزير السُّوداني بضيق ذات اليد، وانحسار منسوب العفة وغناء النفس الناتج عن ضعف التربية الوطنية، والقيم المعيارية الضابطة لشغل الوظيفة العامة ومحاسبة أداء شاغليها، ولذلك يضحى الوزير السُّوداني مرهوناً لمال الخزينة العامة وعطايا السُّلطة والسلطان، التي تُصنف ضمن ضروب الفساد السياسي والمالي التي يتحدث عن القاصي والداني، وينكرها الوزير السُّوداني، دافناً رأسه في الرمال، دون أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً، مربوطاً بمقارنة وضعه خارج منظومة السُّلطة، ووضعه بعد أن تمرق في آسانها، ولاشك أن الوضعين معلومين للناس أجمعين؛ علماً بأن السُّودان لا توجد فيه فواصل طبقية مغلقة، بل نلحظ أن الخفير عالم ببواطن أمور الوزير؛ لأن قنوات التواصل مفتوحة بين الحاكم والمحكوم في نسقها الاجتماعي. والشاهد في ذلك أن هناك جملة من الذين ذاقوا عُسيلة الوزارة، ولكنهم في لحظة تعارض مصالحهم الذاتية شقوا عصا الطاعة على السُّلطة والسلطان (صراع القصر والمنشية نموذجاً)، وبذلك فقدوا مناصبهم الوزارية، وحُصِروا اقتصادياً، فكان مصير رهط منهم العودة المهينة إلى حظيرة السُّلطة، وتبريرهم المبتذل لمواقفهم السابقة واللاحقة، بل أضحوا أكثر دفاعاً عن سياسات الحزب الحاكم التي رفضوها وانتقدوها بالأمس، وذهب نفر منهم أبعد من ذلك، حيث أصبحوا ناطقين رسميين باسم الدولة في كثير من المحافل الداخلية والخارجية، دون إدراك منهم بأن التاريخ لا يرحم، ولا ينسى، لكنه يدون مواقف الرجال في سجله المكتوب. ومثل هذه النماذج من الوزراء السُّودانيين أطلق عليهم أستاذنا الطيب زين العابدين، وكذلك الصحافي صديق محيسي، مصطلح الوزراء "الانتهازيون".

(يتبع ___)
Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]