(3/3)

Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

مذكرة الشفيع وحكومة مايو 1969م

لا جدال أن مذكرة الشفيع أحمد الشيخ فقدت مضمونها الثوري وأجندتها السياسية بفعل التراجع الذي حدث داخل مجلس الوزراء، كما بيناه في موقعه، وبفعل الضغوط التي مارسها رجال الإدارة الأهلية، وزعماء الأحزاب التقليدية، ومحافظو المديريات، وضباط المجالس والبوليس الذين كانوا يعملون في المديريات ذات الثقل القبلي والنفوذ الواسع لزعماء الإدارة الأهلية. إلا أن روح المذكرة تجلَّت مرة أخرى في توجهات حكومة مايو ذات المنحى اليساري في بادئ أمرها، والتي تبنت حزمة من شعارات ثورة أكتوبر 1964م، ومن بينها شعار تصفية الإدارة الأهلية، الذي أوضحت مذكرة الشفيع "الملعونة"، كما ينعتها المعارضون، معالمه الرئيسة. ومن ثم جاء قرار حل الإدارة الأهلية عام 1970م مبرراً بالاتهامات الآتية:-

        إن الإدارة الأهلية امتداد طبيعي للتربية الاستعمارية، ووسيلة متخلفة للحكم فات أوانها.

        تأثيرها السلبي على تجربة الديمقراطية كتأثير رجالها على أسلوب الانتخاب الحر المباشر عن طريق حجب الجماهير بعيداً عنها.

        ظهورها بمظهر الاستبداد الفردي، ومعاداة الوعي والإدراك، خاصة في المناطق التي لم يظهر فيها هذا الوعي.

        ارتباطها بالرشاوى والاتاوات والفساد، واعتمادها في معيشتها على رعاياها.

 

وبناءً على هذه الاتهامات تمَّ حل الإدارة الأهلية حلاً جزئياً، شمل وظيفتي الناظر والعمدة في المناطق الريفية وشبة الرحل؛ ووظيفة الناظر في مناطق الرحل، ووظيفة شيخ الحارة في المدن والبلديات، فضلاً عن إقرار مبدأ الفصل بين السلطات القضائية والإدارية. وبموجب ذلك استعيض عن مؤسسات الإدارة الأهلية بمجالس الحكم الشعبي المحلي على مختلف المستويات (المناطق، الأرياف، القرى، المدن، الفرقان، الأحياء، الأسواق، المناطق الصناعية)، ووحدات الاتحاد الاشتراكي، ولجان تطوير الريف، والمحاكم الشعبية؛ إلا أن التجربة العملية أثبت قصور هذه الأجهزة القضائية والإدارية البديلة، وعزى بعض الإداريين أوجه هذا القصور للأسباب الآتية:-

        إن الحكم الشعبي المحلي بحكم فلسفته التي صاغها الدكتور جعفر محمد علي بخيت لم يكن جهازاً بديلاً للإدارة الأهلية، بل كان وعاءً لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في مناطق الحضر، وأداة خدمية على النمط الحديث.

        الضباط الإداريون أياً كانوا سيارة أو حقليين فهم بحكم تخصصهم وثقافتهم وعملهم جزء من جهاز الخدمة المدنية، تحكمهم قوانين الجهاز المدني ولوائحه في الأداء، والتصرف، والنقل من مكان إلى آخر، كما أن دقائق البيئات المحلية تأخذ منهم وقتاً طويلاً لاستيعابها والتعامل معها، لذا فهم ليسوا البديل المناسب لزعماء العشائر.

        إن إقرار مبدأ الفصل بين السلطتين الإدارية والقضائية بالرغم من وجاهته النظرية من حيث تحقيق العدالة في إطار الدولة الحديثة؛ إلا أنه لم يكن مواكباً مع واقع الحال في السودان، بل عاق سير أعمال الأجهزة القضائية والوحدات الإدارية البديلة التي أنشئت في المناطق الريفية، لأن التداخل بين هاتين السلطتين حول الأعراف والسوالف كان ضامناً لأمن المجتمع وسلامته، علماً بأن المحاكم الأهلية كانت تستمد قوتها من الإقناع الطوعي والأعراف التي تحقق الود والتعاون، وذلك بخلاف الأحكام القضائية والقرارات الإدارية التي تستند إلى قوة الإلزام النابعة من القواعد القانونية.

        سوء المواصلات ووسائل الاتصال عاق سير أعمال المجالس في مناطق الرحل، لأن الأعراب الرحل كانوا، ولا يزالوا، يقطنون في أماكن يصعب الوصول إليها بالسرعة المطلوبة، الأمر الذي جعل مجالسهم هياكل بلا روح، وأسماء من غير مسميات.

 

           وقد بلور الإداري المخضرم السني بانقا معظم المشكلات التي نجمت من حل الإدارة الأهلية في الورقة التي أعدَّها بشأن مستقبل الإدارة الأهلية في السودان، ونذكر منها:-

        انفراط عقد النظام في المناطق القبلية، وذلك لعدم وجود قوة بوليسية كافية، فضلاً عن جهل المسؤولين الحكوميين بالأماكن التي تختفي آثار الجريمة فيها.

        تدني إيرادات الضرائب والعوائد والعشور، وذلك لقلة الضباط الإداريين، وعدم معرفة القدر الموجود منهم بأنجع وسائل التحصيل التي كانت متبعة في المناطق الريفية، والشاهد في ذلك أن المنصرف في تحصيل الضرائب في بعض المناطق الريفية قد فاق المتحصل الفعلي.

        إن زيادة عدد مجالس الحكم المحلي أدي إلى زيادة طردية في مصروفات الفصل الأول من ميزانيات المديريات، وذلك خصماً على ميزانية الخدمات الاجتماعية والتنمية، فنتج عن ذلك تردي في الخدمات الضرورية التي درجت الحكومة على تقديمها للمواطنين.

        لم يكن أداء المحاكم الشعبية بالقدر المطلوب لأن أعضاءها لم يكونوا مؤهلين فنياً في المسائل الإجرائية والأعراف المتبعة، فضلاً عن أن أسلوب التناوب الذي كان متعباً في إدارة جلسات المحاكم الشعبية قد أبطأ سير العمل القضائي وإصدار الأحكام، ونتج عن ذلك تراكم واضح في القضايا المعروضة للنظر، وتلك المستأنفة أمام محاكم الاستئناف.  

        ضاع معظم وقت الجهاز الإداري التنفيذي في المهام الفرعية، مثل تحضير مؤتمرات الصلح القبلية، وإدارة الأمن القبلي، وحل النزاعات الحدودية، دون التفرغ لتخطيط المشروعات التنموية.

 

تجربة البؤس وبؤس التجربة

بعد مضى عقد ونصف من الزمان أدركت حكومة مايو ممثلة في اللواء الفاتح بشارة، حاكم إقليم كردفان، أن قرار تصفية الإدارية الأهلية كان قراراً غير مدروس، لأنه لم يوفق في طرح البدائل المناسبة لمؤسسات الإدارة الأهلية. وتجاوزاً لإخفاقات ذلك القرار وصى اللواء بشارة في استحياء بإعادة مؤسسات الإدارة الأهلية تحت مسمى "الإدارة الذاتية المحلية في ظل الحكم اللامركزي"، وبصلاحيات قضائية للنظار الذين أُطلق عليهم لقب "المعاونين الإداريين" في مديرية كردفان عام 1984م، ليقوموا بضبط الأمن والاستقرار القبلي، إلا أن التجربة كانت تجربة بؤس، ولم تحقق النجاح المرجو. وأضحى رجل الإدارة الأهلية "كالثعبان البُرُل"، كما يصفه الناظر بابو نمر، ليست لديه سلطات تعيد له هيبته القضائية والإدارية التي أفتقدها بحل الإدارة الأهلية، وأن وضعه الإداري والقضائي أضحى شاذاً في ظل الإدارة الذاتية، والمؤسسات البديلة التي أُنشئت في غياب الإدارية الأهلية المرحومة كما يصفها العمدة علي صالح جيب الله، عمدة نهر عطبرة.

          وبعد سقوط حكومة مايو عام 1985م أجمعت الحكومة الديمقراطية (1986-1989م) على إعادة الإدارة الأهلية في ثوب جديد يستوعب تطلعات العصر وواقع الحال في كل منطقة من مناطق السودان على حسب مقوماتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وبناء على هذا التوجه جاء التقرير الختامي للجنة الوزارية المكونة من وزراء الطاقة، والحكومات المحلية، والأشغال والإسكان والمرافق العامة، والداخلية، والنائب العام، مثمناً لاقتراح عودة الإدارة الأهلية، وفق معايير بيئية لضبط سلطاتها واختصاصاتها على النسق الآتي:-

        تعطى الإدارة الأهلية سلطات إدارية وقضائية وأمنية شاملة في مناطق الرحل.

        وسلطات إدارية وأمنية وشبة قضائية في المناطق الريفية المستقرة.

        وسلطات إدارية وصلاحيات محدودة في المدن البلديات على مستوى شيخ الحارة.

وبذلك منح التقرير الوزاري رجال الإدارة الأهلية المعاد تنصيبهم اختصاصات وصلاحيات تخويلية في مجال الإدارة، وتفويضية في مجال القضاء، ثم أرجع تبعية مؤسسات الإدارة الأهلية إلى رئاسة القضاء وأمانة الحكومة المحلية الإقليميتين، وحدد التقرير كيفية اختيار رجال الإدارية الأهلية، وكيفية الرقابة عليهم، وطبيعة العلاقة بينهم والمؤسسات الإقليمية.

وقبل أن يوضع هذا التقرير موضع التنفيذ سقطت الحكومة الديمقراطية (1986-1989م) في قبضة حكومة الإنقاذ الانقلابية، التي حاولت أن تعيد تنظيم الإدارة الأهلية وفق سلسلة من القوانين التي صدرت في النصف الأول من عقد التسعينيات من القرن الماضي. وفي ضوء هذه التشريعات سعت الحكومة إلى إعادة هيكلة الإدارة الأهلية (أو النظام الأهلي) في ثوب ظاهره إسلامي جديد يتوافق مع تطلعاتها السياسية. فأُطلق مصطلح الإمارات على الإدارات الأهلية (النظارات)، وأضحى النظار يعرفون بالأمراء الذين وجهت طاقاتهم لدعم الدفاع الشعبي، وتوجهات الحكومة السياسية. وبذلك انحرفت الإدارة الأهلية عن مسارها المعلوم، وأمست تعيش في غربة ذات وظيفية، لأنها لم تسطع إعادة سيرتها الأولى، ولم تفلح في تحقيق الدور المناط بها، ولم تنجح في بلورة دور جديد في إطار المعطيات التي أفزرها نظام الإنقاذ، وبذلك أضحت كَالمُنْبَتّ؛ لا ظَهْراً أبْقَى ولا أرْضًا قَطَع.

 

حواشٍ على متون قراءة مذكرة الشفيع

أفلح الدكتور عبد الله علي إبراهيم في إخراج مذكرة الشفيع أحمد الشفيع إلى دائرة الضوء مرة أخرى، حيث حللها تحليلاً نصيَّاً، أصطحب فيه بعض المواقف السياسية التي كانت تمثل جزءاً من افرازات ثورة أكتوبر 1964م، وغاب أيضاً بعضها الآخر عن قراءته الفاحصة. وعلنا في هذه الخاتمة نستطيع أن نسلط الضوء على الجوانب المهمة من قراءة الدكتور عبد الله، ونعضدها ببعض الملاحظات التي استقيناها من مصادر أخرى لم تكن ضمن حواشي المذكرة "الملعونة"، بل جاءت في شكل تقارير إدارية طاعنة في شرعيتها وصلاحية تنفيذها على صعيد الواقع الذي كان متدثراً بكثير من القيم السياسية والمحلية المعارضة لمضمونها.

        أولاً: نتفق مع الدكتور عبد الله علي إبراهيم أن حكومة أكتوبر الأولى لم تستجب للطرح الذي قدمته مذكرة الشفيع أحمد الشيخ بشأن الإدارة الأهلية، بل جاءت بقرار أقل ثورية من طرح المذكرة الذي يقضى بضرورة "إلغاء الإدارة الأهلية في شمال السودان وتوزيع كافة سلطاتها للجهات القضائية والتشريعية والإدارية، وإلغاء قوانين المشايخ والإدارات الأهلية، وإلغاء سلطات النظار والعمد والمشايخ، وتحويل سلطاتهم القضائية للهيئة القضائية بموجب قرار فصل الإدارة عن القضاء"، حيث أن القرار الحكومي تبلور في إقرار مبدأ فصل القضاء عن الإدارة الأهلية، وتكوين لجنة وزارية لدراسة الخطوات العملية لتنفيذه. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تأخذ حكومة أكتوبر الأولى بمقترح وزير شؤون رئاستها، وتقوم بالإلغاء الفوري للإدارة الأهلية في شمال السودان؟ يبدو أن السبب الرئيس يكمن في المعارضة التي واجهتها مذكرة الشفيع خارج إطار الحكومة الانتقالية، وتأييد الذين كانوا ينظرون إلى لإدارة الأهلية بعين السُخط التي تبدي المساويا، حيث أظهر وكيلا وزارة الحكومة المحلية والداخلية معارضتهما السافرة لها، وساندهما المحافظون في المديريات، والضباط الإداريون العاملون في الميدان، فضلاً عن معارضة رجال الإدارة الأهلية أنفسهم. 

        ثانياً: إن القرارات التي تلت قرار حكومة أكتوبر الانتقالية تعكس روح التراجع من الموقف الأوَّلي الذي اتخذته الحكومة الانتقالية، ويعزى ذلك إلى سيطرة الأحزاب التقليدية على دفة الأمور السياسية بعد أن أزاحت قيادات أكتوبر من سدة الحكم عبر صناديق الانتخابات. ويعلق الدكتور عبد الله علي إبراهيم على هذا الموقف بقوله: لفظت الحكومة "المحافظة" المذكرة "لفظ النواة وأرجعت الفارغة لليسار، وعادت حليمة لي قديمها."

        ثالثاً: يعلق الدكتور عبد الله على "عنف البادية" السودانية الذي ربطه الكثيرون بحل الإدارة الأهلية، وظلت لعنتهم تطارد اليسار (الحزب الشيوعي السودان) الذي كان له الباع الطويل في قرار حكومة مايو الذي أفضى إلى حل الإدارة الأهلية عام 1970م دون وضع بدائل مناسب لسد الفراغ القضائي والإداري الذي نجم عن قرار حل الإدارة الأهلية. وينتقد الدكتور عبد الله الدعوة البائسة لإصلاح هذا الخطأ الذي أرتكبه اليسار في لحظات تخبط ثوري بإعادة الإدارة الأهلية دون مراعاة للمستجدات التي حدثت على الساحة القضائية والإدارية في السودان، ويصف هذه الدعوة بأنها "حيلة عاجز ومجرد أضغاث استغنت عن التحليل العياني للمؤسسة".    

رابعاً: إن عرضنا لمذكرة الشفيع أحمد الشيخ، وقراءة الدكتور عبد الله علي إبراهيم لمفرداتها، وطبيعة النتائج التي ترتبت على قرار حل الإدارة الأهلية اللاحق، تقودنا إلى القول إن العقل الاستراتيجي في السودان يعاني من مشكلات مزمنة، لأنه يميل إلى تفكير النسق (القوة القطاعية) الذي يفتقر إلى الدراسات الموضوعية في اتخاذ أي قرار يهم مصلحة البلاد والعباد، لأنه يرجَّح مصالحه القطاعية على حساب المصلحة العامة. فقضية حل الإدارة الأهلية والدعوة إلى إعادة تأهيلها بعد أن اتسع الرتق على الراتق ليست بدعاً في السياسة السودانية. والشواهد في ذلك كثيرة، ونذكر منها، أن حكومة مايو في بادي عهدها أممت القطاع الخاص، والصحافة، والرأي العام، ونادت بالتطهير للصالح العام، وأعلنت الحرب على الطائفية والقوى الرجعية، وهتف الرفاق ومن شايعهم بأنها ثورة الخلاص الأبدي من التركة الاستعمارية ومؤسساتها الرجعية (أنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص). ثم دارت الدائرة على الرفاق أنفسهم، فقُتلوا، وشُردوا، وسُجنوا، وهُمشت المؤسسات التي كانت تأوي قطاعاتهم الناشطة، وعلى رأسها سكك حديد السودان. وفي خاتمة المطاف ذهبت مايو غير مأسوف عليها، ثم جاءت الديمقراطية الثالثة بخيرها وشرها، إلا أنها لم تعمر طويلاً، فأعقبتها حكومة الإنقاذ الوطني التي نادت بثورة التعليم، وتعريب الجامعات التي كانت تدرس باللغة الإنجليزية، وتسييس الخدمة المدنية، وقد ساند هذا التوجه ثلة من النافذين في السُلطة الذين حَسِبُوها خطوة رساليَّة تجاه التأصيل والتمكين، وخدمة أهداف الإنقاذ السياسية، لكنهم أدركوا بعد فوات الأوان أنها كانت خطوة مرتجلة وغير مدروسة، ولم تأت بثمارها المرجوة. إذاً مشكلة السودان الكبرى تكمن في واقع السودان الحر المستقل الذي لا يمتلك عادات مرعية في شؤون الحكم والسياسة، وليست له أيديولوجية تتحكم في تسيِّر دفة أمور الناس الحياتية، ولم يحظ بزعامة قومية يدين الناس لها بالولاء المطلق. فأزمة العقل الاستراتيجي التي أشرنا إليها أعلاه تضع السودان بين سندان الديمقراطية الذي يختل فيه النظام الديواني وتفسد الحياة العامة، ومطرقة الدكتاتورية التي تتسلط في السلطة وتذهب بحريات العباد ومقدساتهم. ويكتوي من شر هذه الدائرة الشريرة (ديمقراطية-عسكرية-ديمقراطية) البسطاء من أهل السودان، لأن الأعراض السالبة لهذا الواقع المرير تنسحب سلباً على مظاهر حياتهم السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وتحولها إلى حياة بائسة لا طعم لها، ولا رائحة.

 

نقلاً عن صحيفة الأحداث