Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ظل الدكتور عبد الله علي إبراهيم يعتني بالكلمة المكتوبة في حلِّه وترحاله، لدرجة جعلت والدته الحاجة جمال بت أحمد ود إزيرق تصفه بأنه "مَدْعِي قِرَايَة"، لأنها لم تكن معجبة بأُنسه مع الكُتب على حساب أُنس أهل الدار. وقبل أيام من سفره إلى السودان لخوض غمار الانتخابات الرئاسية بعث إليّ برسالة إلكترونية موجزة، ثـمَّن فيها كتاب "الانتخابات البرلمانية في السودان (1953-1986م)" الذي أصدرتُه العام المنصرم (2008م) بالاشتراك مع البروفيسور الفاتح عبد الله السلام، ثم علَّق قائلاً: "وقفتُ عند عرضك لوثيقة الشفيع عن الإدارة الأهلية، وبدا لي أن ليَّ ذاكرة مختلفة عنها. ففهمي إنها قسَّمت السودان إلى ثلاث مناطق: واحدة استبقت فيها الإدارة الأهلية ناقص السلطة القضائية، وأخرى بين بين، وثالثة متقدمة أزالت منها الإدارة الأهلية. لو صح فهمي تجدني على غير وفاق معك لتصويرها كمُلغية للإدارة الأهلية بغير تحفظ. وهذا ما راج طويلاً حتى مسخوا ثورة أكتوبر في ذائقة الناس السياسية. ما رأيكم؟ ثم هل من طريق إلى حصولي على صورة من نص الشفيع ومتعلقاته؟" وجاء ردي إليه: "يبدو أن ذاكرتك الفوتوغرافية مالت إلى تقرير لجنة الإدارة الأهلية لعام 1965م، الذي قسم السودان إلى مناطق رُحلّ، وشبه رُحلّ، وريف مستقر، وانسحاباً على ذلك وصى بتوزيع سلطات الإدارة الأهلية. أما مذكرة الشفيع أحمد الشيخ فكانت أميل إلى الإلغاء الفوري في شمال السودان. طيه نص المذكرة وسوابقه." وأردتُ بهذا الرد الموجز أن لا أفسد قراءة الدكتور عبد الله للمذكرة، لأن حدسي كان راجحاً بأنه سيعرضها من منظور أكاديمي وسياسي مختلف، يصطحب فيه بعض الملاحظات التي لم تكن متاحة للناس أجمعين، بل كانت حرزاً لأولئك الرفاق الذين هجرهم الدكتور عبد الله، ولسان حاله يقول: "ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود"؛ إلا أن هجره هذا لم يفسد علاقته الفكرية وإعجابه الراسخ بالأستاذين عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ. وبالفعل عرض الدكتور عبد الله علي إبراهيم المذكرة في أربع حلقات، نُشرت مسلسلة في سودانايل في شهري مايو ويونيو 2009م، وتحت العناوين الآتية: "خبرك خبر يا مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية"؛ "مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية (1965م): إلا شقي الحال يقع في القيد"؛ "اليسار والإدارة الأهلية: وضعاً للأمر في نصاب"؛ "اليسار والإدارة الأهلية: مذكرة الشفيع الما شَهَّدوها". 

قبل الخوض في التعقيب على قراءة الدكتور عبد الله علي إبراهيم الفاحصة وملاحظاته القيمة عن مذكرة الأستاذ الشفيع أحمد الشيخ يستحسن أن نطرح في مستهل هذا التعقيب حزمة من الأسئلة الاستفسارية التي ربما تفسح المجال لوضع إطار نظري لعرض مفردات المذكرة بصورة شاملة، وتحليل تداعياتها السياسية وردود الأفعال المصاحبة لإعلانها على الناس أجمعين. وتتبلور هذه الأسئلة الاستفسارية في الآتي: ما الهدف السياسي الذي كان كامناً وراء إصدار مذكرة الشفيع أحمد الشيخ في ذلك الظرف السياسي العاصف؟ وكيف كانت ردود الأفعال السياسية والمهنية تجاه القضايا التي أثارتها المذكرة؟ وما علاقة المذكرة "الملعونة"، كما يصفها المعارضون، بحل الإدارة الأهلية عام 1970م. وكيف قوَّم الدكتور عبد الله محتويات تلك المذكرة التي لم يُشَهَّدها المعارضون في إطار المعطيات "الثورية" التي أحاطت بالمشهد السياسي آنذاك؟

 

الخليفة التاريخية لمذكرة الشفيع

لم تكن الدعوة إلى إلغاء الإدارة الأهلية فكرة حديثة النشأة، أو ذات ارتباط بمذكرة الشفيع أحمد الشيخ التي وُلدت في كنف ثورة أكتوبر 1964م، وإنما هي دعوة لها جذورها في أوساط الدوائر البيروقراطية، ودعاة الحكم المحلي من صغار الإداريين البريطانيين الذين كانوا يتطلعون لقيام نظام حكم محلي في السودان الإنجليزي-المصري (1898-1956م) على طراز الحكم المحلي البريطاني، وأساليب الإدارة الحديثة من حيث ديوانية العمل المكتبي، وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات (القضائية والتنفيذية والتشريعية)؛ إلا أن هذه الدعوة المثالية لم تجد قبولاً عند قادة العمل السياسي في السودان الإنجليزي-المصري الذين عبَّر عن وجهة نظرهم السير لي إستاك، حاكم السودان العام (1918-1924م)، في تقريره الدوري لسنة 1921م، مستأنساً برأي راجا بروك حاكم سرواك الماليزية: "إن الخطأ الشائع الذي يقترفه الأوربيون في الشرق هو أنهم يفضلون فرض المدنية الغربية، واستبعاد النظام الأهلي، بدلاً عن استخدامهما سوياً. وإن هناك طريقتين يمكن أن تسلكهما الحكومة. إذ تحافظ الطريقة على ما تجده من نظم محلية موروثة، وتستبعد ما لا يتوافق مع روح العدل والإنسانية، حيث تستطيع أن تصلح كل معوج طبقاً لهذه المبادئ، وفي حدود العادات والتقاليد المحلية لا المجلوبة من الخارج. ولتكون الإجراءات غير متعارضة مع العادات الوطنية يجب الفوز برضا الأهالي قبل تطبيقها. وحقيقة أن التقدم بهذه الطريقة يكون بطيئاً ولا يرضينا نحن الأوربيين، إلا أنه محمود العاقبة، لأنه يزيد الثقة في نفوس الأهالي، ولا يشعرهم بفرض نظام جديد عليهم. أما الطريقة الثانية فتقضي بكنس ما هو موروث، وفرض ما يرضي الأوربيين من تطبيق قانون جنائي أوروبي على أحدث طراز، ونظام ضريبي حديث، ونظام حكم محلي غربي، وبوليس، وقضاة مدربين على الطريقة الأوروبية دون تفكير في كيفية تطبيق هذا النظام على صعيد الظروف المحلية. وقد سلك هذا الطريق الفرنسيون في مستعمراتهم، إذ قضوا على كل تقاليد المواطنين وعاداتهم، وفرضوا النظم الفرنسية عليهم، فكانت النتيجة اختفاء قومياتهم الإفريقية دون أن يندمجوا اندماجاً صحيحاً في المجتمع الفرنسي، وقيمه التي فُرضت عليهم."

إذاً حصيلة هذا النص توضح أن الطريقة الأولى هي التي كانت تمثيل النهج الراسخ الذي اتبعته الإدارة البريطانية في إدارة مستعمراتها في إفريقيا وآسيا، لأنها أغنتها مشقة الاحتكاك المباشر مع المواطنين، فضلاً عن أنها كانت قليلة الكلفة المالية. علماً بأن الطريقة الثانية كانت تمثل جوهر الدعوة التي تبنتها القطاعات المثقفة، أو "دهماء المدن من أنصاف المتعلمين" كما يصفهم السيد بروان، مدير مديرية بربر في عشرينيات القرن الماضي، قبل أن يحصل السودان على استقلاله عام 1956م.

وبرز هذا الاتجاه قبل الاستقلال في تقارير بعض مفتشي المراكز السودانيين الذين لم يستسيغوا سيطرة مؤسسات الإدارة الأهلية على المجالس الريفية، وحسبوا سيطرتها قدحاً في رسالة تلك المجالس، وإفساداً لأهمية الدور المناط بالعاملين فيها. ونستوثق لذلك التوجه بمقتطفات من تقرير عبد العزيز عمر الأمين، مفتش مركز شرق كردفان، الذي قال فيه: "تملك السلطات القبلية الآن وظائف قضائية وإدارية مزدوجة، يصعب الفصل بينها في ظل الظروف الحالية، إذا لم يتم اتخاذ خطوة جادة إلى تقييد كل مجموعة منها على حدها. فتعاد الوظائف القضائية للحكومة المركزية، وتترك الإدارية منها للمجالس الريفية. ويجب أن تُأسس الحكومة المستقبلية في هذا البلد على الطريقة الديمقراطية، والحكومة المحلية هي الإجابة الحقيقية لذلك. ومن خلال خبرتي الإدارية، لاحظتُ أن بعض السلطات القبلية أضحت دكتاتورية، وأن المجالس تحت أقدام هذه السلطات تخدم غرضاً مزدوجاً. [...] فوضع الزعماء القبليين يجب أن يؤسس على فصل الوظائف القضائية من الإدارية، حيث يكون النظار ورؤساء المحاكم الأهلية جزءاً من جهاز الحكومة المركزية، وأصحاب المهام الإدارية منهم [العمد والمشايخ] يعاملوا مثل موظفي الحكومة المحلية. وأتفق تماماً مع وضع قانون يُعرِّف وجبات أولئك الزعماء القبليين، ويضع حداً لهذا الوضع الملتبس."     

اتفق معه في الرأي عبد القادر حاج الصافي، مفتش مركز دار حمر، الذي كان يرى أن الإدارية الأهلية والمجالس المحلية نظامين على طرفي نقيض، لا يمكن أن يعملان سوياً، لأن تقوية أحدهما تعني القضاء على الآخر. ومن ثم اقترح ضرورة إصدار تشريع جديد يقضي بإلغاء الإدارة الأهلية تدريجياً، وذلك انطلاقاً من إقرار مبدأ الفصل بين السلطات القضائية والإدارية، والذي بموجبه يتم استيعاب النظار ورؤساء المحاكم الأهلية في الجهاز القضائي، واستيعاب العمد والشراتي والمشايخ في جهاز الحكم المحلي.

علق السكرتير الإداري في الخرطوم على موقف صغار الإداريين السودانيين تعليقاً إيجابياً من الناحية النظرية، حيث أقر بأن العلاقة بين مجالس الحكم المحلي والإدارة الأهلية لم تكن واضحةً، وإن القبلية والحكومة المحلية لا يمكن أن يكونا في نسق إداريٍ واحدٍ، علماً بأن رجال الإدارة الأهلية يخافون أن تقوض هيبتهم وسلطانهم بتوسيع أوعية الحكم المحلي، وأن المتعلمين السودانيين يتشككون في هدف الحكومة من وراء منح زعماء الإدارة الأهلية سلطات غير محددة. وبناءً على هذا الإقرار قدم السكرتير الإداري مشروع قانون ينظم العلاقة بين الإدارة الأهلية والحكم المحلي، وتحديد الإجراءات الإدارية لتعيين زعماء العشائر ورفعهم، إلا أن السكرتير القضائي قام بحفظ هذا المشروع، وتعلل بأنه سيعقد واقع العلاقة بين الطرفين المتنازع حولهما، أكثر من أن يأتي بحلول موضوعية. وبذلك أضحت قضية الإدارة الأهلية وعلاقتها بالحكم المحلي محل جدل إداري وسياسي إلى أن نال السودان استقلاله عام 1956م.

وبعد الاستقلال أضحت الإدارة الأهلية عرضة للتنازع بين الفئات القبيلة النازعة نحو الاستقلال من سلطان القبائل الكبرى من جهة، ومؤسسات الحكم المحلي التي كانت تمارس نفوذها عن طريق أجهزه الإدارة الأهلية من جهة ثانية، والتنظيمات السياسية (الأحزاب) من جهة ثالثة. وكل واحدة من هذه المجموعات الثلاث كان لها أجندتها الخاصة، النابعة من غيرتها المهنية تجاه الإدارة الأهلية، أو سعيها لتأمين مستقبلها السياسي في المناطق الريفية التي كانت خاضعة لسلطان الإدارة الأهلية، وولاء زعمائها السياسي للأحزاب التقليدية ذات التوجهات الطائفية. وبناءً على هذه الأجندة الإدارية والسياسية برزت الدعوة إلى تصفية الإدارة الأهلية عن طريق مؤسسات الدولة الدستورية دون طرح بدائل موضوعية للنتائج المرتبة على قرار التصفية.

 

الإدارة الأهلية ومذكرة الشفيع "الملعونة"

برزت قضية تصفية الإدارة الأهلية بصفة جلية في المذكرة التي رفعها الشفيع أحمد الشيخ، ممثل العمال في حكومة جبهة الهيئات الانتقالية، في 21 يناير 1965م، بدعوى أن الإدارة الأهلية لا تمثل رغبات الشعب، لأنها خليق استعماري كان الهدف منه إخماد الحركة الوطنية، ومساندة المؤسسات الدستورية الرجعية (المجلس الاستشاري لشمال السودان والجمعية التشريعية) التي أسسها المستعمر في أربعينيات القرن الماضي، وبعد الاستقلال ورثته الحكومات الوطنية، ولم تغير شيئاً فيه، ودعمته الحكومة الدكتاتورية العسكرية واستفادت منه لأبعد الحدود. وتواضعاً مع هذه الاتهامات الباخسة في شأن الإدارة الأهلية وصى السيد وزير شؤون رئاسة مجلس الوزراء، بضرورة "إلغاء الإدارة الأهلية في شمال السودان، وتوزيع كافة سلطاتها للجهات القضائية والتشريعية والإدارية." وتكوين "لجان تحقيق على مستوى كل مديرية للتحقيق مع نظار ومشايخ وعمد هذه الإدارات الأهلية الذين ارتشوا وأفسدوا واغتنوا، ومصادرة كافة ممتلكات مَنْ تثبت ضدهم هذه التهم وإرجاعها للشعب في مناطقهم." فالدعوة إلى تصفية الإدارة وفق المُسوِّغات التي صاغها الشفيع أحمد الشيخ كانت تهدف إلى تفتيت السلطة البيروقراطية القبلية، وإلغاء التحالف القائم بينها والقوى الطائفية، وبذلك تستطيع القوى الحديثة أن تسهم في بث "الوعي الديمقراطي" على الصعيد الجماهيري، وتنشيط عملية الانتقال إلى مرحلة "الاشتراكية الديمقراطية" التي يتولى قيادتها الخريجون، والعمال، والمزارعون، لأنهم يمثلون المد الجماهيري الثوري والسند الشعبي لشعارات ثورة أكتوبر 1964م.

______________

نقلاً عن صحيفة الأحداث