مُسوِّغات الرفض وحجيَّة الاتهام

  

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

نشر الأستاذ شوقي إبراهيم يوسف بدري سلسلة من المقالات المثيرة للجدل بعنوان: "الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك ... أقول ليك ..." في صحيفة سودانايل الإلكترونية، واستهلها بإهداء مقتبس من كتاب الدكتور منصور خالد الموسوم بـ "السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام- قصة بلدين"، جاء فيه: "إلى إبراهيم بدري الذي لم يصانع في النصيحة خداعاً للنفس، أو ارتكاناً للعنجهيَّة. قال لأهله خذوا الذي لكم، وأعطوا الذي عليكم. إن أردتم أن لا يفسد تدبيركم، أو يختلَّ اختياركم. عزفوا عن رأيه، ونسبوا الرأي وصاحبه للاستعمار، ثم مضوا في خداع النفس فأغراهم بالآمال العواطل الباطلات. واليوم يعودون إلى ما قاله دون استحياء، ولا يذكرون الرجل وهم التابعون." فالقارئ المتبصِّر بتاريخ الحكم الثنائي في السودان (1898-1956م) يلحظ دون كبير عناء أن الإهداء انطلق من موقف مشهود للإداري إبراهيم يوسف بدري، فحواه مساندته الصريحة لحل قضيَّة الجنوب وفق تصور تلامس أطرافه ما جاء في اتفاقيَّة السلام الشامل (نيفاشا) التي وقعتها حكومة الانقاذ والحركة الشعبيَّة بعد نصف قرن من الصراع الدامي بين الشمال والجنوب. فإبراهيم بدري كان من ثلة العارفين بواقع الحال في جنوب السودان، والمدركين لتداعيات الصراع بين شطري القطر الواحد؛ لأنه عاش الجُعل الأوفر من عمره العامر بالعطاء في الشمال، وقضى فترة من عمره الزاهر مأموراً إدارياً في الجنوب، فأحبَّه أهل الجنوب وأحبَّهم، وأخلص لهم وأخلصوا له، لدرجة بلغت مراقي المصاهرة، فكانت إحدى زوجاته الثلاث من حسناوات مدينة منقلا وبنات السلطان. فحقاً أن آل العميد بابكر بدري وحواشيهم يمثلون قمةً من قمم التصاهر القومي والتواصل الثقافي في السودان، فهم أول مَنْ وضع لبنَّات التعليم الأهلي وتعليم البنات، وأول مَنْ تمرد على كثير من العادات الاجتماعيَّة الضارة، فكان زيجاتهم عابرة للديار القبليَّة، فتصاهروا مع معظم ألوان الطيف القبلي في بلد المليون ميلاً مربعاً دون شروط مسبقة أو قيود لاحقة، وفوق هذا وذاك آمنوا بحريَّة الفكر وتباين الرأي في إطار واقعهم الأسري، فاختلاف الرأي لم يفسد لودِّهم قضيَّة.

 

 

في ضوء هذه التوطئه يمكننا أن نطرح حزمة من الأسئلة المحوريَّة التي ربما تساعد القارئ الكريم في سماع الرأي والرأي الآخر، وتنقلنا من بؤرة الارتباط الشخصي الضيِّقة إلى دائرة الشأن العام المنداحة للناس أجمعين، علماً بأن المرحوم إبراهيم بدري كان شخصيَّةً عامّة، لها أنصارها المحبون، وأعداؤها الفاجرون في الخصومة. لكن بين هؤلاء وأولئك يوجد مَنْ يستطع أن يضع أحداث الماضي الغابرة في نصابها التاريخي دون تحيز ذاهل عن مقاصدها، بل وفق رؤية أكاديميَّة تنطلق من فرضيَّة مفادها توثيق تاريخ السودان الحديث. ويأتي في مقدمة هذه الأسئلة المحوريَّة السؤال المفتاحي والتقليدي: مَنْ هو إبراهيم يوسف بدري؟ ولماذا اتهمه نفر من خصومه السياسيين بالعمالة والخيانة عندما كان يغرد خارج سربهم؟ وما طبيعة العلاقة التي نشأت بين إبراهيم بدري مُنَاصِر فكرة تطبيق النظام الجمهوري الاشتراكي في السودان وأعضاء الجمعيَّة التشريعيَّة الذين اتخذوا موقفاً معارضاً لاقتراح حزب بالأمة الذي نادى بتعجيل الحكم الذاتي وتقرير المصير من داخل الجمعيَّة التشريعيَّة عام 1951م، ومن ثم شرعوا في تكوين حزب سياسي جديد عُرف فيما بعد بالحزب الجمهوري الاشتراكي؟  

 

  

من هو إبراهيم يوسف بدري (1897-1962)؟

 

 

هو ابن التاجر يوسف بدري وابن أخ العميد بابكر بدري، درس حتى السنة الثانيَّة بكليَّة غردون التذكاريَّة، ثم عمل بالتجارة مع أبيه في كوستي، وتندلتي، وسنجة، وسنَّار. ولما توفي والده آثر العمل في الوظائف الحكوميَّة ذات الراتب الثابت والمعاش المضمون، فدخل مدرسة نواب المآمير، وتخرج فيها نائب مأمور، ثم بدأ حياته العمليَّة في منطقة الدينكا بجنوب السودان، فعاش بين الدينكا لسنوات طوال، تقدر بعشرين عاماً، تعلم فيها لغتهم، وتزوج منهم، وكتب عن عاداتهم وتقاليدهم سلسلة من المقالات التي نُشرت في مجلة السودان في مذكرات ومدونات. وبناءً على هذه الخلفيَّة المعرفيَّة بتراث أهل القبائل النيليَّة وصفه الأستاذ محجوب عمر باشري بأنه "أول سوداني شمالي يهتم بالأنثربولوجيا الاجتماعيَّة، وأول إداري سوداني يهتم بدراسة الأقاليم" التي عمل فيها، لذلك أصبح حجةً ومصدراً في ثقافة الدينكا ولغتهم.

 

 

       وبعد تجربته الثرة في جنوب السودان انتقل إبراهيم بدري إلى وسط السودان، ثم جبال البحر الأحمر، حيث عمل مفتشاً بمركز سنكات، وخلال تلك الفترة التي قضاها وسط قبائل الهدندوة اهتم بتطوير التعليم الأولي، وذلك بتشجيعه لمشروع المدارس الصغرى ذات المُدرس الواحد بدلاً من الخلاوى الدينيَّة، وقد أثمرت تلك الجهود في تعليم النشء في منطقة كومسانة، وهيأ، وصمد. وفي النيل الأبيض أنشأ مشروع أم هاني الزراعي، وحاول من خلاله أن يطوِّر النشاط الفلاحي في المنطقة، لتتم عمليَّة ترقية البيئة المحليَّة عن طريق التعليم والخدمات الصحيَّة، إلا أن جهوده في هذا الشأن واجهت عدداً من المعوقات المحليَّة والسياسيَّة التي أفضت إلى تأميم المشروع في إطار ثورة الإصلاح الزراعي التي قادتها حكومة مايو (1969-1985م).

 

 

       بعد التجربة الإداريَّة والسياسيَّة العامرة بالعطاء والشد والجذب اعتزل إبراهيم بدري العمل العام، وانصرف إلى القراءة والبحث، فكان له صالون جامع في أمدرمان، يحج إليه نفر من رواد الثقافة ووجهاء العاصمة القوميَّة، نذكر منهم: محمد صالح الشنقيطي، وعبد الرحيم الأمين، ومبارك زروق، والشيخ الخاتم، ومحمد أحمد عمر، والسيِّد محمد الخليفة شريف، ومحمد خير البدوي. ومن جملة القضايا التي كانت تُطرح للنقاش في ذلك المنتدى الحضري: قضيَّة العدالة الاجتماعيَّة، والتعليم الأساس، وقضايا الحريات العامة، واستثمار الأرض.  وكان إبراهيم بدري في جلسات ذلك المنتدى، كما يرى يحيى محمد عبد القادر، عقلاً جبَّاراً، وذهناً متفتحاً، له إشراقات تجعله أقرب إلى الفلاسفة أو المتصوفة. ويبدو أن هذه النزعة المعرفيَّة كانت ناتجةً عن إلمامه ببعض جوانب الفلسفة اليونانيَّة، والمذاهب الفلسفيَّة الحديثة في علم السياسة.

 

  

إبراهيم بدري وجمعيَّة الاتحاد السوداني

 

 

بعد ظهور ثورة 1919م في مصر بقيادة المناضل سعد زغلول تأثرت القلة من المتعلمين السودانيين بالثورة، فاتجهوا للعمل السري نسبة للقمع الذي كانت تمارسه السلطات الاستعماريَّة ضد حركات المقاومة، ونتيجة لذلك تأسست جمعيَّة الاتحاد السوداني بأمدرمان في بدايات العقد الثاني للقرن العشرين، كأول تنظيم سياسي حديث في السودان. وبدأت الجمعيَّة نشاطها السياسي بتوزيع برنامجها السري بين أعضائها، لأنه برنامج مناهض للوجود الأجنبي ولزعماء القبائل والطوائف الذين تعاونوا مع المستعمر. وكان إبراهيم بدري من المؤسسين الخمسة الأوائل لجمعيَّة الاتحاد السوداني، والذين شملت قائمة أسمائهم عبيد حاج الأمين، وتوفيق صالح جبريل، ومحي الدين جمال أبو سيف، وسليمان كشه. ولحق بهؤلاء الأعضاء المؤسسين للجمعيَّة نفر من صغار الموظفين، وبعض الضباط بقوة دفاع السودان، نذكر منهم عبد الله خليل، ومحمد صالح الشنقيطي، وخلف الله خالد، و بابكر القباني، وصالح عبد القادر، والشيخ محمد العمرابي، وخليل فرح. ثم وجدت الجمعيَّة دفعة قويَّة عندنا انضم إلى صفوفها الضابط علي عبد اللطيف الذي كان معزولاً عن الخدمة نسبة لتصرفاته المعادية للاستعمار، وبدخوله تبلور شعار وحدة وادي النيل ضمن شعارات الجمعيَّة المرفوعة. وكانت الجمعيَّة تمارس نشاطها في تلك الظروف الصعبة في الخفاء عن طريق المنشورات التي كانت توزعها بين أعضائها والمتعاطفين معها، ويُهرب بعضها لمصر، لتُنشر في صحيفة الأهرام، مهاجمةً العلماء وسدنة الحكم الاستعماري ومناديَّة بوحدة وادي النيل. إلا أن الجمعيَّة كما ورد في مذكرات أحمد محمد يسن، "لم تعش أكثر من ثلاث سنوات حتى استقال بعض أعضائها، وانضموا إلى جمعيَّة اللواء الأبيض، بقيادة الضابط علي عبد اللطيف، بحجة أن فكرة المنشورات السريَّة لا تفي بالغرض، وأن العمل الواضح الإيجابي أصبح لازماً" في تلك الفترة من النضال الوطني ضد الاستعمار. إذاً هذه الخلفيَّة تبرز نزعة الأستاذ إبراهيم بدري الوطنيَّة الباكرة، وتؤكد قول الأستاذ شوقي بدري أن إبراهيم بدري رفض لبس الشارة السوداء حداداً على مقتل السير لي أستاك في القاهرة عام 1924م، وواضح أنه قد اتخذ هذا الموقف من منطلق وطنيٍ صراخٍ، دون أن يراعي النتائج المرتبة على وضعه الوظيفي، علماً بأنه كان يعمل نائب مأمور تحت رحمة السلطان. فضلاً عن ذلك، فإن جمعيَّة الاتحاد السوداني التي ساهم إبراهيم بدري في تأسيسها كانت نواة لجمعيَّة اللواء الأبيض التي قادت النضال السياسي بهمة صداميَّة أوسع وتضحيات وطنيَّة جسام.

 

  

لماذا يُتَّهم إبراهيم بدري بالعمالة والخيانة؟

 

 

يقول الأستاذ شوقي بدري: "سئمنا وتعبنا من وصف إبراهيم بدري بالخيانة والعمالة. وهذه الحريقة حنلزمها بالنيران، وخلي تاني دو منقة يجي ويجر خيشنا." دعونا نبتعد قليلاً عن موقف شوقي بدري الذي يدعو إلى إشعال النيران، ونبحث عن المُوسوِّغات التي قامت عليها هذه الاتهامات السياسيَّة، التي يمكن أن تُصنَّف في خانة الكيد السياسي بعيداً عن القدح في وطنيَّة إبراهيم بدري التي لم تكن محل نزاع لمن أراد أن يبحث في سجله السياسي والاجتماعي العامر بالعطاء دون غرض مسبق.

 

 

فقد عُرضت هذه الاتهامات نفسها على الأستاذ إبراهيم بدري، عندما وصفه بعض الناس بميوله الإنجليزيَّة، ونعته آخرون بأنه يعمل لمصلحة الإنجليز؛ لأنه كوَّن الحزب الجمهوري الاشتراكي من النُظَّار، والعُمد، وكبار الموظفين، وأصحاب المصالح المنضويَّة تحت لواء حكومة السودان عام 1951م. فرد إبراهيم بدري على هؤلاء بقوله: "إن هذا الحزب قد نشر دستوره واضحاً، ونص فيه صراحة على الدعوة لاستقلال السودان استقلالاً تاماً في نظام جمهوري. وأن يكون لهذه الجمهوريَّة المستقلة مطلق الحريَّة في أن تدخل في تحالف أو ارتباط مع أيَّة دولة أو دول لمصلحة السودان فقط... أما النُظَّار فإنهم لم يخرجوا من أن يكونوا مواطنين لهم حقوقهم مثل غيرهم ... ولهم مطلق الحريَّة في أن يعبَّروا عن وجهات نظرهم، أو ينتموا إلى أي حزب، أو يقرروا ما يشاؤون فيما يتصل بمستقبل السودان. وقد يكون لنُظَّار الحزب الجمهوري مصالح مع البريطانيين، لكنني لا أعتقد أن هذه المصالح أكثر من مصالح حزب الأشقاء مع المصريين، أو حزب الأمة مع البريطانيين." وواضح من رد صاحب الشأن نفسه والواقع التاريخي المحيط بأحداث تلك الحقبة أن الاتهامات التي أُثيرت في شأن إبراهيم بدري، قد تأثرت بمناورات المستعمر ومكايدات الساسة السودانيين التي كانت تصب في معين الكسب السياسي البخس. ومن هنا جاء اتهام إبراهيم بدري "بالخيانة والعمالة". وفي مثل هذا الواقع السياسي الملبد بغيوم المكايدات الحزبيَّة لا يحتاج الأستاذ شوقي بدري أن يصب الزيت على نيران الاتهامات الزائفة، ويتهم الآخرين بأنهم يسعون إلى تدنيس شخصيَّة إبراهيم بدري الوطنيَّة بالعمالة والخيانة، فإبراهيم بدري بريء من تلك التهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لكن أبناء يعقوب (أعني قادة الحركة الوطنيَّة) هم الذين شكلوا فعاليات ذلك المناخ السياسي المزكوم، وأضحوا يوزعون صكوك الخيانة والعمالة شمالاً ويميناً من غير رويَّة ولا تؤدة في سبيل كسبهم الحزبي. فنصيحتي إلى الأخ الكريم الأستاذ شوقي بدري أن ينام ملء جفونه عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم، ولا يكيل اللوم لطلبة التاريخ الذين يستقون معلوماتهم من فيض كيل السياسة الباخس، فلهم العذر أن أثاروا تلك الاتهامات في إطارها التاريخي، وحاولوا أن يكشفوا الحُجب عن مُسوِّغاتها السياسيَّة، والحجج الكامنة وراء إثارتها في تلك السنوات المُلغَّمة بمطامع المستعمر وتطلعات أهل السودان.   

 

  

إبراهيم بدري والحزب الجمهوري الاشتراكي

 

 

يرجع تاريخ فكرة الجمهوريَّة الاشتراكيَّة في السودان إلى عام 1946م، عندما تدارسها الأستاذان إبراهيم بدري ومكي عباس، وناقشا مدى صلاحيتها كنظام حكم للسودان. وبعد ذلك نشر مكي عباس عدة مقالات في جريدة الرائد، بيَّن فيها السمات العامة للنظام الجمهوري الاشتراكي، ووصفه بأنه أصلح نظام حكم لبلد مثل السودان، تتعدد فيه القبائل والطوائف، وتسيطر الحكومة على مدخلات الإنتاج الزراعي الأساسيَّة فيه.

 

 

وأخذت هذه الفكرة شكلاً مؤسسياً بعد انشطار الجمعيَّة التشريعيَّة بين أعضاء حزب الأمة من طرف، وزعماء الإدارة الأهليَّة والأعضاء الجنوبيين من طرف آخر. وفي ضوء هذه التطورات السياسيَّة اتصل إبراهيم بدري برهط رجال الإدارة الأهليَّة، وتمَّ عقد اجتماع في المقرن في السابع من ديسمبر 1951م، حضره السادة محمد إبراهيم فرح، وسرور محمد رملي، ويوسف العجب، وأحمد محمد حمد أبوسن، ومحمد ناصر، ومحمد تمساح الكدرو، ومحمد طه سروج، ومحمود كرار، وأحمد يوسف علقم، وإبراهيم الشريف يوسف الهندي، ورحمة الله محمود، وبوث ديو، وعثمان علي، وإدوارد أدوك، واستانسلاوس بياساما، والسعيد علي مطر، ونواي محمد رحال، والأمين علي عيسى، وأحمد الهاشمي دفع الله، والحاج محمد عبد الله، ومنعم منصور، وإبراهيم موسى مادبو، وإبراهيم ضو البيت، وسير سرو إيرو، ومحمد حلمي أبوسن. ووقع معظم هؤلاء الحضور على وثيقة تأسيس الحزب الجمهوري الاشتراكي التي اشتملت على البنود الآتيَّة: 1. إنني أؤمن بالجمهوريَّة الاشتراكيَّة إيماناً كاملاً، وأتعهد بالعمل في سبيلها بكل قواي. 2- أتعاون مع الطبقة المثقفة في البلاد لقيام الحكومة السودانيَّة الحرة في الجمهوريَّة الاشتراكيَّة. 3- المبادئ والتفاصيل تضعها لجنة خاصة تتكون من زعماء العشائر والجنوبيين والمثقفين." وبذلك تمخضت مداولات اجتماع المقرن عن قيام حزب جديد باسم الجمهوري الاشتراكي، ليكون ترياقاً لشُبهة الملكيَّة الحائمة حول حزب الأمة، ومخرجاً من حرج التبعيَّة السياسيَّة لمصر، التي ربما تفقد السودان كينونته القُطريَّة وشخصيته الاعتباريَّة على الصعيد الدولي. فضلاً عن أن مكتب السكرتير الإداري في الخرطوم قد قام بمشايعة الحزب الجمهوري الاشتراكي، لأنه كان يسعى من خلال تأييد له إلى "تقليص نفوذ حزب الأمة في الريف، وإضعاف قوته في الجمعيَّة التشريعيَّة حتى يكف عن الإلحاح لتحديد موعد مبكر للحكم الذاتي وتقرير المصير لا يروق لحكومة السودان، ويوقع الحكومة البريطانيَّة في حرج مع الحكومة المصريَّة."

 

 

ولا عجب أن هذا التوجه الحكومي قد أكسب الحزب تأييد عدد من النُظَّار والعُمد والمشائخ الذين كانوا يمثلون جزءاً من جهاز الدولة الإداري، وتربطهم مصالح مشتركة مع مكتب السكرتير الإداري. وفي إطار برنامج الحزب القائم على تقرير المصير، ثـمَّن إبراهيم بدري، سكرتير الحزب، أهميَّة النظام الاشتراكي الذي يروِّج الحزب له، لأنه سيحول دون انتقال تبعيَّة الجماهير وعبوديتها من غاصب أجنبي إلى مستغل من أبناء البلاد. فغياب العدالة الاجتماعيَّة المتمثلة في المبادئ الاشتراكيَّة، حسب رأيه، ستجعل استقلال السودان استقلالاً أجوفاً، لا يرضي طموحات الأهلين وتطلعاتهم. وانطلاقاً من هذه المبادئ بدأ الحزب الجمهوري الاشتراكي نفير حملته الانتخابيَّة، وسعى لخطب تأييد الجماهير في المدن والأرياف. إلا أن كسبه في الانتخابات كان كسباً متواضعاً، حيث أنه حصل على ثلاث دوائر انتخابيَّة، شملت الدائرة 46 نظارات الفونج التي مثلها الناظر يوسف العجب، والدائرة 43 رفاعة التي فاز فيها الناظر محمد حلمي أبوسن، والدائرة 54 نيالا بقارة التي فاز فيها الناظر إبراهيم موسى مادبو. أما رئيس الحزب إبراهيم بدري فقد تمَّ تعينه عضواً في مجلس الشيوخ.

 

 

إذاً دور إبراهيم بدري السياسي يجب أن ينظر إليه من خلال بُعدين أساسين. يرتبط أحدهما بالجانب النظري لفكرة الجمهوريَّة الاشتراكيَّة في السودان، الذي روَّج له عبر منتديات نادي الخريجين بأم درمان وجريدة الرائد مع صديقه مكي عباس. وكان يعتقد اعتقاداً جازماً أن النظم الجمهوري الاشتراكي هو أمثل النظم لحكم السودان بعد الاستقلال، لأنه إلى جانب وجاهته السياسيَّة، كما يرى الأستاذ إبراهيم بدري، لديَّة القدرة على تطوير الاقتصاد السوداني الذي يرتبط بملكيَّة الأرض والمؤسسات الحيويَّة، حيث أن 87% من أرض السودان ملكاً للدولة، و5% ملكيات خاصة صغيرة. فضلاً عن ذلك، فإن الدولة تملك السكك الحديديَّة والبواخر النيليَّة التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق المحليَّة والعالميَّة، وشركة الماء والنور والكهرباء، وبعض المصانع الرئيسة. فلا شك أن رؤية إبراهيم بدري النظريَّة لها وجاهتها، لكن عمليَّة تطبيقها على صعيد الواقع كانت شأناً آخر.

 

 

ويرتبط البُعد الثاني باستثمار الأستاذ إبراهيم بدري للصراع الذي نشأ في الجمعيَّة التأسيسيَّة بين قادة حزب الأمة من طرف والنُظَّار والأعضاء الجنوبيين من طرف ثانٍ، وتكوين الحزب الجمهوري الاشتراكي في مرحلة نضال وطني حاسم تجاه الاستقلال. وعند هذا المنعطف تتجلى براعة إبراهيم بدري في المناورة وإتقانه لفن اللاممكن في السياسة السودانيَّة، لأنه كان يرى في النُظُّار سنداً للحزب الجمهوري الاشتراكي، رغم أنهم لا يؤمنون بأطروحاته عن الجمهوريَّة الاشتراكيَّة، لكنهم في الوقت نفسه سيوفرون له السند الجماهيري في أماكن ثقلهم في البوادي والأرياف، ويعينون الحزب الناشئ في سحب البساط من تحت أرجل الطائفيَّة السياسيَّة والأحزاب التقليديَّة. ومن زاوية أخرى نلحظ أن تأسيس الحزب الجمهوري الاشتراكي قد وجد قبولاً حسناً عند حكومة السودان وساستها البريطانيين؛ لأنها كانت تسعى بشتى الطرق والوسائل لإضعاف النفوذ المصري في السودان، وتضيق الخناق على حزب الأمة الذي شب عن طوعها وخرج على نهجها المرسوم في إدارة البلاد. وعند هذا المنعطف ظهرت مناورات الكيد السياسي التي أفضت إلى وصف الأستاذ إبراهيم بدري "بالعمالة والخيانة"، وتلك الاتهامات إذا نظرنا إليها في مجملها نجدها لا تعدو أن تكون مجرد مكايدات سياسيَّة. وزبدة القول أن قيام الحزب الجمهوري الاشتراكي يجب أن يفسر في إطار فن اللاممكن في السياسة السودانيَّة الذي تدثر ببراعة الأستاذ إبراهيم بدري في المناورة، دون أن تفسر تلك المناورة بأنها حشرٌ سياسيٌ، ويعاتبنا الأستاذ شوقي بدري عليها، علماً بأن الأستاذ شوقي حاول أن يفصل بين أفكار إبراهيم بدري عن الجمهوريَّة الاشتراكيَّة، والتي تدل على تفرد صاحبها، وآليات تطبيق تلك الأفكار على صعيد الواقع. فإن هذا الفصل الإجرائي هو الذي يقودنا إلى تصنيف المناورة السياسيَّة في خانة الحشر السياسي، وبين الموقفين تتباين الرؤى السياسيَّة حول الحزب الجمهوري الاشتراكي، والأجندة الكامنة وراء تأسيسه في تلك الفترة الحرجة من تاريخ السودان الحديث.    

 

  

خاتمة

 

 

نشطت حركة المكايدات السياسيَّة في عهد الحكم الثنائي في السودان (1898-1956م)؛ لأن إدارة الحكم الإنجليزي-المصري استمدت قوتها من "سياسة فَرِّق تَسُد"، وبذلك خلقت حول نفسها عدداً من المدارات السياسيَّة، والقوى القطاعيَّة (الطائفيَّة، والقبليَّة، والخريجين، والتجار، والعلماء) التي شبهها الدكتور جعفر محمد علي بخيت بالكواكب السيَّارة التي تدور حول شمس السلطة المركزيَّة المشرقة وتستمد قوتها منها. فالارتباط البنيوي للقوى القطاعيَّة بالسلطة المركزيَّة الاستعماريَّة جعلها عرضة للاتهامات الكيديَّة والاحتراق السياسي. فالسيِّد علي الميرغني وُصِفَ بالعمالة، بحجة أنه تعاون مع الإنجليز للقضاء على الدولة المهديَّة، والشاهد المزعوم في ذلك أنه جاء ضابطاً مع الجيش الغازي إلى السودان. فقد وجدت هذه التهمة رواجاً في وسط خصومه السياسيين الذين لم يتثبتوا في صحتها، علماً بأن المصادر الأوليَّة تؤكد بأن السيِّد علي الميرغني عاد إلى سواكن قبل سبع سنوات من سقوط المهديَّة، وانتقل منها إلى كسلا، ثم أخيراً حط رحاله بالخرطوم سنة 1901م. أي أن الادعاء بأنه جاء مع جيش اللورد كتشنر مجرد مكايدة سياسيَّة لحرق شخصيَّة زعيم الختميَّة الذي ظل مناهضاً للمهديَّة، ومنافساً لزعيم الأنصار السيِّد عبد الرحمن المهدي. وفي المقابل نلحظ أن السيِّد عبد الرحمن المهدي كان في نظر خصومه السياسيين عبارة عن "قطعة من أحجار الشطرنج التي تعمل في دائرة النفوذ البريطاني". وفي الوقت نفسه ينعته أنصار الإمام المهدي "بأبي الاستقلال" وينْصِفه المؤرخ حسن أحمد إبراهيم عندما يصنِّف حراكه السياسي مع البريطانيين والمصريين "ببراعة المناورة السياسيَّة". إذاً اتهام الأستاذ إبراهيم بدري "بالعمالة والخيانة" يصب في دائرة الاتهامات الكيديَّة الزائفة، التي لا تقدح في قيمة الرجل الاجتماعيَّة وعطائه السياسي. فإبراهيم بدري من الشخصيات الوطنيَّة النادرة والمغمورة في تاريخ السودان الحديث؛ لأنه لم يدوِّن مذكراته كما فعل عمه العميد بابكر بدري، ولم تحظ إسهاماته الثقافية، الإداريَّة، والسياسيَّة بالبحث العلمي المتبصر، بل نلحظ أن أسمه يرد هنا وهناك عندما يكون الحديث عن الحركة الوطنيَّة، ونضال أحزابها نحو الاستقلال. أتمنى أن يوفق الأستاذ شوقي إبراهيم بدري في جمع شتات الآثار المكتوبة عن والده، وتسجيل تراثه الشفوي من صدور الحُفَّاظ ليكون في متناول الباحثين؛ لأنه تراث عَلمٍ جديرٍ بالدراسة والتوثيق دون أن نجعله أسير محبس الاتهامات الكيديَّة الزائفة.

 

  نقلاً عن الأحداث