Ahmed Abushouk [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
مروي ذكريات ومذكرات (1/3)
شرفي - الكابلي -  وقيع الله

أحمد إبراهيم أبوشوك

بعض المدن والقُرى السودانية لها صور حيَّة في أذهان الناس، رسمها المبدعون في شكل لوحاتٍ شعريةٍ ونثريةٍ بالغة الجمال، معبرةٍ عن مكنون مشاعرهم وأحاسيسهم المولعة بحب تلك الديار، ونذكر من هؤلاء الشاعر عبد الله محمد خير الذي أنشد في إحدى قصائده الحسان، مادحاً قرية أرقي بقوله: "أرقى يا رحمن في السماح مافي بلداً بتجاكرا *** الله مديها سماحه صاح من كروها ولى تكرا"، وجاراه الشاعر حاتم حسن الدابي، معاتباً إياه بعدم ذكر القرير، ومساجلاً بقوله: "القرير جوهرة الشمال وأنت دايريها محاسنا*** وفي المقام زي ذات العماد***هيبته وعزة ساكنا"، وقبل هؤلاء جميعاً أنشد الأستاذ عبد الكريم الكابلي لمروي، معدداً محاسنها في صورة شاعرية زاهية، استهلها بقوله: "فيك يا مروي شفت كل جديد *** فيك شفت عيون لعبو بى شديد *** وانكويت بالنار من زهور فى خديد". ولعمري أنَّ هذه الشواهد المختارة تكتنز نفيساً من نفائس القيم الجمالية الملهمة للإبداع، بأبعادها الحسية المختلفة، التي تجمع بين عبقرية المكان وتجليات الذات الإنسانية خُلُقاً وخِلْقَةً. ودون تقدير لذلك تكون نظرتنا، نظرة سطحية متجاوزة لإيماءات ذلك الواقع الرمزية؛ لأنها بسطحيتها تعطي الأولوية لصوت الحدس الظاهر على حساب خفقان المشاعر الصامتة التي صورها المبدعون في لحظات صفاء ذهني سامقةٍ، ومتأثرةٍ بإيقاع مشاعرهم الذوقية المختلجة مع أنفاس عواطفهم الجياشة. وعندما هذا المنعطف يصدق قول الأستاذ الكابلي: "وبعد حوالي الأربع سنوات من عودتي [إلى الخرطوم]، جاء رجل وسيم الطلعة إلى مكتبنا بالمستخدمين، يسأل عني. وقال: لي بلهجة لم تخل من الحدة، بأنه قد جاء ليسألني سؤالاً محدداً مباشراً: ما الجديد الذي وجدته في مروي؟ كما ورد في اغنيتي "فيك يا مروي شفت كل جديد" قلت له: هل نتعرف على بعضنا بعضاً؟ قال بأنه طبيب واسمه فلان الفلاني، وأنني قد أضعت من عمره سنتين بالتمام والكمال؛ لأنه وبناءً على ما ورد في أغنيتي طلب أن يُنقل إلى مروي للعمل بمستشفاها؛ ليرى هذا الجديد الذي يغري بالرؤية. قلت له: "أنهم الناس الذين عرفتهم إلى جانب التجربة المفيدة التي خرجتُ بها من مروي في مقتبل عمري."
تقودنا هذه الإجابة الموجزة، والموشحة بمعاني الإنسانية، وآيات الوفاء والعرفان لمروي أرضاً وشعباً إلى طرح حزمة من الأسئلة الجوهرية: ما سر جمال مروي الذي غنى له الأستاذ الكابلي، وكتب عنه الإداري حسين محمد أحمد شرفي، ووثق له الإداري بشير حسن وقيع الله؟ وما علاقة مروي بهؤلاء الأعلام الثلاثة؟ وهل أنَّ عبقرية مكانها وتجليات ذاتها الإنسانية جعلتهم يضعونها واسطة عقد في ذكرياتهم ومذكراتهم ؟

مدينة مروي الإرث والتاريخ
تقع مدينة مروي الحديثة على الضفة الغربية لنهر النيل، وقد شُيدت بالقرب من آثار مدينة صنب أبو دوم (أو صنم) التي يرجع تاريخها إلى العهد النبتي (900-270 ق.م.)، حيث توجد بها مقبرة كبيرة، تضم 1500 قبراً، ومعبداً للإله آمون، وقصراً ملكياً. وتُعدُّ تلك المقبرة دليلاً أثرياً على وجود استيطان بشري في المنطقة منذ وقت مبكر من عمر الدولة الكوشية (مروية). وقبل مجيء الغزو التركي المصري عام 1820م كان اسم مروي يطلق على مروي شرق، مركز ملوك الشايقية العدلاناب. وفي العهد التركي المصري (1821-1885م) أضحت مروي (صنب أبودوم) رئاسة لخط مروي الإداري، إلى أن حررها أنصار المهدية بقيادة الطيب السورابي عام 1884م، وخربوا مكاتبها الحكومية، واستولوا على خزينة الدولة، وشونة الغلال. وفي عهد المهدية (1885-1898م) جعلها الخليفة عبد الله رئاسة لخط مروي الإداري، وعين عليها الشيخ محمد أحمد كنيش. وبعد سقوط المهدية جعلها سردار الجيش الغازي معسكراً لتموين حملة بربر  المتجهة صوب الحاضرة أمدرمان، ثم بعد ذلك أضحت مأمورية إدارية، ثم مركزاً لرئاسة منطقة مروي الكبرى الواقعة بين الباجة شمالاً وأمري جنوباً. وعندما ضُمت مديرتي دنقلا وبربر في مديرية واحدة تُعرف بالمديرية الشمالية، أضحت مروي رئاسةً لمركز موحد يضم مجلسي ريفي مروي وريفي دنقلا. وفي ضوء قانون الحكم الشعبي المحلي لسنة1971م قُسم مجلس ريفي مروي إلى ثلاث وحدات إدارية، شملت مجلس ريفي مروي الشعبي، ومجلس ريفي كريمة الشعبي، ومجلس ريفي الدبة الشعبي.
وفي عهد الاستعمار الإنجليزي المصري (1898-1956م) شُيد بمدينة مروي العديد من المرافق الحكومية، والخدمية المهمة التي اكسبتها شهرة واسعة في المنطقة، ونذكر منها رئاسة المركز والمصالح التابعة له، والمدارس بمراحلها المختلفة، والسجن، والمستشفى، وبيوت الموظفين العاملين في الدولة. وفي تلك الأثناء ارتبط اسمها بالسير هاربرت وليم جاكسون (1961-1931م)، الذي درس في بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، ثم التحق بالجيش المصري، وانتدب لخدمة حكومة السُّودان عام 1899م. عمل مديراً لمديرية بربر (1899م)؛ ثم سكرتيراً إدارياً، ونائباً للحاكم العام (1900-1901م). وبعد انتهاء خدمته بمكتب السكرتير الإداري عاد مديراً لمديرية بربر عام 1902م، ومنها انتقل إلى مديرية دُنْقُلا (1902-1922م)، حيث قضى أطول سني خدمته بالسُّودان، ومن دُنْقُلا انتقل إلى وظيفة مفتش عام في الخرطوم (1922-1923م)، ثم تقاعد للمعاش بمدنية مروي، حيث أدركته المنية عام 1931م، ودُفن جثمانه بالمدينة التي أحبها واختارها موطناً لمعاشه، وأُقيم على قبره نصب تذكاري. 

مروي في مذكرات شرفي
نقصد بالإداري شرفي، حسين محمد أحمد شرفي، الذي وُلُد بأمدرمان عام 1918م، وتخرج في كلية غردون التذكارية عام 1937م، ثم التحق بكلية الآداب قسم المدارس العليا، ثم معهد الإدارة والبوليس، وتخرج عام 1945م. بدأ عمله الإداري بوظيفة نائب مأمور في بعض مناطق السُّودان، ثم بعد ذلك ترقى في السلم الإداري إلى أن بلغ وظيفة مفتش مركز، وعمل بعد ترقيته في مناطق عدة في السُّودان، من ضمنها مجلس ريفي مروي (1957م)، ثم أصبح محافظاً لمديرية بحر الغزال عام 1964م، ونائباً لوكيل وزارة الداخلية، ثم محافظاً للمديرية الشمالية (1966-1970م). تقاعد عن العمل الإداري عام 1973م، وتوفي في عقد التسعينيات من القرن الماضي.



السيد حسين محمد أحمد شرفي

وعندما دوَّن شرفي مذكراته، التي نشرها في كتابه الموسوم بـ"صور من الأداء الإداري في السُّودان، 1942-1973م)، أفرد فيه باباً كاملاً عن مركز مروي/دنقلا، استهله بقوله: "وصلتُ مدينة كريمة في نهاية عام 1956م، وبدأتُ ممارسة مسؤلياتي بحضور العيد الأول للاستقلال، وكان الاحتفال السعيد بداية موفقة للتعرف خلاله بالإخوة الزملاء الموظفين، والتجار، ورجال الإدارة الأهلية، والأعيان، والشخصيات البارزة بمدينتي مروي وكريمة، والقرى المجاورة." وسبق السيد شرفي على إدارة مركز مروي/دنقلا بعد الاستقلال إثنان من الإداريين الأكفاء، وهما: صديق نديم الذي تقاعد عن العمل الإداري عام 1956م، ثم عثمان عبد الله الذي لم يمكث طويلاً بالمركز؛ لأنه آثر الالتحاق بالعمل الدبلوماسي. وكانت رئاسة مجلس ريفي مروي في ذلك الوقت من نصيب البكباشي عبد الله إدريس أبو الحسن، رئيس الإدارة الأهلية بمنطقة مروي، ونائبه العمدة إبراهيم محمد أحمد أبوشوك (عمدة قنتي). وإلى جانب هذا التمثيل الشعبي حظي المفتش حسين محمد أحمد شرفي بزمالة نخبة من الإداريين، والقضاة، والموظفين الأكفاء، الذين كانوا مضرب مثل في الإداء الوظيفي، فضلاً عن أنهم جعلوا لمدينة مروي طعماً، ومذاقاً خاصاً في ذلك العهد الندي، الذي لخصه الأستاذ الكابلي في قوله: "فيك يا مروي شفت كل جديد". ويذكر شرفي تلك النخبة المتميزة التي سطرت أسماءها في تاريخ مروي حسب التسسل الآتي:
1)    الشيخ عوض الله صالح         القاضي الشرعي
2)    السيد صالح  محمد علي عتيق     القاضي المقيم
3)    السيد إبراهيم يوسف             ضابط مجلس ريفي مروي
4)    السيد السر حسن طه             مساعد ضابط المجلس
5)    السيد يحيى محمد علي الشامي    مساعد مفتش مروي
6)    الدكتور حسن عبد الله كُشْكُس    المفتش الطبي
7)    السيد عبد الحميد محمد الأمين     ضابط الصحة بمركز مروي/دنقلا
8)    السيد حمد أحمد حران         مفتش الزراعة-المشاريع الخصوصية   
9)     السيد إبراهيم أحمد عبد الله     مفتش البساتين
10)    السيد الطاهر أحمد البدوي        مفتش الزراعة -المشاريع الحكومية
11)    السيد نور الدين حسن         رئيس ضباط المساحة
12)    السيد مهدي محمد فرح         ضابط المساحة
13)    السيد علي الكحيل             مساعد مسجل الطلمبات
14)    السيد سيد سكوتة            كبير ضباط تعاون مروي/ دنقلا
15)    السيد عكاشة حلمي            وكيل بوستة مروي
16)     الأستاذ حامد عمر الأمين         ناظر مدرسة مروي الوسطى بنين
17)    الأستاذ أحمد صالح داؤد        ناظر مدرسة مروي الوسطى بنات   
18)    الأستاذ الأمين دكير            مدرس التاريخ بمدرسة مروي الوسطى
19)    السيد سعد محمد إبراهيم         باشكاتب المركز
20)    السيد عبد الكريم الكابلي        كاتب المحكمة الجزئية

وبشأن ترابط هذه المجموعة الاجتماعي، وتواصلها الإداري، يقول السيد حسين شرفي:

“فقد كان من دواعي سعادتي في مروي وجود مجموعة من الإخوة الزملاء رؤساء الوزارات والمصالح الحكومية لم يكن لها مثيل، فقد كانوا مجموعة من الناس المتفاهمين، وكأنهم في قلب رجل واحد. كان التعاون سائداً بينهم في الأداء الحكومي لدرجة يصعب على قارئ اليوم أن يصدقها، أو يتصورها، وقد وصل التعاون بينهم جميعاً على درجة أن الخارج منهم في طواف أو رحلة عمل يكلف البعض من الآخرين أداء بعض المهمات نيابة عنهم، وفي مجال أعمالهم ومسؤولياتهم المهنية، وهكذا. أما في حياتهم الاجتماعية فقد كانوا وكأنهم يسكنون في بيت واحد، لا يفترقون عن بعضهم البعض إلا خلال ساعات العمل الرسمي، وفي الليل عند النوم، كانوا يجمعهم سوياً مناسبات الغداء بعد الظهر، ولعبة التنس عصراً، والنادي مساءً، وأخيراً منزل واحد منهم في جزء آخر من المساء، وخاصة منزل دينمو المجموعة الدكتور حسن عبد الله كُشْكُش... وقد كان كاتب المحكمة عبد الكريم أفندي الكابلي فناناً مبدعاً، ولكنا كنا بديمقراطية نتركه خلال الأسبوع ليطرب أقرانه وأصدقاءه، ولكنا غالباً ما نستأثر به منهم بمنزلي أو منزل القاضي عتيق عليه رحمة الله، أو منزل الدكتور كشكش أمد الله في أيامه، في ليلة آخر الأسبوع الخميس في سمر برئ.”

وإلى جانب عمله الروتيني وزياراته الميدانية لقرى ومدن مركز مروي/دنقلا وثق مفتش المركز شرفي قصة طريفةً، ترتبط بالصراع الذي نشب في صفوف الاتحاديين عام 1956م، وأفضى إلى انسلاخ مجموعة الختمية وأنصارها من الحزب الوطني الاتحادي، وتكوين حزب الشعب الديمقراطي. وكان لذلك الصراع إسقاطاته السياسية السالبة على منطقة مروي، حيث أعلن البكباشي عبد الله إدريس، رئيس الإدارة الأهلية آنذاك، مواصلة نضاله السياسي في صفوف الحزب الوطني الاتحادي، بينما انضم معظم العُمد والمشايخ بمنطقة مروي إلى حزب الشعب الديمقراطي، حيث يقف السيد علي الميرغني مرشد الطريقة الختمية. ويروي شرفي، مفتش مركز مروي/دنقلا آنذاك، تفاصيل تلك القصة الطريفة، التي تعكس طرفاً من واقع ذلك الصراع، قائلاً:

“عند وصولي إلى مروي أول عام 1957م كان الخلاف على أشده بين الختمية وبين مؤيدي الحزب الوطني الاتحادي بزعامة إسماعيل الإزهري، ومعظهم من الشبان. وكان التوتر الشديد لأبعد الحدود يسود كل المنطقة وخاصة في مناطق معاقل الختمية، مثل نوري، والسقاي، والزومة، ومساوي، وغيرها. وتصاعدت الخلافات إلى درجة حدوث بعض الخلافات الأسرية التي انتهت بكل أسف بالطلاق، في مناسبات يكون الزوج مثلاً في جانب وأهل زوجته في الجانب الآخر، وهكذا.
وحدث ذات يوم أن كان بعض الشبان يجلسون ويتناقشون في المقهي الوحيد بسوق نوري الصغير، ومن بينهم سائق عربة تجرها الخيول من مدينة الأبيض، كان قد وصل لزيارة أهلة وعشيرته بنوري، وأثناء ذلك النقاش الذي احتدم شتم ذلك الشاب السيد علي الميرغني، أو ربما أشار إليه بألفاظ نابية فتحرك آخرون من الشبان الختمية، وكاد يقع اشتباك خطير ينتج ما لا تحمد عقباه لولا تدخل بعض العقلاء وفك الاشتباك. ولكن الختمية ومؤيدو حزب الشعب الديمقراطي تقدموا بشكوى ضد ذلك الشاب إلى الشرطة التي قدمت القضية إلى محكمة قسم نوري برئاسة الشيخ محمد أحمد كنيش، والتي حكمت على الشاب بشهرين سجن... وعليه تقدم مؤيدو الحزب الوطني الاتحادي باستئناف ضد الحكم أمام محكمة البكباشي عبد الله إدريس، رئيس الإدارة الأهلية، فأصدر حكماً ببراءة المتهم على أساس أنَّ الختمية ومؤيدو حزب الشعب الديمقراطي ليس من حقهم أساساً رفع الدعوى ضد المتهم؛ إذ ليس لديهم توكيل من مولانا السيد علي الميرغني.”

ولم يرض الحكم الذي أصدره رئيس الإدارة الأهلية جماهير حزب الشعب الديمقراطي التي رفعت استئنافاً ضد حكم البراءة إلى محكمة القاضي المقيم، صالح محمد علي عتيق، الذي كان في إجازة سنوية، وناب عنه المفتش حسين محمد أحمد شرفي في تصريف استئنافات المحاكم الأهلية. وكما نعلم أن السيد شرفي بحكم انتمائه الأسري يُصنف من أنصار حزب الأمة، وأن العمدة محمد أحمد كنيش، رئيس محكمة نوري الأهلية التي نظرت في القضية أولاً، يُعد من أنصار حزب الشعب الديمقراطي، والبكباشي عبد الله إدريس الذي شطب القضية بحجة أن الشاكين لم يكن لديهم تفويض من السيد علي الميرغني، كما ذكرنا أعلاه، من قيادات الحزب الوطني الاتحادي في المنطقة. وبهذه الخلفية نلحظ أن موقف الإداري شرفي كان حرجاً، وشائكاً في ظل ذلك الواقع السياسي وحيثيات القضية المقدمة أمامه. وفي هذا يقول: "شعرت بحرج شديد للغاية، وورطة لا يستهان بها؛ إذ أني كرجل إداري اختلف عن القاضي الذي مهمته تنفيذ بنود القانون حرفياً، ولا يهمه في الحق لومة لائم. وتقضي طبيعة مهنتي أن أكون على صلة وثيقة من الصداقة مع جميع الأحزاب، والطوائف، والهيئات، والجماعات، وأعاملهم إدارياً كإخوة مواطنين، سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين وطني اتحادي، وختمي؛ إلا بقدر ظروف الواقع والحق." 
وتجاوزاً لهذا المأزق السياسي والقضائي أعدَّ السيد شرفي خطبة جيدة الصنعة، عدد فيها تقاليد أهل السودان وأعرافهم، المرتبطة باحترام الكبير أياً كان موقفه، ومراعاة مشاعر المعارضين في الرأي الذي لا يفسد للود قضية، وتلى تلك الخطبة بلغة مؤثرة أمام جمع غفير من ممثلي الطرفين في القضية، الذين كانوا يحتشدون داخل قاعة المحكمة، وخراجها. وبذلك استطاع أن يمتص غضب الجميع، ويهيء المزاج العام بحنكة إدارية بالغة، ثم يصدر حكماً قضائياً يقضي بتوقيع غرامة قدرها خمسون جنيهاً على المتهم. وعن رد فعل الطرفين لذلك الحكم التوفيقي، يقول شرفي: "وما أن سمعوا بالحكم الذي صدر إلا وصفق أنصار الحزبين تصفيقاً حاراً، وكلاهما في منتهى السعادة، شاعراً بالانتصار، فالختمية سعداء؛ لأن المتهم قد أدين، ولم يعد بريئاً كما قضت محكمة رئيس الإدارة الأهلية، والاتحاديون سعداء؛ لأن المتهم لم يخرج من المحكمة مقاداً إلى السجن، بل تعانوا جميعاً بدفع الغرامة إلى كاتب المحكمة في الحال فوراً بعد صدور الحكم."
وبعد ذلك الحكم في تلك القضية الشائكة والقضايا الإدارية المماثلة لها، واصل شرفي عمله الإداري بمركز مروي/دنقلا إلى حلَّ عليه شهر ديسمبر 1957م؛ حيث غادر إلى الخرطوم ملتحقاً بمصلحة الإعلام، ولسانه يلهج بذكر محاسن مروي، التي قال فيها: "ومن الجوانب التي أسعدتني جداً بالعمل في المنطقة علاقتي بالمواطنين من السكان في المدينة التي كنت أسكن فيها، وحولها، والشايقية بصفة عامة، وعالم الله، لقد أعجبتُ بهم، إعجاباً فائقاً، وأيقنت أنهم من أعظم القبائل السودانية، فهم قوم أذكياء، وأوفياء، يتسم نهجهم في الحياة بالمودة، والمحبة، والشجاعة، والرجولة، وكان أكثر ما يعجبني فيهم أنهم قوم، بطبيعتهم التي منحها الله، منضبطون." ولذلك يقول: ودعتُ "مروي العزيزة الحبيبة، بعد كتابة مذكرات تسليم وتسلم ضافية، وشاملة لخلفي وزميلي السيد حامد علي شاش."
لا جدال أنَّ صور شرفي من الأداء الإداري في السودان، ومنطقة مروي تحديداً، تعكس طرفاً من كفاءة الخدمة المدنية التي ورثها السودان من الحكم الاستعماري آنذاك، وفي صورة معاكسة تبين إلى أي مدى تدهورت تلك الخدمة المدنية بفعل التسييس، وسياسيات التمكين التي يعاني منها السودان، معطيةً بذلك إشارة إلى جهل الساسة السودانيين أو تجاهلهم لأهمية الخدمة المدنية العامة، التي كانت تستمد قوتها من خبرة أصيلة، ومن تراث متواصل الحلقات في الملفات المكتبية، التي احتقرها ممثلو القوى القطاعية في السودان، دون أن يدركوا أن الملفات بوجودها المعلوماتي وبإلزامها القانوني تشكل ضابطاً للعمل الإداري، يبلغ درجة التقييد الخُلقي، فيمنع أصحاب السلطة من الطيش الإداري، ويحدهم عن التهاون، ويعصمهم من المحاباة والفساد. وإنَّ العقلية الاستراتيجية في السودان لم تدرك قيمة الخط الفاصل بين شاغلي المناصب الوزارية وسدنة الخدمة المدنية العامة، ذلك الخط الذي يضع على عاتق قادة التوجهات القطاعية مسؤولية صياغة السياسة العامة، وتحديد مسارات الرؤى الاستراتيجية، ويلزم في الوقت نفسه شاغلي الوظائف التنفيذية ذات البُعد الإداري والفني أن يقوموا بترجمة هذه السياسة على صعيد الواقع، وفق أجندة تخدم مصلحة الشارع العام، والرؤية الاستراتيجية التي توافق عليها الناس. فإن غياب هذه النظرة الديوانية قد كان، ولايزال، من أمهات التحديات التي تواجه أهل السودان حكاماً ومحكومين، والتي جعلت القائمين بأمر السلطة السياسية يستبدلون الذي هو أدنى (الولاء) بالذي هو خير (الخبرة)، ويفسحون المجال للعمل التنفيذي والإداري الأخرق، الذي لا يلتزم بأدبيات الخدمة الديوانية، والأعراف المهنية المرعية في الخدمة المدنية العامة، ومن ثم تصدر القرارات التنفيذية في المحافل العامة، والتجمعات الجماهيرية دون دراسة أو تمحيص، ويُؤسس بعضها على استشارة بطانة قطاعية لا تفكر إلا داخل النسق التنظيمي والمطامع الذاتية. وبذلك فقدت الخدمة المدنية العامة في السودان مصداقيتها وحياديتها، وأصبحت كـ"المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى". 

نقلاً عن صحيفة الأحداث
(يتبع: مروي في ذكريات الكابلي)